آيا صوفيا.. في عمق مشروع “الإخوان المسلمين”

أردوغان ووفق سياساته المتطرفة، يسعى لتحويل تركيا إلى دولة إخوانية لا تقبل وجود دور عبادة لغير المسلمين

آيا صوفيا.. في عمق مشروع “الإخوان المسلمين”
أمجد إسماعيل الآغا

على وتر الفكر الإخواني والعثمانية الجديدة، بدا رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان كعازف متطرف، يُحاكي بنغماته الإخوانية عُثمانية الماضي، التي يسعى لاستعادتها سواء في المخيلة التركية، أو في سياساته الخارجية من سوريا إلى العراق وصولاً إلى ليبيا، إذ بات واضحاً أن أبجديات أردوغان السياسية، تنطلق من محددات تعكسها صراحة تصريحاته، عقب تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، حيث قال “آيا صوفيا رمز عزمنا للحفاظ على أمانات شهدائنا ولو كان الثمن أرواحنا”، واستطرد قائلاً “آيا صوفيا عاد مسجداً على النحو الذي أراده له فاتح إسطنبول”.

في هذا الإطار، تقول المراجع التاريخية إن السلطان محمد الفاتح عندما سيطرت قواته على القسطنطينية، قد استولى على كاتدرائية آيا صوفيا بصفته الحاكم فأصبحت من أملاكه الخاصة، وعندما قام برفع الأذان فيها كان هذا إعلاناً بأنه قد حوّلها إلى مسجد، ولا يوجد ما يُثبت تاريخياً ادعاءات البعض، بأن محمد الفاتح اشترى الكاتدرائية من أمواله الخاصة، “فالفاتحون” الذين استباحوا القسطنطينية لثلاثة أيام لا يحتاجون حسب أعراف ذلك الزمان إلى معاملات بيع وشراء، ووثيقة الطابو المتداولة حول ملكيته للكاتدرائية صادرة عام 1936 بعد تحويل آيا صوفيا إلى متحف، أي أن قرار المحكمة التركية الصادر في عام 2020 استندت على شرائع وأعراف كانت سائدة عام 1453، والتي كانت تسمح بالاستيلاء على أملاك الآخرين بالقوة.

عطفاً على ذلك، فقد روّج أردوغان أن بلاده “يمكنها الآن تجاوز لعنة الله والأنبياء والملائكة”، بعد قرار لأعلى محكمة إدارية في تركيا بشأن البت في وضعية صرح آيا صوفيا التاريخي الذي يُمثل هويتين دينيتين وتاريخاً طويلا يمتد على مدار 1500 عام، إذ استند أردوغان في تصريحاته التي أدلى بها أثناء خطاب الاحتفاء بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، على اللعنة التي حذّر منها السلطان العثماني محمد الثاني الملقب بالفاتح بأنها “ستحل على من يحوله من مسجد إلى متحف أو كنيسة”. فقد سعى الرئيس التركي من خلال هذه التصريحات إلى الإيحاء بأن “اللعنات انتهت الآن في تركيا؛ لكن في عمق ما سبق؛ يتجلى تمسك رئيس النظام التركي بحلمه لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، سواء في سياساته الداخلية، أو التدخلات العسكرية الخارجية التي عمقت من التوترات التركية مع دول مختلفة حول العالم، وتوظيف المشروع الإخواني في جُلّ أذرع سياساته الموغلة بالإرهاب.

أردوغان وفي وقت سابق خلال افتتاحه لمساجد في اسطنبول أو غيرها من المدن التركية، أو حتى في روسيا أو بريطانيا أو المانيا وصولاً للولايات المتحدة، كان يتحدث عن أهمية السلام والإخاء ورفض خطاب الكراهية، وأنه لا فرق بين الأديان السماوية، فجميعها تدعو للسلام والمحبة، وفي نفس الوقت يقوم بتحويل الكنائس في بلاده إلى مساجد، الأمر الذي يُمكن أن نستشف من خلاله مُعطيين غاية في الأهمية:
أولاً- أردوغان يحاضر في مدن الغرب عن الاعتدال وضرورة تقبّل وجود الآخر، وفي بلده تظهر حقيقته الإخوانية التي لا تحتمل وجود ما يخالف معتقداته.
ثانياً- لا يُمكن فهم خطوة أردوغان ومن خلفه تنظيم الإخوان المسلمين، على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد إلا بأنها تعتبر الكنائس مراكز للكفر موجودة في بلاد الإسلام، وضمن هذه النظرة سيُطالب المتشددون منهم بإزالة الرسوم والصلبان من على جدران آيا صوفيا.

بهذا المعنى، فإن أردوغان والإرهاب صنوان لا ينفصلان، وكذا أردوغان والمشروع الإخواني المُطعم بنكهة العثمانية الجديدة أيضاً صنوان لا ينفصلان، وعليه لا يختلف عن تلك الثنائيات من هلل لهذه الخطوة، واعتبرها نصراً للإسلام، وبالتالي لا يُمكننا أن نفصل تصريح الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى، عن مسار سياسة أردوغان الإخوانية، وبذات الوقت لا تعنينا مواقف غيره من الشيوخ، الذين وجدوا في خطوة أردوغان، مسوغاً وبوابةً يُمكن من خلالها البناء لواقع يراه أردوغان مشروعاً سياسياً قابلاً للحياة، ويُمكن تعميمه، خاصة أن المسجد الأقصى وما يُمثله لعموم المسلمين والمسيحين كـ رمزية دينية وانسانية، يُعد منارة للسلام والمحبة، وبوابة من أبواب تحرير فلسطين، وعليه فإن موقف عكرمة صبري يُعد في المضمون إنقلاباً على البعد التاريخي الذي يُمثله الأقصى، وتماهياً فظاً مع المشروع الإخواني الأردوغاني المُهدد للمنطقة بكاملها، والمتوافق جُملةً ومضموناً مع الكيان الإسرائيلي.

حين يقوم الشيخ عكرمة صبري بتقديم التهنئة لـ تركيا وزعيمها المتطرف الداعم للإرهاب، فهذا تأكيد ضمني وموافقة صريحة تتناغم مع سياسات أردوغان في سوريا والعراق وليبيا الداعمة للإرهاب؛ صبري الذي قال صراحة حيال خطوة أردوغان “إنها رسالة محبة وتأييد نطلقها من رحاب المسجد الأقصى المبارك، من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، من أرض فلسطين المقدسة، إلى فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان حفظه الله، لما قام به من إعادة الحق إلى نصابه، بفتح أيا صوفيا مسجدا، يُرفع في مآذنه نداء الله اكبر”. وأضاف، صبري “إن هذا المسجد قد أعيدت له هيبته، وأعيدت له قدسيته، بالقرار الحكيم والقرار العادل الذي أصدره الرئيس أردوغان حفظه الله، وهذا ليس بالأمر الغريب، فالرئيس أردوغان أعاد للدولة التركية هيبتها، وقد اتصفت هذه الدولة بسيادتها الكاملة وبقرارها المستقل”. وأكمل خطيب المسجد الأقصى “نحن نؤكد بأن هذه المواقف للرئيس أردوغان هي مواقف شجاعة، ومواقف إيمانية روحية، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحمي تركيا رئيسا وحكومة وشعبا ونهنئ أنفسنا كما نهنئ تركيا بإعادة نداء الله اكبر، إلى آيا صوفيا، لأن هذا المسجد هو لجميع المسلمين في أرجاء المعمورة إلى أن تقوم الساعة إن شاء الله”. وختم الشيخ صبري “ونحن من بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس، قد ابتهجنا وهلّلنا لهذا القرار، لنشد على أيدي فخامة الرئيس أردوغان”. فهل قرأ صبري ما ضمن عقول المقدسيين وسبر أغوار نفوسهم لينطق بإسم المقدسيين ويُصادر أراءهم؟.

صفوة القول، أردوغان ووفق سياساته المتطرفة، يسعى لتحويل تركيا إلى دولة إخوانية لا تقبل وجود دور عبادة لغير المسلمين، نتيجة لذلك، فإن القضية الأن ليست مجرد خلاف على مليكة مبنى أثري أو تحويله إلى مسجد، بقدر ما تنطوي هذه الخطوة على أبعاد خطيرة، تتمحور حول الصراع بين نوعين من الإسلام.
الأول- إسلام أردوغان الإخواني الاستعماري الإرهابي الذي يؤمن أن الإسلام دولة وخلافة، والذي يحاول تعميم مشروعه الإخواني في عموم المنطقة، ما يعني انتهاك الحريات والحقوق الفردية والعامة، خاصة أن أردوغان يسعى إلى إقامة دولة دينية ديكتاتورية وإمبراطورية استعمارية، تُشكل خطراً ليس فقط على الشرق الأوسط، ولكن على العالم كله بما فيه المسلمين والمسيحين.
الثاني- الإسلام الإنساني الذي يُقدّس الحريات الفردية والعامة، ويُقدّس حرية الاعتقاد، ويتعامل مع المواطنين على قدم المساواة، الأمر الذي يرفضه الإخوان في تركيا وكل مكان، ويضخون أموالاً طائلة، لسيادة “إسلام الإخوان” على الشرق الأوسط والعالم كله، هذا الإسلام خطر على المسلمين والمسيحين وعلى العالم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى