أَلْقِيَمُ أَلْكَوْنِيَّةُ وَالْخُصُوصِيّاتُ الثَّقافِيَّةُ

هَلْ هناكَ قيمٌ مُشتَرَكةٌ عابرةٌ للثقافات والخصوصيات يتفقُ عليها جميعُ البَشَر ، أَمْ أَنَّ القِيَمَ مَحَلِيَّةٌ ترتبطُ بالبيئةِ والجغرافيا والثقافة؟ واذا كانت هناك قيمٌ مشتركةٌ بين جميعِ البَشَرِ ، فهل هناكَ تعارُضٌ بينَ هذهِ القيمِ المشتركةِ العابرة للحدودِ والخصوصياتِ والثقافاتِ وَبَيْنَ الثقافاتِ والخصوصيات لكل أُمّةِ ؟

انَّنا نرى بالوجدانِ والفطرةِ وجودَ قيمٍ عابرةٍ للحدودِ والثقافاتِ ، يتَطَلَعُ اليها كلُّ البَشَرِ على اختلافِ الوانهم ودياناتهم وثقافاتهم ، كالتطلعِ نحو العدالةِ والحريّةِ والمساواةِ ؛ لانها قيمٌ مرتبطةٌ بالانسانِ كانسان بغض النظر عن لونهِ وعرقهِ ودينهِ .

وهذه القيمُ ساهمت كلُّ الحضارات وكلُّ أُممِ الارض في ابرازها ، فالحضارة عمليّةٌ تراكميّةٌ ، فالحضارةُ الاغريقية تأثرت بحضارة وادي الرافدين وحضارة مصر واضافت اليهما ، والحضارة الاسلاميّة ، لم تكن مجرد حضارة ناقلة لماعند الاغريق ، بل اضافت وطورت وأَبدعت ، وكذلك الحضارة الاوربية ، فهذا العطاء الحضاري المتواصل والمتراكم هو جهد انساني مشترك .

هذهِ القيم الكونيّةُ قيمٌ انسانيّةٌ مشتركةٌ ساهمت فيها الانسانيّةُ عن طريق الحوار واللقاء والتواصُل الانسانيّ . وهذه القيم لايمكن أَنْ تُفرَضَ بالقوة . الاستعمارُ الذي فرضَ ثقافتهُ بقوةِ الجُيُوشِ ، لايمكن أنْ نسميَّ هذهِ القيمَ المفروضةَ بقوةِ السلاحِ قيماً كونيّةً ، ولايمكن ان نُسّمِيَ العولمةَ المتوحشةَ التي فرضتْ انماطَها الاستهلاكيّةَ على شعوبِ الارض ، وفرضت رؤية واحدة على شعوبِ العالَم ، لايمكن ان نُسّمِي ذلك قِيَماً كونِيَّةً . القيَمُ الكونيّةُ لاتتعارض مع ثقافاتِ الشعوب المحليّةِ . الحضاراتُ المختلفةُ تتعايش وتتحاور وتتبادلُ الثقافات والمعارف والخبرات ، وحسب التعبير القرانيّ ، الحضارت تتعارف ولاتتصادم ، يقول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ؛ الحجرات: الاية: (13).

الاختلافاتُ بين اممِ الارضِ ليس على كونيّةِ هذه القيم المُشتركة ، وانما على تصورات هذه القيم . الاختلافاتُ منشؤُها الثقافات التي هي خصوصيات لكل أُمَّةٍ أَو شَعبٍ ، وهذه الخصوصياتُ لاتسحقها وتلغيها القيمُ الكونيّة ؛ لانها تتعايشُ مع الخصوصيات ، وتحترمُ التعددياتِ ، وتعتبرها نقاط قوةٍ وثراء . نعم ، العولمةُ تسحقُ هذه الخصوصياتِ وتقهرها ، وتفرضُ عليها نمطاً احادياً من التفكير ، ورؤيةً واحدةً ، وثقافةً واحدةً .

البشريةُ بحاجةٍ الى قيمٍ كونيّةٍ عابرةٍ للحدود والخصوصيات والثقافات ، تشكّلُ معاييرَ تحتكمُ اليها ، مع احتفاظها بخصوصياتها وتنوعاتها الثقافيّة .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى