أين فشل الدين؟ [2] – حياة ابو فاضل

حياة ابو فاضل –

في عدد ربيع 2013 لمجلة “مغازين” الصادرة عن الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، حديث عن حوار جرى في فرع الجامعة في جبيل حول مفهوم التواصل الصحيح بين الدين والديموقراطية، ومما جاء فيه ان في عالمنا اليوم قرابة 4200 دين، وان نحو ثمانين في المئة من سكان الأرض ينتمون الى كل أشكال الايمان الروحي، فكيف يغدو الكوكب لو انخرط “مؤمنوه” في حروب مذهبية “ربيعية” مثلنا اليوم، ونحن نشهد على فشل طوائفنا ومذاهبنا ما دام إنساننا يقتل مَن من غير مذهبه ويخرّب الأوطان مجاهداً في سبيل الله؟ وهل حقاً ان الله يحبّذ حروب إبادة ودمار تخاض باسمه، مهيئاً جوائز “مكافأة” للمناضلين؟

من عمق التجربة الانسانية على مر التاريخ نرى خوفا غريزياً يسيّر الانسان في علاقته مع الآخر ومع “خالق” لمّا عرفه بعد تطوّر وعي آلاف سنين، جعله صورة عن عناصر طبيعية عبدها في البدء، مقدماً لها ذبائح وقرابين لاسترضائها، بانياً علاقته معها على خوف انتقل الى كل ادائه المجتمعي. ومن الخوف كان العنف بكل أشكاله، وكانت الحروب، وصار فعل الدمار يُنفّذ مرفقاً بذكر اسم الخالق.
ومنذ وصايا حمورابي العشر التي تبنتها الاديان في ما بعد، وعلى رغم مبدأ ثواب وعقاب، مبني على غريزة الخوف من إله ينتقم من العصاة، ظل العقل العلمي البشري يتطوّر داخل الاكتشافات والاختراع والبحث في كل الحقول والميادين، حتى بلغ ما بلغه اليوم، بينما ظل الدين بعيداً من بلوغ مقاربة جديدة لوعي جديد، وفشل في تحقيق توازن بين فهم انساني لأسرار المادة التي نجح في امتلاكها وجهله خفايا مسارات الروح التي ظلت بعيدة من متناوله، فإيمانه الديني مبني على طمع بثواب وخوف من عقاب، خارج مبدأ “المعرفة” التي تشكل وحدها أساسات إشراق متطوّر يقودها الى وعي أبعاد الحرية والديموقراطية التي يطمح اليها انسان الكوكب باستمرار.

وقد استطاع الدين في مجتمعاتنا العربية فرض قوانين مؤسساته على شعب “قطيع”، منظماً مسار حياته بين الولادة والموت داخل قبضتين آسرتين وعيه، قبضة الدين وقبضة الدولة، وهما غير مفصولتين غالباً، يفهم عنه رجل الدين، ويقرر عنه رجل الدولة، مما جعله ينتفض أخيراً على “خارج” سياسي أسر حريته طويلاً، وما انتفض على “داخل” تقاليد وطقوس أسرت روحه وما أضافت جديداً الى وعيه، كأنه ما قرأ آية قرآنية كريمة قائلة: “الله نور السماوات والأرض”، ولا فهم ان الخالق، عزّ وجلّ، “نور”، ومنه طاقة كل الوجود الموحدة. وكأنه ما سمع السيد المسيح يوحي بالمحبة طريقاً وحيداً لمعرفة الحق الذي يحرر هادياً الى معرفة اننا كلنا شركاء وجود متكامل.

بسبب نبض خوف موروث عن البدايات، مستمر داخل صفحات تعاليم استجدت عبر التاريخ، فشل الدين في تحرير معرفة الانسان “الغافل” من سجن “لا وعيه” على مرّ التاريخ باستثناء حالات معرفة إشراق لبعض أهل التصوّف وأهل القداسة، فأضفت وتفيض حباً حتى يومنا، حاملة نموذج إنسان مستقبل سيتخطى جدران “المؤسسة” الى فضاء المحبة الشاملة عارفاً انه نابض من الأزل الى الأبد في قلب الله.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى