أفريقيا بين وباء كوفيد ـ 19 ومرض الملاريا المتحورة

ما كاد العالم يفيق من فزع انتشار فيروس كورونا ، حتى ظهر نوع جديد من الملاريا ، يعتبر هذا المرض أحد أكثر الأوبئة فتكا في أفريقيا، على الرغم من التدابير الوقائية المتخذة لمحاربته، فيصل معدل الوفيات سنويا إلى نصف مليون شخص، وعدد كبير منهم الأطفال. وبحسب ما نشرت مجلة “لانسيت”، فإن طفرات مقاومة للأدوية ظهرت في الفيروس المسبب للمرض. وفي عام 2019 تم تسجيل أكثر من 90 في المائة من حالات الوفاة بسبب الطفرات التي ظهرت في الفيروس، المقاوم للأدوية.

أمراض جديدة فتاكة تهدد البشرية مثل مرض الملاريا المتحورة، الذي عاود الرجوع في أفريقيا. لقد ظلّت معظم البلدان الإفريقية (جنوبي الصحراء الكبرى) تواجه بسبب هذا المرض أزمة صحية عمومية متزايدة الخطورة، وممّا ساهم في حدوث هذه المشكلة: الحروب الأهلية العديدة، والاضطرابات الاجتماعية في كثير من البلدان الأفريقية، إضافةً إلى التغيُّرات المناخية والبيئية التي تساعد على انتقال عدوى الملاريا في المناطق التي كانت خالية منها. ومما زاد الطين بلة: قلة الموارد المالية الوطنية، وانعدام الدعم الخارجي، وقصور التوجيه التقني، وقلّة الخبرة في مجال مكافحة الملاريا في المناطق التي يشتد توطّن المرض فيها، وذلك فضلاً عن ظهور (الملاريا المتحورة) المقاومة للأدوية
وانتشارها، والذي زاد الوضع سوءاً. وعلى الرغم من ظهور الملاريا في البلدان الأفريقية (جنوبي الصحراء الكبرى) – بصفة أساسية – فإنّ انتشار (الملاريا المتحورة) المقاومة لأدوية متعددة، وبحسب فريق الأطباء فإن هذا النوع من الملاريا يحصد أوراح الآلاف من الأفارقة.

وقد فاجأت منظمة الصحة العالمية العالم مؤخرا، بتقرير صادم يفيد بارتفاع عدد ضحايا الملاريا في أفريقيا خلال جائحة كورونا إثر تعطل الخدمات المخصصة للتعامل مع المرض، وبينت المنظمة أن أكثر من 409 آلاف شخص في أنحاء العالم ومعظمهم من الرضع قضوا جراء إصابتهم بالملاريا في أفقر المناطق الأفريقية العام الماضي مشيرة إلى أن هذا العدد سيرتفع على نحو شبه مؤكد في 2021 بسبب جائحة كورونا. لقد أكدت المنظمة الأممية في آخر تقرير لها، بأن معدلات الإصابة بالملاريا تزايدت على مستوى العالم رغم تراجعها في الأعوام السابقة التي كانت نهاياتها تحمل أخبار سارا بشكل متواتر عن تراجع الملاريا، غير أن الأحدث من التقارير الأممية يأتي بما هو غير سار في هذا المضمار. وفي هذا السياق، فقد لفت مدير برنامج الملاريا في منظمة الصحة العالمية “بيدرو ألونسو” في تصريحات صحفية جديدة، إلى أن “تقديرات المنظمة التي تستند إلى مستوى تعطل الخدمات بسبب كوفيد 19 تشير إلى أنه سيكون هناك زيادة في وفيات الملاريا تتراوح بين 20 ألفا و100 ألف في أفريقيا جنوب الصحراء ومعظمهم من الأطفال الصغار” مرجحا أن تكون الوفيات بالملاريا أكبر من الوفيات المباشرة الناجمة عن كورونا. وبين التقرير أن عام 2019 شهد 229 مليون حالة إصابة بالملاريا وأنه على الرغم من التحديات غير المسبوقة لجائحة كورونا فإن الكثير من البلدان في أنحاء العالم كافحت بشدة للحد من انتشار المرض إلا أنه لا يمكن تأكيد النجاح على المدى الطويل في الوصول إلى عالم خال من الملاريا في غضون جيل.

الملاريا في أفريقيا

يُعَدّ حوالي 100 من بلدان – أو مناطق – العالم مصابة بالملاريا في الوقت الحاضر، نصفها تقريباً في البلدان الأفريقية (جنوبي الصحراء الكبرى)، ويقدّر معدل حدوث الملاريا – على النطاق العالمي – بما يتراوح بين 300 و 500 مليون حالة سريرية سنوياً، يحدث حوالي 90 في المائة منها في البلدان الأفريقية (جنوبي الصحراء الكبرى)، ويُعتقد أنّ الملاريا تؤدي إلى وفاة ما يتراوح بين 1.1 و 2.7 مليون شخص في العالم سنوياً، منهم حوالي مليون من الأطفال دون سنّ الخامسة في البلدان الأفريقية (جنوبي الصحراء الكبرى)، وتُشكّل هذه الوفيات بين الأطفال، الناجمة بصفة أساسية عن الملاريا المخّية وفقر الدم، قرابة 25 في المائة من وفيات الأطفال في أفريقيا. وبحسب الأمم المتحدة، فإن مواجهة النقص الحاد في ميزانيات المساعدة الإنسانية يتطلب 35 مليار دولار هي قيمة المساعدات الإنسانية المطلوبة للعام 2021، من أجل مساعدة حوالي 160 مليون شخص من أصل 325 مليوناً في 46 دولة، هم الأكثر ضعفا، يواجهون الجوع والنزاعات والنزوح وتداعيات التغيّر المناخي والوباء، حيث من المتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة إنسانية في العالم عام 2021 إلى عدد قياسي جديد ليبلغ 235 مليون شخص أي سيزيد بنسبة 40 بالمائة مقارنة بعام 2020، وفق خطط الاستجابة الإنسانية التي تنسّقها الأمم المتحدة. وللمرة الأولى منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، ارتفعت نسبة الفقر المدقع، وسجّل متوسط العمر المتوقع تراجعاً حاداً في العالم وقد يتضاعف عدد الوفيات الناجمة عن الإيدز والسلّ والملاريا.

إنّ زيادة وفيات الملاريا يعتبر صفعة في وجه الجهود الأممية، وفضيحة وتعرية لسياسات الرعاية الصحية في غالبية الدول الموبوءة بمرض الملاريا والتي تتربع أفريقيا ضمن قمتها. ومن بين أكبر التحديات التي تواجه أنشطة مكافحة الملاريا على الصعيد الأفريقي، انتشار “الملاريا المتحورة” المقاومة للأدوية المضادة للملاريا واشتدادها، هذا النوع من المرض، يدوم لفترة أطول لدى المرضى، وبخاصة عند الصغار، وفي حال أصابتهم سلالات الفيروس المتحولة، فإن التشخيص يصبح غير فعال. وقد اتضح من التجربة أنه لا يمكن المحافظة على استمرار تحسن وضع المرض إلا بمحافظة الحكومات على التزامها بمكافحة الملاريا، ثمّ إنّ هناك حاجة إلى توسيع الخدمات الصحية، خصوصاً في البلدان الإفريقية (جنوبي الصحراء)، ولا بد من مواصلة البحوث والتطوير وتقويتها، من أجل توفير الأدوات والأساليب الجديدة التي يستلزمها تغيير وضع الملاريا. وفي غياب اللقاحات ذات الأثر الفعّال (التشغيلي) على الملاريا، يكون من الضروري – بوجه خاص – وجود أدوية جديدة، نظراً لقلة الخيارات من الأدوية، وتزايد مقاومة الطفيليات للأدوية الموجودة، كما أنه لا بد من تحسين الأدوات التشخيصية، وخفض أسعارها.

والصادم حقا، أن الإصابة بالأمراض (الطفيلية) كالملاريا تبلغ ذروتها في عالمنا الذي يدعي التحضر والتطو، في حين تسعى غالبية الدول في سباق قوي نحو اكتناز الأسلحة المتطورة بمختلف تصنيفاتها، حيث أن أرتال كثيرة من تلك الأسلحة مصيرها المخازن دون استخدام… ورغم أن هذا المصير للأسلحة يعتبر شيئا مأمولا يتطلع إليه كل من يعنيه دوام الأمن والاستقرار… إلا أن الأجدى بالاهتمام والأولى بالتفعيل وليس التخزين هو ما كان ينبغي أن يتلخص في الأفكار الإبداعية والجهود البحثية في كيفية مكافحة الأمراض الطفيلية المعدية كالملاريا، بل أضعف الإيمان ما يجب صرفه على استيراد الأدوية واللقاحات لمحاربة الملاريا والأمراض المعدية الأخرى بدلا من الصرف على التسليح.

والمخجل، هو ما أكدته منظمة الصحة العالمية بأن حالات الاستعصاء على العقاقير وعلى المبيدات الحشرية المستخدمة ضد البعوض المسبب للملاريا ليس لها تأثير كبير على التراجع في جهود المكافحة، بل إن العوامل الأساسية المسببة لذلك التراجع في جهود المكافحة مرده بشكل أساسي عدم كفاية وسائل التمويل ووجود ثغرات في الإجراءات الوقائية ضد الملاريا، مؤكدة بأن الإنفاق الدولي لمكافحة الملاريا غير كاف لتحقيق الأهداف التي تسعى المنظمة لتحقيقها بشأن حملتها ضد المرض بحلول عام 2030، علاوة على أن حدوث تذبذبات في الأحوال المناخية له دوره أيضا في زيادة حالات الإصابة وتراجع جهود المكافحة.

كاتب صحافي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى