أَلأِمبراطُورِيّاتُ وَمَنْطِقُ أَلْدَوْلَةِ

قبلَ الحَديثِ عن هذا العُنوانِ ، لابُدَّ مِن تعريفِ الامبراطوريّةِ . عُرِّفَتْ الامبراطوريَّةُ بأنّها : ” تجمعُ دُوَلٍ كَثيرةٍ تحتَ حُكْمِ سُلْطانٍ واحدٍ “. ومن هذا التَّعْرِيفِ نفهمُ أَنَّ الامبراطورِيَّةَ دَولَةٌ مَركزيّةٌ تغولت وتوسعت وتمددت ، وَضَمَّتْ اليها دُوَلاً أُخْرى ظُلْماً وَعُلُوّاً وفقاً لمنطقِ القُوَّةِ لامنطقِ الحَقِّ .

أَمّا الدَوْلَةُ فَمُصْطَلَحٌ ظَهَرَ في اللّغاتِ الأورُبِيَّةِ في مطلعِ القرنِ الخامس عشر ، وفي القرن الثامن عشر أُستُخدِمَ بمعناه اللاتيني الذي يَعني ” الشؤون العامَّة ” .

وقد عَرّفَ ماكس فايبر الدولَةَ بِأَنَّها : ( مُنَظَّمَةٌ سياسيَّةٌ إِلزاميَّةٌ مَعَ حُكُومَةٍ مركزيّةٍ تحافظُ على الاستخدامِ الشَّرعيِّ للقُوَّةِ في اطارِ ارضٍ مُعَيَّنَةٍ ) . وَعَرَفَتْها موسوعةُ لاروس الفرنسيّة بأنَّها : (مجموعةٌ من الافرادِ الذينَ يَعيشونَ في أَرضٍ مُحَدَدَةٍ وَيَخضَعُونَ لسُلطَةٍ مُعَيَّنَةٍ ). والدولةُ نشات في اعقابِ مؤتمر وستفاليا عام 1648 ، بعد حرب الثلاثين عاماً في اوربا .

قبلَ هذا التأريخِ ، لمْ يعرِفِ العالَمُ مفهومَ الدولة المُحَدَدَةِ الحدودِ ، والتي لها ارضٌ محددة ، وشعب محدد ، ويحكمها دستور ، وتنظم علاقاتها مع مواطنيها قوانين وانظمة ، وتنظم علاقاتها بالدول الاخرى قوانين دوليّة .

كان العالَمُ قبلَ هذا التأَريخِ ، تحكُمُهُ الامبراطوريّاتُ التي لايحكمها قانونٌ ولاضوابطُ أَخلاقيّةٌ ، بل تحركُها نزعاتُ السيطرةِ والتمدد والتوسعِ على حساب الاخرين ، لاوجود لقوانينَ دوليّة تراقبُ انتهاكات حقوقِ الانسان داخل هذه الامبراطوريّات ، وقهر الشعوب وقمعها خارج هذه الامبراطوريات ،التي لاهمَّ لها الا التوسع والعدوان والقهر والسيطرة ونهب ثروات الشعوب.

الامبراطوريّةُ الرومانيّةُ امتدت من عام 510 قبل الميلاد الى القرن الاول قبل الميلاد ، والامبراطوريّة العثمانيّةُ ، امتدت من عام 1299 الى عام 1923 . وفي العصور الوسطى هناك ممالك حكمت اوربا في العصور الوسطى باسم المسيحيّة ادت الى حروب دينيّة شهدتها اوربا استمرت لثلاثين عاماً انهتها معاهدةُ وستفاليا .

هناك امبراطوريات انتهت بعد الحرب العالميّة الاولى كامبراطورية رومانوف في روسيا وامبراطورية كل من النمسا والمانيا والامبراطوريّة العثمانيّة . وفي عام 1918 بشّرَ الرئيس الامريكي ويلسون ،الذي اعلن المبادئ الاربعة عشر ، بعد الحرب العالمية الاولى بعالمٍ جديدٍ يقومُ على اساسِ الحَقِّ والحريّةِ وتقريرِ المصير .

الامبراطوريّةُ الصَّفَوِيَّةُ حكمت من عام 1501-1736 ، والتي لم يقتصر حكمُها على ايران بل امتد نفوذها وضمت مناطق من اسيا الوسطى والعراق .وكانت في حروبٍ داميّةٍ مع الامبراطوريّةِ العثمانيّةٍ .

كلُّ هذهِ الامبراطوريّاتِ اختفت عن المشهد العالّمي ، لم يبقَ منها الا دُوَلُها . الامبراطورية الصَّفَويَّة لم يبقَ منها اليوم الا دولة ايران ، والامبراطوريّةُ العثمانيّةُ لم يبقَ منها الا الدولة التركيّة ، وامبراطوية بريطانيا العظمى لم يبق منها اليوم الا المملكة المتحدة ، والامبراطوريّة القيصريّة ، والاتحاد السوفياتي لم يتبق منهما الا روسيا ، والامبراطوريّةُ الرومانيّة لم يتبقَ منها الا دولة ايطاليّا اليوم .

الامبراطورياتُ بتمددها الظالمِ وتوسعها اللامحدود تنتهي وتعود الى وضعها الطبيعي كدولة ، وهذا يثبتُ لنا وبدليلٍ قاطع ؛ ان منطقَ الدولة اقوى من غطرسةِ الامبراطوريّة .

وأَيُّ دولَةٍ تحاولُ ان تتجاوز حدودها وتتمدد ظلماً وعلواً على حدودِ الآخرينَ وحقوقِهم ، منطقُ الدولةِ يفرضُ عليها ان تتراجع الى حدودها الطبيعيّة .

وهذا درسُ التاريخ لكل الحكام المتغطرسين الذين ارادوا ان يتجاوزوا منطق الدولة الى غطرسة القوة والتمدد الامبراطوري . هكذا اراد الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب ان يتجاوز منطق الدولة الى عقلية القوة والهيمنة الامبراطورية ، ولكن في النهاية انتصر منطق الدولة الامريكيّة على العقليّة الامبراطوريّة للرئيس ترامب.

  • الحضارَةُ والامبراطويّةُ

الامبراطورياتُ تتساقطُ وتنتهي من مسرح التأريخِ وتتحولُ الى دُوَلٍ لها حُدودُها الطبيعيّةُ ، ولكن هل القانون الذي يسري على الحضارات هو نفس قانون الامبراطوريّات ؟ نعم : الامبراطوريةُ رافعةٌ للحضارة ، ولكن ليست هي الحضارة ، ويمكن ان تقوم حضارة دون ان تكون هناك امبراطوريّة . ويمكن أَنْ تسقطَ الامبراطوريّةُ وتبقى الحضارةُ . الآن سقطت كلُّ الامبراطوريات التي رفعت شعار الاسلام ، ولكن لم يسقطِ الاسلامُ كدينٍ وحضارةٍ . الامبراطوريات تسقط ولكنَّ الحضارة تبقى حيّةً . الاسلام كقيم وحضارة موجود رغم عدم وجود امبراطوريات ترفع رايته . الامبراطوريات تسقط ولكن حضاراتها باقية في باطن الارض وعلى سطح الارض ، امبراطوريات الفراعنة سقطت ولكن الحضارة الفرعونيّة لم تسقط بل بقيت باهراماتها الشامخة وبما يحويه باطن الارض المصرية من كنوزهم وآثارهم .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى