أيها القوم كلكم أبرياءُ .!

حين نرى بيئة ملوثة نوجه أصابع الاتهام إلى الإنسان الذي تجنى عليها فنقول إنه عدو لبيئته نتيجة لجهله في أمور البيئة وما لها من إنعكاسات على حياته. ويمكن أن تقوم الجهات المسؤولة بعلاج هذا الضرر أو التخفيف منه.

ولكن من يعالج بيئة مشحونة بالصراعات السياسية لسنين طويلة وما يترتب عليها من أوجاع وأضرار فادحة تصيب الوطن والمواطن إذا غاب المعالج نتيجة تصلب مواقف السياسيين دون أن تلوح أية بارقة أمل لإنقاذه من أوضاعه الكارثية؟

ولا نبالغ إذا قلنا إن السياسي الملوث بالفساد والازدواجية والنرجسية يترك أثرا سيئا على المجتمع يفوق خطر تلوث البيئة بكثير. والذي يتبادر إلى الذهن إن السياسيين المتصارعين داخل العراق قد ركبهم الغرور وأخذتهم العزة بالإثم، وجحدوا حقوق شعبهم من خلال ماشاهده المواطن العراقي على شاشات الفضائيات من تهم متبادلة . وكل واحد منهم تصور له نرجسيته إنه الأفضل والأصلح ولابد أن يفرض آراءه على من ينافسه وعلى الطرف الآخر أن يرضخ لآرائه،ويتراجع عن مواقفه لكي يلتقي معه. والوزير يتشبث بمنصبه مهما كثرت فضائح الفساد في وزارته ، وكتلته تدافع عنه وتبذل مساع محمومة لبقائه في المنصب.

وفي نفس الوقت يقول رئيسه في كردستان نحن أثبتنا بأننا شركاء غير جيدين وعلينا أن نكون جيرانا جيدين.والحكومة تدفن رأسها في الرمال . والإرهاب يضرب هنا وهناك سافكا كل يوم دماء بريئة على مذبح شهوات هؤلاء السياسيين المتصارعين. وبعد كل هجمة إرهابية دموية يسمع المواطن الضحية الخطط والإجراءات الجديدة لحمايته، وتتكرر بعد أيام هجمة إرهابية دموية أخرى. وهي حلقة مفرغة عقيمة لايبدو منها أي خلاص في المستقبل المنظور. وكأن كل مالحق بالعراق وشعبه من مصائب سببته قوى غيبية لاترى بالعين. فلا توجد في العراق ثقافة الإعتراف بالخطأ من قبل أي مسؤول سياسي كباقي دول العالم حين يفشل السياسيون أو يخطأون بحق شعوبهم.

إن السياسي الذي يقول كلاما براقا منمقا أمام الناس ، ويعلق صوره الجميلة الملونة في الشوارع، ويرفقها بلافتات عريضة يخط عليها جملا ووعودا خلابة، ويغني لشخصه المطربون ليفوز بالمنصب الذي يحلم به ، وحين يظفر بذلك المنصب ويجلس على الكرسي ، يحيط نفسه بالحمايات،ويتفرج من برجه العاجي على فقراء شعبه، وتملأ أبواق سيارات حمايته الطريق ضجيجا وصخبا حين يمر سيادته في أحد الشوارع.

ويقوم بتغيير رقم هاتفه الذي وزعه على من اتصل بهم قبل الحصول على المنصب، ويضع نصب عينيه فقط المكاسب والإمتيازات التي سيجنيها من خلال منصبه الذي حصل عليه، ويسابق الزمن من أجل تحقيق هدفه غير المشروع وهو الإثراء.

ويتكبر على فقراء شعبه وكأنه بات يخرق الأرض ويبلغ الجبال طولا.هو في حقيقته خائن لوطنه وللأمانة التي أقسم على أن يؤديها بكل شرف ومصداقية. وقد تجاهل هذا النمط من السياسيين الذين يعتبرون أنفسهم إنهم قادة المجتمع بأن الوطن يزخر بالكثير من ذوي الكفاءات العلمية والثقافية والتربوية والأخلاق الحسنة لكنهم أبعدوا أنفسهم عن السياسة لأنهم رأوا بأمهات أعينهم إن العديد من راكبيها حولوها إلى كذب وتضليل وخداع في هذا الزمن للوصول إلى أهدافهم الشخصية. ومن شاهد فلما مصريا عنوانه (أرض النفاق ) يرى إن ما يحدث في العراق اليوم يشبه إلى حد كبير أحداث ذلك الفلم حين يخاطب بطل الفلم الفنان الراحل فؤاد المهندس الذي أجاد صورة السياسي المخادع الجماهير قائلا في أحد مقاطعه:

( إن نياط فلبي تكاد تتشقق ، وفصوص كبدي على وشك أن تتمزق من هول مآسيكم ، وشدة بلاويكم أيها الغلابة وأنا رهن إشارتكم متى ماسنحت الفرصة.) والفرصة لم تأت أبدا لأنه لم يقدم لهم إلا الكلمات المعسولة لتبريد الخواطر فقط.ولسرقة المزيد من قوت الشعب. وهذا الدور يقوم به اليوم الكثير من السياسيين في العراق مما ولد شعورا عميقا لدى المواطن العراقي إن وطنه تحول إلى ساحة للنفاق السياسي بعد أن سمع آلاف الوعود التي ذهبت مع الريح.

ولو جمعت تلك الوعود لتحولت إلى مجلدات. لكنها لم تلئم جرحا واحدا من جراحات هذا الشعب الكثيرة التي تشتد عمقا مع الزمن ومصيبة المصائب إننا نجد من يطلق تلك الوعود يملك البراعة الكلامية في إتهام شركائه بالتقصير وعدم الكفاءة والإبتعاد عن نبض الشارع، ويدعي كذبا إنه بريئ كل البراءة من كل سياسي لايحترم الزمن ويبتعد عن مآسي شعبه، ولا يفكر في وضع الحلول لها. أي حول نفسه إلى طبيب يداوي الناس وهو عليلُ.

والحقيقة المرة تفصح عن نفسها وتعلن إن العراق وقع تحت نير أحزاب لاهم لها سوى الإثراء على حساب الشعب،ولم تقدم للشعب العراقي منذ سقوط الصنم ولغاية يومنا هذا غير الخطب الرنانة ، والكلمات المعسولة،والشعارات الزائفة، ونزيف الشعب العراقي مستمر، وجراحاته تتعمق يوما بعد يوم. وكانت الموازنات السنوية الضخمة تمر والطبقات المحرومة لاتشعر بوجودها.والخدمات في أدنى مستواها ، والمشافي لاتتوفر فيها حبوب الأسبرين. أما اليوم وبعد انهيار أسعار النفط بدأت حكومة العراق العتيدة تطالب الشعب بشد الأحزمة على البطون، وتفرض الضرائب على رواتب الموظفين والمتقاعدين وهي وشبيهاتها لم تقف مع الشعب يوما في محنه الكثيرة.وظلت تحمي نفسها في المنطقة الخضراء ، والشعب العراقي يودع يوميا قافلة من الشهداء نتيجة للعمليات الإرهابية الإجرامية. وكما يقول المثل الشعبي العراقي: (بخيرهم ماخيرونه، وبشرهم عموا علينه).

إن عقد الشراكة بين الحكومة والشعب هو شعور المواطن بأنه يعيش في وطنه مصان الكرامة،ومن حق المتقاعد الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة وطنه أن يحصل على راتب ينقذه وعائلته من غوائل الزمن. ومن حق الطفل اليتيم أن يرى الرعاية من حكومته إلى أن يشب عن الطوق ويكون مواطنا صالحا ، ومن حق الشاب العاطل عن العمل أن يجد عملا في دولته. وكذلك ذوي الإحتياجات الخاصة ، والفقراء عموما لهم الحق أن يعيشوا عيشا كريما في وطن غني يحسده الآخرون حتى تشعر هذه الطبقات الفقيرة بأن الحكومة هي الأم الرؤوم لها بعد أن قست عليها الحياة .وهذا هو عقد الشراكة الحقيقي بين الشعب وحكومته. لكن الأمر وبكل أسف لاوجود له في العراق الذي أصبح فيه الإنسان أرخص من أية سلعة رخيصة،ولا يسمع المواطن العراقي المحروم غير الكلام النظري عن (الديمقراطية ) و(حقوق الإنسان) و( دولة الإنسان .) إلى آخر القائمة الطويلة .

وحين لايشعر السياسي بأي حرج أو خجل وهو يرى شعبه يتلوى ألما وحزنا يوما بعد يوم ولا يلوح أي بصيص في أي إصلاح والبيئة ملوثة، والتعليم والخدمات الصحية والاجتماعية في تدهور مستمر، والأرامل والأيتام والنازحون يزدادون يوما بعد يوم ومآسيهم تشتد وتتعمق والفساد الإداري والمالي يضرب مفاصل الدولة، وتتصاعد معها المحاصصات والنعرات الطائفية والوطن ينحدر شيئا فشيئا نحو الهاوية. عليه أن يصارح الشعب ويقول له مباشرة أنا فشلت في مهمتي ، ولا أتمكن بعد اليوم أن أستمر في عملي وأتمنى أن يحذو الفاشلون حذوي ويتركوا الساحة لأشخاص آخرين لهم القدرة على تغيير هذا الواقع المرير لأن المنصب لايشرف إنسانا فاشلا.

ترى هل يصدق أحد إن وطنا يطوف على بحر من البترول الذي تجاوز برميله يوما 130 دولارا. وحكوماته لم تقدم له شيئا يذكر .؟ وليس لي كمواطن عراقي الا أن أعزي نفسي بالبيت الشعري الذي يقول :

خليلي ماأحرى بذي اللب أن يرى
صبورا ولكن لاسبيل إلى الصبر .

إن مصيبة العراق الكبرى هي إن الكل يدعي وصلا بليلى وليلى تئن وتصرخ أحيانا من جراحاتها وعندما نلقي نظرة على رؤوس السياسيين التي تحولت إلى مزرعة بصل كما قال الشاعر المرحوم علي الشرقي:

قومي رؤوس كلهم
أرأيت مزرعة البصل.؟

حينذاك يختلط الحابل بالنابل، ويضيع التمييز بين الصالح والطالح لأن الطالح كثير والصالح قليل. وكما يقول المثل الشعبي العراقي ( يحترك الأخضر بسد اليابس.)

فهل ينهض العراق بهذا النوع من السياسيين؟ أقول كلا وألف كلا.وإذا بقيت الحال هكذا سيقول لكم كل عراقي كما قال الشاعر :

يمينا لأبغض كل امرئ
يزخرف قولا ولا يفعلُ

إن العراق اليوم بحاجة لمن يعمل ولا يزخرف القول في الفضائيات فلا تبرؤا أنفسكم من الأخطاء الفاحشة التي وقعتم فيها وعليكم أن تعترفوا بالفشل قبل فوات الأوان.

إن دماء العراقيين مستباحة نتيجة خلافاتكم ومهاتراتكم وتسقيط بعضكم البعض في الوقت الذي يواجه العراق أشرس هجمة بربرية على أرض العراق. ودماء الشهداء تجري بلا توقف.

وإذا كانت هذه الأخطار الكبرى التي تهدد الوطن في الصميم لاتهز ضمائركم فمتى ستهتز؟ وإلى متى تقولون مالا تفعلون والعراق ينزف ؟ والبعيد يتعاطف مع شعبكم وأنتم غارقون في الحصول على المكاسب والإمتيازات. وليس لي إلا أن أختم مقالي ببيت الشاعر الراحل أحمد شوقي:

لايلم بعضكم على الخطب بعضا
أيها القوم كلكم أبرياء !

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى