إغاثةُ قافلة، بقلم: سائد حسونه

خُلِقَ الإنسان ليكون حراً في الفكر حراً في الحقوق، لا ليعبد الشهوات باسم “الحرية”، ويقلد البهيمية باسم “نزع التقليد”، ولا أقول أكثر من هذا لأنه لا يدخل خطة المصلحين العظماء الذين اضطُهدوا في إسعاد البشر وماتوا لإحيائهم، والذين تنكرت لهم البشرية أحياء، ثم خلدت لهم الذكر أمواتاً، ومن هؤلاء جنود مجهولون خدموا الناس فأنكرهم الناس وجهلهم التاريخ، ولكن أعمالهم مدونة في سجلٍ هو أرفع من التأريخ، وإذا شَكر الحقُ أعمالهم، ورفعَ لهم منازلهم فماذا يصنعون بتقدير الناس.

لكن نرى أن هناك ألوان أخرى من الغرائز الشهوية، فلون إفراط الشهوة، لون أحمق، إذا صح أن نَصِفَ الألوان بالحماقة!، أقول هو لون أحمق لأنه مشوه الغاية، مضطرب النتيجة، ولكنه رغم جميع ذلك شائع جداً، ولاسيما في الطبقة المترفة التي تدعي الرفعة، وتتولى رعاية الأمور.

أرأيت الإنسان بشحمه ولحمه يدخل “الحانة” ليهب “عقله” بلا ثمن، ويشتري الجنون منها بالمال؟!. أرأيت من يساوم على مقدساته ومقدراته بِهَلَةٍ من الكأسِ ورشفةٍ من عقار؟!.

أرأيت الإنسان يتمعك بنهيق، ويدور دُوار النَبَّاح، ويعربد كما يعربد المجنون، ثم يدعي بعد ساعة أنه من رؤوس العقلاء ومن قادة المفكرين، وقد يتصدى لمهمات الأشياء ويتسلم مقاليد الأمور؟.

نعم ذلك الإنسان.. في نشوةٍ من سُكْره، ولذةٍ في خياله، وماذا عليه إذا سَلَمَ ثَمنها مضاعفاً من عقله، ومالهُ وبدنهِ وراحتهُ ودينه، فإنه يبيح جميع ذلك لنفسه، وماذا عليه إذا تمتم في كلماته، وتخاذل في حركاته، فإنها نواحي اللذة، وأحد مظاهر الحرية التي ينشدها “المتدينون” من أمثال ذات اللون، وليكن منزله جحيماً مستعراً “للعبيد”، فإن الحانةَ جَنةٌ له وارفة الضلال!، وبعدُ فإنه يريد التخلص من أرتاب الحياة، إذًا فليتخلص من كل شيء يتصل بها إن استطاع!.

فما يضحك الثكلى والمغموم، أن يستقبل في ساعات الشهية أحلامه وأوهامه ثم يفرغ ما في بطنه من “خمر” وما “عَقِلَهُ” من سُكْر، ثم يزاول أتعاب الحياة من جديد، و”للعقلاء” عليه أن ينظفوا ثيابه إذا علق بها شيء من أوساخ الطريق فماذا يريدون منه بعد ذلك. يتعلل المجانين بنظائر هذه العلل، وهل تكون علة الخيال إلا خيالاً، وهل يُعّتذر عن الجنون بغير الجنون؟. فيا للخسران ما بال الإنسان لا يعتبر من عبر الزمان، وكل هذا الجدال والنزال من أجل ذراعين من القماش، والله إنه جنون الإنسان.

أقرأ أيضاً:

الإنتحار هَدِيَّة مَجّانِيَّة لِمِلْك الْمَوْت . . . !

ومن “هؤلاء” من يترفع عن “الحانات”، ولكنه يتخذ من داره ماخوراً خاصاً لنفسه ولندمائه من حِلفه، فيشرب ويشربون بمنظرٍ من فتاه وبمسمع من فتاته، ولعل فتاه هو “الساقي” ولعل فتاته هي “المغنية”، إنه فن.. وإنها تسليةُ نفس.. يا للسوء والجفاء.. ويا للدناءة الخُلُقِيّة، وإذا رضي الإنسان لنفسه بالنقيصة فكيف لا يقبل لعرضه “بالدنية”، وهل تُبقي “الخمر” فيه بقية من شعور ليميِّز بين الحسن والقبيح، والصحيح والفاسد..؟.

فليكن لك وقفة.. عُدّ على الفقراء من أُمَتِك ببعض هذا “الإسراف”، وخصص شيئاً منه لمشاريع “الدين”، واحتفظ بالباقي ليومك “العسير”، وأفعل ما يفعله “الرجل العظيم” في نفسه القوي في إرادته، فستنال الذكر الجميل في الدنيا إذا كنت ممن لا يثق بالجزاء في الآخرة، كم رأيت من ثروة كبيرة دمرتها “الخمر”؟!، وجاهٍ عريض لَعَّبت فيه الكأس، وإذا كنت لم تشاهد شيئاً من هذا فإنك قد سمعت منه الشيء الكثير.

ومن هذه الألوان الحمقاء أيضاً التي تغلب الغاية، وتعكس النتيجة تظاهر الشباب بمظاهر الأنوثة، وتَصَنُعْ الفتى كما تَتَصَنَع الفتاة هذا هو “الداء الفاتك” وهذا “السم القاتل”، وإن كان مختصاً بالشباب الفارغ الذي تعده الأمة كلاً ثقيلاً عليها لهان الأمر وسهل الخطب، لأن هذا النوع من الناس عارٌ في الروح، ولكن.. ولكن ماذا؟!، لكن.. “الداء استعضل”، والنقصُ “استفحل” حتى عمَّ الشباب المثقف الذي تعده البلاد ليومها الآتي، وتدخره الأمة لسعادتها المرجوة.

أقول إن “الداء” استفحل لأنه يهدد مستقبل القافلة، ويزعزع روح الأمة، وهل تنهض الأمة بالمساحيق والمعاجين والمسكنات؟ وهل ينهض بالأمة من قتل الترف ما فيه من طموح، وأمات السرف ما فيه من جد، وأخمد التأنث ما في دمه من جذوة؟.. وهل يُشّفَى المريض إذا كان معانداً؟!.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق