آيا صوفيا و النزعة العثمانية الجديدة

شاهد المسلمون والعالم بأكمله يوم الجمعة الموافق ل 24 يوليو 2020 عبر شاشات التلفاز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يشارك في أول صلاة جمعة في كنيسة آيا صوفيا منذ 8 عقود بعد أن تمّ تحويلها إلى مسجد، رفقة 1000 من المصلين الأتراك و أكثر من 20000 من رجال الشرطة الذين ساهموا في تأمين المكان.

وتُعتبر كنيسة آيا صوفيا تحُفة معمارية فريدة ورائعة، بناها البيزنطيون في القرن السادس أين كان يُتوّج أباطرتهم بأوامر من الإمبراطور الروماني “جوستنيان الأول” في الشطر الأوروبي من اسطنبول. استغرق بنائها خمس سنوات، واُفتتحت رسميا عام 527 ميلادي،كان الإمبراطور جوستنيان دائم الميل إلى ابتكار كلّ ما هو جديد وفريد، فكلّف المهندسين المعماريين “ايزيدور الملاطي” و”انتميوس الترالسي” ببناء هذا الصرح الديني الضخم، ـ وكلاهما من آسيا الصغرى ـ وهذا دليل واضح على مدى تطوّر فنّ البناء والعمارة في آسيا بحيث لم يعد هناك ما يدعو إلى استقدام معماريين من روما لإقامة المباني البيزنطية.

وتعني آيا صوفيا “حكمة الله” وهي من ألقاب الأقنوم الثاني في الثالوث المسيحي المرتبط بذكرى الشفاعة، وصوفيا هي الإملاء الصوتي اللاتيني للكلمة اليونانية “الحكمة”، وعلى الرغم من الإشارة إليها أحيانا باللاتينية sancta sophia إلا أنها لا ترتبط بالقديسة صوفيا الشهيدة الموجودة في الأدبيات المسيحية الأرثوذكسية.

وتُعتبر أيقونة عصرها في الفن المعماري بل وفي كلّ العصور بما تحتوي عليه من نقوش وأعمدة وأكبر قبّة مُعلّقة في التاريخ، جعلتها من أكبر الكنائس المسيحية وأعرقها مكانة، وظلّت من أكبر الكاتدرائيات المسيحية في العالم ما يزيد على ألف عام، حتى تمّ الانتهاء من بناء كاتدرائية إشبيلية في عام 1520، وقد حوّلها الصليبيون أثناء حروبهم المقدسة على المشرق العربي من كاتدرائية أرثوذكسية إلى كاتدرائية كاثوليكية عام 1204 ميلادي، لكنها سرعان ما عادت للأرثوذكس الشرقيين مرّة أخرى عندما استردّ البيزنطيون أراضيهم المسلوبة من الإفرنج سنة 1261.

وبقيت الكنيسة على حالها حتّى عام 1453 وهو تاريخ فتح القسطنطينية بقيادة السلطان محمد الثاني المُلقب “بالفاتح” والذّي قام بتحويلها إلى مسجد. ومع الوقت اُضيفت السمات المعمارية الإسلامية لآيا صوفيا مثل المنبر والمآذن الأربع والمحراب، لتُشكل مصدر إلهام لبناء العديد من المساجد العثمانية الأخرى على غرار مسجد “سليمان القانوني” و”جامع رستم باشا”.

وظلّت مسجدا حتى عام 1931، وتم إغلاقها لأربع سنوات، ثم أعيد افتتاحها في عام 1935 كمتحف لجمهورية تركيا العلمانية بعد سقوط الخلافة. لتُدرج بعد ذلك على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، وهي تُعدّ من أفضل الوجهات السياحية ومن أكثر المتاحف زيارة في العاصمة التركية اسطنبول والعالم، حيث تجذب أكثر من 3 مليون سائح سنويا وفقا لبيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية وذلك ما بين عامي 2015 و2019.

وبعد أخذ و ردّ وافق مجلس الدولة (أعلى محكمة إدارية في تركيا) بطلب من عدة جمعيات على إبطال قرار حكومي يعود للعام 1934 ينص على اعتبار الموقع متحفا. وفور صدور هذا القرار أعلن أردوغان تحويل كنيسة آيا صوفيا مسجدا.

أثار هذا قرار انتقادات واسعة من قبل المجتمع الدولي خصوصا من الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة وفرنسا واليونان ومُنظمات عديدة على رأسها اليونسكو، كما أثار استياء رؤساء الطوائف المسيحية حيث أعرب البابا فرنسيس بابا الفاتيكان وراعي الكنيسة الكاثوليكية عن “حزنه العميق” لهذا القرار، كما عبّر بطريرك الكنسية الأرثوذكسية في روسيا على نفس الموقف، وقال البطريرك البيزنطي المسكوني “برثلماوس الأول” وهو الزعيم الروحي لنحو 300 مليون مسيحي أرثوذكسي في العالم: “تحويل آيا صوفيا إلى مسجد سيثير غضب ملايين المسيحيين في العالم وسيتسبب في شرخ كبير بين المشرق والمغرب”.

وبعد أسبوعين بالكاد على قرار تحويل الموقع من متحف إلى مسجد، حتى شارك أردوغان آلاف الأتراك صلاة الجمعة، متحديا الكورونا والمجتمع الدولي في خطوة استفزازية، صرّح رئيس الشؤون الدينية التركي” أن فتح آيا صوفيا للعبادة هو بصيص أمل لجميع المساجد الحزينة وفي مقدمتها الأقصى، وأن إعادته لأصله أنهى جرحا عميقا وحسرة في قلوب الشعوب الإسلامية”.

وقد ظهر الإمام الخطيب ماسكا سيفا بيده أثناء صلاة الجمعة، وفي هذا الفعل دلالة كبيرة حيث يرمز السيف للفتح والقوة أي الفتح الإسلامي أيام الإمبراطورية العثمانية. رفع السيوف أثناء الصلاة عادة قديمة دأب عليها السلاجقة الأتراك ومن قبلهم عديد الصحابة الذين حملوا سيوفهم أثناء خطبة الجمعة وذلك لإثارة مشاعر المسلمين ورفع معنوياتهم وحماستهم للجهاد في سبيل الله والوطن… لم ينس الأتراك تراثهم الأول مجد الإمبراطورية العثمانية التي حكمت العالم طولا وعرضا، كما لم ينسوا فتاوى الجهاد المُقدّس التي كانت تصدر من آيا صوفيا.

وهم يُدركون جيدا قُدسية ومكانة آيا صوفيا في قلوب المسيحيين كما هي في قلوب المسلمين، وما تحويل تركيا الكنسية لمسجد إلا ردّة فعل على تحويل اليونان المساجد إلى كنائس ومن قبلها الإسبان الذين مسحوا كل معلم إسلامي من ذاكرة وتاريخ الأندلس.

غيّرت تركيا من سياساتها الخارجية واستطاعت بعد عام 2002 مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم توظيف النزعة القومية المعروفة ب”العثمانية الجديدة” والتي أصبحت عاملا أساسيا في السياسة التركية الراغبة في استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية. وأصبحت تتعامل مع الغرب بمنطق الندية و وفق مبدأ التعامل بالمثل وهي أرادت بذلك إرسال رسالة مفادها أن عهد الضعف ولّى وانتهى وأن أردوغان قادر على فعل أي شيء متى يتم الاستخفاف والاستهانة بقدرات تركيا.

أفشلت هذه السياسة العلاقات التركية التي كانت تجمعها مع معظم دول المنطقة (مع مصر والسعودية والإمارات وإيران ومع الغرب والولايات المتحدة أيضا)، وتعتبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية ـ الليبية مثالا آخر على تدهور العلاقات. حيث لازالت قضية الاتفاق التركي ـ الليبي تتصدّر واجهة الأحداث شرقي المتوسط، يضاف إليها التنقيب على الغاز قبالة سواحل قبرص والتقارب مع الدب الروسي في الملف السوري، ودعم القبارصة الأتراك والتضييق على اليونان ببناء قاعدة في ألبانيا، ودعم أذربيجان في صراعها مع أرمينيا التي كانت تتبع للإتحاد السوفياتي وللحلف العسكري الروسي في ما بعد، وضرب الأكراد والتوغّل شمالي العراق. وهذه السياسات جميعها تصبّ في فلك واحد وهو المشروع القومي العثماني الذي يترأسه أردوغان منصّبا نفسه خليفة للمسلمين وحاميا للسُنّة بعد تراجع الدور الريادي للسعودية، ومتماهيا في ذلك مع خامنئي إيران السلطان الفقيه وحامي الشيعة حسب زعمه.

مشروع أردوغان لا يحدّه شيء، عابر للحدود والأوطان والقارات والدول، ومُمتدّ بامتداد المسلمين، وهو يُقدّم نفسه كزعيم أوحد من خلال توظيف جميع الإمكانيات، بالتوأمة بين الدّين والسياسة و بتوظيف المشاعر القومية العثمانية ليُذكّر من ينسى أو يتناسى فضل العثمانيين على الحضارة العربية وحمايتهم للمُقدّسات الإسلامية وردّهم الخطر عن بلاد الإسلام.

مشروع إسلامي عثماني تدعّم بصناعة أضخم الغوّاصات وأكبر رادارات التشويش عن بعد، وأفضل طائرات الاستطلاع المتمثلة في البيرقدار وتدشين أكبر المطارات بسعة 600 طائرة في آن واحد مع 200 مليون مسافر سنويا، وبناء أكبر مستشفى في العالم إضافة إلى مدينة طبية متطورة ومنظومة صحية تفوق حتى اوروبا، وغزت المسلسلات التركية انحاء العالم، فبعد 3 مليارات مشاهد لمسلسل” أرطغرل” و”قيامة عثمان” و”وادي الذئاب” بأجزائه 10، غزت المسلسلات الرومانسية الهند وباكستان وإيران، وهاهي تركيا تستعد لعرض مسلسلها التاريخي الأضخم “خير الدين بربروس” بكلفة تتجاوز 600 ألف دولار في الحلقة، ويدلّ جميع ذلك على سيطرة تركية كلّية وعلى غزو ثقافي وحضاري وفي جميع المجالات أساسه النزعة القومية.

ختاما وبقطع النظر عن كوننا نختلف أو نتفق مع السياسات التركية، لا يمنعنا ذلك من الإقرار بأنّ الدولة التّي لا تحمي مُقدّسات شعبها ولا تحافظ على تاريخه الاجتماعي والثقافي وتسعى لتثمين حضارته، لا تستحق البقاء والاستمرار على هذا الكوكب..

#والدولة_قوية هي من تتمسّك بتراثها وبجُذورها، وهي من تواصل البناء على طريق بُناتها الأولين، وهي التي لا تُنكر فضل من سبق ولا تنس دماء وتضحيات أبنائها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى