آن الأوان للتوجّه شرقاً والتحرّر من التبعيّة الاقتصاديّة العمياء للغرب

يغزو الغرب بلدان المشرق العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر. يفعل ذلك بالسياسة والتجارة والثقافة والعسكر. آل إليه ميراث بني عثمان في أعقاب الحرب العالمية الأولى 1914-1918 فتقاسمته أقوى دُوَله آنذاك، فرنسا وبريطانيا، على نحوٍ باتت معه بلاد الشام أربعة كيانات: لبنان وسورية والأردن وفلسطين.

بعد الحرب العالمية الثانية 1939-1945 آلت قيادة الغرب إلى الولايات المتحدة الأميركية فشاركت دُوَله الاستعمارية التليدة المصالحَ والموارد والنفوذ وزرعت في قلب المشرق، فلسطين، كياناً لليهود الصهاينة آخذاً بالتوسع والتمدّد حتى كاد يسيطر على كامل فلسطين التاريخية ناهيك عن أراضٍ وحواضر في سورية ولبنان ووادي الأردن وسيناء.

سورية تحرّرت، منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، من سيطرة الغرب سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واستحصلت من روسيا (السوفياتية آنذاك) قرضاً وازناً لبناء سدّ الفرات.

لبنان ظلّ خاضعاً للغرب على جميع المستويات. مردُّ ذلك تجذّرُ ثقافة الغرب لدى نخباته السياسية وأوساطه المستنيرة بفضل شيوع مدارس وجامعات أجنبية كثيرة تعهّدت على مدى قرنين أجيالاً متعاقبة من الطلاب، وبفعل علاقات راسخة من التبادل التجاري بين لبنان ودول أوروبا محورها تجارةُ الحرير (نفط ذلك الزمان) ونجاح اللبنانيين المتمرّسين باللغات الفرنسية والإنكليزية والالمانية والإيطالية في تقديم خدمات الوساطة بين مؤسسات الغرب الأوروبي والكيانات السياسية والإقتصادية في شتى بلدان المشرق العربي.

غير أنّ الظاهرة اللافتة في تاريخ لبنان المعاصر اقترانُ نظامه السياسي الذي ابتناه الفرنسيون منذ مطالع عشرينيات القرن الماضي بنظام الاقتصاد الحر المتفلّت من ايّ رقابة او ضوابط حكومية او أهلية رادعة. والمفارقة أنّ محاولات الإصلاح تركّزت في غالب الأحيان على النظام السياسي ولم تقارب النظام الاقتصادي الذي تمتع دائماً بشبه قدسيّة حمته من ضراوة معارضيه.

نظام اقتصادي هذه مواصفاته وممارساته المتفلّتة من اي رقابة او محاسبة كان لا بدّ من أن يتصدّع تحت وطأة الديون والخسائر والمخالفات والفضائح التي تكشّفت أخيراً. اليوم يجد اللبنانيون، مسؤولين ومواطنين، أنفسهم أمام مشهد انهيار اقتصادي ومالي مريع.

ازدادت الأزمة الراهنة تفاقماً بعجز المنظومة الحاكمة عن التوافق على أسسٍ ونهجٍ لمقاربة المؤسسات الدولية، لا سيما صندوق النقد الدولي، بغية الحصول على قروض وتسهيلات مالية تساعد الحكومة على معالجة الازمة في مختلف وجوهها وانعكاساتها. وكان الأمر على فداحته ليهون لولا انّ إدارة ترامب بادرت، في توقيت مريب، الى مباشرة تطبيق أحكام «قانون قيصر» الرامي الى محاصرة سورية وفرض عقوبات قاسية عليها وعلى المتعاملين والمتعاونين معها في شتّى الميادين.

لعلّ لبنان أشدّ المتضرّرين من تنفيذ هذا القانون الجائر لكون سورية تحيط به من جميع الجهات تقريباً، ولأنّ البلدين يتبادلان، بوتيرة يومية، مختلف أنواع السلع والخدمات والمقايضات، ليس أقلها أنّ سورية تزوّد لبنان بنحو 200 ميغاوات من التيار الكهربائي التي لولاها لعمّت العتمة الكثير من مناطقه.

إزاء تفاقم الأزمة وعجز الحكومة، ومن ورائها المنظومة الحاكمة، عن إيجاد حلول ناجعة لبعض جوانبها الأكثر تأثيراً في معيشة المواطنين، دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى لقاءٍ في قصر الرئاسة يوم الخميس المقبل للتشاور مع وبين رؤساء الجمهورية السابقين، ورؤساء الحكومة السابقين، ورؤساء الكتل النيابية في الوضع الراهن وفي ما يقتضي اتخاذه من تدابير لوقف التدهور الاقتصادي والمالي وتطويق الاحتقان الطائفي والاجتماعي.

ليس أكيداً انّ جميع المدعوّين سيلبّون دعوة رئيس الجمهورية. حتى لو فعلوا وشاركوا في اللقاء، فإنّ ما قد يتوصّلون اليه من مقترحات وتوصيات لن يقدّم ولن يؤخّر، إذ لا يمكن، بل لا يجوز، التعويل عليه لسبب بسيط هو انّ المسؤولين، مباشرةً او مداورةً، عن انحدار الدولة الى ما هي عليه من فساد ونهب للمال العام وفضائح وإهدار وتفكك وفوضى لا يُعقل أن يُطلب الى المرتكبين إصلاح أخطائهم وخطاياهم وأن يكون في مقدورهم أصلاً القيام بالمطلوب.

ذلك كله يجب ان يحفّز القوى الوطنية الحيّة، بكل ألوانها وأشكالها، على التلاقي لعقد مؤتمر وطني، بالسرعة الممكنة، يضمّ ممثلي الهيئات والنقابات والفاعليات الشعبية المتضرّرة من أفاعيل المنظومة الحاكمة وأفرعها داخل السلطة وخارجها من أجل الاتفاق على برنامج عمل لتحرير البلاد والعباد من التبعية العمياء، السياسية والاقتصادية، للغرب كما للاتفاق على النهج الواجب اعتماده للخروج من الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة وذلك باتخاذ المبادرات الآتية:

أولاً، تفعيل الانتفاضة الشعبية وتركيزها على المتطلبات المعيشية الحياتية، وضرورة إنشاء محكمة خاصة متفرّغة لمحاكمة الفاسدين وناهبي الأموال العامة، ووقف الهدر والإنفاق غير المجدي بإلغاء المصالح والصناديق الحكومية التي انتهت مهامها وباتت مأوى وملاذاً لتعيين المحاسيب والأزلام.

ثانياً، التوجّه شرقاً الى الصين التي تعرض تمويل وتنفيذ رزمة مشاريع إنمائية تتعلق بتطوير مرفأي بيروت وطرابلس وربطهما بخط سكة حديد يصل الى بغداد، وإنشاء خطوط سكك حديد سريعة من العريضة شمال طرابلس الى الناقورة جنوب صور، وتنفيذ وتشغيل معامل كهرباء وشبكات نقل لتوفير الكهرباء بصورة مستدامة، وإنشاء وتشغيل نفق ضهر البيدر إلخ… كما من الضروري أيضاً الانفتاح على سائر الدول والمؤسسات الأممية التي يمكنها تمويل وتنفيذ مشاريع إنمائية مماثلة.

ثالثاً، الضغط على الحكومة لإنشاء هيئة وطنية من شخصيات واختصاصيين من ذوي الخبرة والرؤية مهمتها تقديم خطة وبرنامج لإلغاء الطائفية السياسية، ومشروع قانون للانتخابات يكفل صحة التمثيل الشعبي وعدالته وإحالته على مجلس النواب لإقراره، وإذا امتنع يُصار إلى عرضه على استفتاء شعبي لإجازته الأمر الذي يشكل خطوة ثورية دستورية تنقل لبنان من الجمهورية الأولى المترهّلة الى جمهورية ثانية شابة مدنية وديمقراطية.

آن أوان الانتقال من حلاوة الأقوال الى صلابة الأفعال.

بواسطة
د. عصام نعمان
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى