إنتظروا فرعنا القادم في تل أبيب – سيرة ذاتية

هذا التنبيه كتبه عم حسن المكوجي على واجهة حانوته مثل كثير من الحوانيت في تلك الفترة . وكان الإعلام الناصري (الأحادي) قد جعل من الإنتصار على العدو الصهيوني حقيقة لا يشكك فيها إلا عميل او مجنون . بل إنه سيكون إنتصاراً نهائياً يزيل إسرائيل من على الأرض ويلقي بها في البحر . ولذا كان الخلاف بين الناس لا يدور أبداً حول إمكانية هزيمة العدو من عدمها بل حول المدة الزمنية التي نحتاجها لتحقيق النصر على جيوش العدو . والأغلبية هنا كانت تؤكد أننا إذا بدأنا الحرب مع أول ضوء فإننا سنتناول طعام الغذاء في تل أبيب . وإذا بدأناها ظهراً فإن العشاء مضمون في تل أبيب ثم نشرب اللبن ونخلد إلى النوم . وبينما الناس سكرى بهذه الأوهام والخزعبلات التي حولها الإعلام إلى عقيدة راسخة . فوجئت بهزيمة مروعة وقعت على رأسها كالمطرقة وتحول الأمر إلى صدمة ضربت العقول و أوقفتها عن العمل . وبعد أربعة أيام من الهزيمة كان جمال عبد الناصر يلقي خطاباً تراجيدياً يعلن فيه رغبته في التنحي والعودة إلى صفوف الجماهير . وقبل الخطاب كان علي صبري المسئول عن الإتحاد الإشتراكي قد أصدر أوامره لفروع الإتحاد في جميع المحافظات . بأن يتوجه الأعضاء بأكبر قوة ممكنة إلى مقرات الإتحاد والإستماع هناك إلى خطاب الرئيس . والهدف طبعا كان تجميع الأعضاء ليتم توجيههم للخروج إلى الشوارع فور أن ينتهي الزعيم من إلقاء خطابه . فتطالبه بالبقاء وتجدد الثقة به فيستعيد النظام شرعيته التي سالت فوق رمال سيناء .

جمال عبد الناصر

وبينما الزعيم يلقي خطابه كان طفل الرابعه كعادته بعد العصر يقف على ناصية شارعهم الصغير يرقب المارة والسيارات التي تجوب الشارع الرئيسي . لم يكن يعرف شيئا عما يدور حوله ، لا عن الهزيمة ولا عن كبير آلهة الأوليمب الذي يتنحى الآن . وطوفان البشر الذي سيجتاح الشوارع بعد قليل فيغير معالمها .

تلاشى آخر ضوء بعد أن غادرت الشمس وأضيئت مصابيح الشوارع . الزعيم إنتهى من إلقاء خطابه وخرجت الجماهير في مشهد مفزع لترفض التنحي . موجات من البشر لا تنتهي ولا تتوقف ، يسيرون غاضبون ويرفعون أيديهم يحركونها في الهواء ويهتفون : “أرفض أرفض يا زكريا .. عبد الناصر ميه ميه” والمقصود هو زكريا محيي الدين الذي تنحى له عبد الناصر ، “ماتقوليش ماتقوليش عبد الناصر غيره مافيش” . لم تكن ذاكرته قد سجلت مشهداً كهذا من قبل.. نظر خلفه إلى شارعه الفرعي ليعود إلى بيته فإذا به أيضا مكتظ بجماهير غاضبه غيرت معالمه في عيون الصبي . إلى جانب أن الحدث الغير مفهوم قد عطل دماغه وأوقفها عن الإستيعاب . بدأ يتحرك مع الجماهير بحثا عن الشارع خاصته وكانت كل الشوارع تشبه بعضها حيث تكتظ بالجماهير الغاضبه من الجدار إلى الجدار . مشي كثيرا حتى إنتهى شارع الجلاء وهو شارع رئيسي كبير، ودلفت المسيرة إلى شارع رئيسي آخر . بدأ يشعر أنه في خطر وأنه قد إبتعد كثيرا عن بيته لكنه لا يعرف ماذا يفعل . وكان عقله كالمنوم مغناطيسيا بالمشهد فيسير معه بلا إراده . ولتتأكد المتاهة إنقطع التيار الكهربائي وأصبح الظلام دامسا مستحكما .. المسكين لم يعد يحتمل ظلمات أكثر من هذا .. كتلة بشرية تجرفه معها رغما عنه ، كما أنها غير عابئة به ولا تعنيها مخاوفه .. ثم أضيف إليها الظلام .

كانت الأم قد خرجت فور أن شعرت بالجماهير تملأ الشوارع . إقتحمت كتلة البشر الغاضبة وبدأت تنادي على طفلها المفقود قائلة :”يا جمال” . ضاع صوتها وتلاشى وسط زئير الجماهير وحتى الذين سمعوها لم يعيروها اي إهتمام لأن الجميع كان يهتف بإسم جمال . واستمرت الأم المفزوعة تكرر نداءها دون جدوى .

حتى تنبهت إلى أن إسم إبنها هو نفسه إسم الزعيم المتنحي . وقد صنعت وحدة الإسم متاهة رابعة أضيفت إلى الزحام والظلام وعدم إنتباه الجماهير المذعورة بسبب تنحي القائد . غيرت النداء ريثما يساعدها أحد فقالت : ” يا وللا يا جمال “.

القريبين من الأم بالكاد سمعوا ندائها وظنوا أنها مذهولة أو فقدت عقلها بسبب تنحي الرئيس ولهذا تناديه ب ” يا وللا يا جمال ” .

إضطرت لإلغاء الإسم وصرخت تقول : إبني تاه .. إبني ضاع يا ولاد .

إلتقط القريبين منها هذا النداء وبدأوا يتناقلونه ويكررونه . وتحمسوا كثيرا عندما عرفوا أن الصبي المفقود يشارك زعيمهم نفس الإسم . بصوت آمر وأجش قال الرجل : ” يا جماعة فيه طفل تائه إسمه جمال ” . إلتقط النداء منه رجل آخر وإقترح ثالث الإستعانة بالكلوب (مصباح كبير يعمل بالغاز) الذي يحمله أحد أفراد المسيرة . نجحت الأم في جعل المسيرة تنادي على إبنها التائه بدلا من الزعيم المتنحي .

كان الطفل قد وصل إلى نهاية الشارع الذي يفضي إلى ميدان كبير تكتظ به الجماهير وتشغله من الجدار إلى الجدار . و يتفرع منه عدة شوارع رئيسية وإذا دخل هذا الميدان فالعثور عليه سيكون مستحيلا . بدأ يتمالك نفسه ويفكر وقرر تسليم نفسه إلى أحد الغرباء طلبا للمساعدة وإختار أم تقف مع أطفالها على باب بيتها ترقب الأحداث . جذبها من عباءتها البيضاء وأعلمها بأنه قد تاه عن منزله . أمسكت بيده وطلبت منه الإنتظار معها ربما يمر من يسأل عنه .

هو الآن قد توقف عن المسير ولم يعد باقيا لإنقاذه سوى أن تمر الأم والجمع المحيط بها يحملون الكلوب وينادون على طفل تائه . وكلما فرغ رجل من النداء كرره أخر و لما أتوا على بيت المرأة ذات العباءة البيضاء ردت فوراً معلنةً أن معها طفلاً تائهاً . هرعت الأم إليها قلبها يرتجف و فرائصها ترتعد .. تستغيث بالله أن يكون إبنها . ولما وجدته هو لم تتمالك نفسها .. فاضت دموعها .. ضمته بقوة إلى صدرها غير مصدقة بأن المعجزة قد حدثت . إحتضنته بشدة وكأنها تخشى أن يضيع ثانية . وفيما كانت دموعها تنهمر وكلمات الشكر والإمتنان تستعصي عليها وتتحشرج في حنجرتها توقفت المسيرة للحظة ليرقبوا الإنجاز الرائع الذي صنعوه . والآن لندع هذا الطفل يكمل قصته بنفسه فقد نضج وأصبح هو كاتب هذه السطور .

  • (2) جنـــــازة كبير الآلهة

هذه المرة لم إستغرب طوفان البشر الذي ينساب في شوارع المدينة الهاجعة إلى ضفاف النيل . فقد أصبحت على خبرة به . كما أنني كبرت وأصبح عمري الآن تسعون شهرا ، ولم يعد ممكنا أن أتوه عن بيتي وعن أمي خاصة أنها معي الآن يداً بيد . وكانت المسيرة أضخم بكثير من مسيرة يوم التنحي ، و يكسوها السواد حزناً على البطل الذي يتنحى الآن عن الحياة نفسها . تميزت الجموع هذه المرة بأعداد أكبر من النساء . وكن تنتحبن وتهطل دموعهن بغزارة فتبلل ملابسهن السوداء ، وتبرز واحدة منهن فتطلق صوتاً صارخاً مصحوباً بكلمة تأبين مثل “سايبنا ورايح فين ياجمال” مع الإطالة في إسم الزعيم ليصبح هو المحتوى اللغوي للصرخة . ويتزامن مع هذا الآداء الفردي آداء أخر جماعي في مصاحبة لحنية جنائزية عفوية ، حيث تردد جموع الجماهير شعار :”روح يا خالد قل لابوك 100 مليون بيودعوك” . ثم تبرز واحدة أخرى تلف “طرحة” سوداء حول رقبتها ، وتجذب طرفيها المتدليان على صدرها بالتناوب ، في إشارة للمشنقة تعبيراً عن رغبتها في الموت ، ثم تطلق صرخة محتواها اللغوي كلمة “يا خرابي أو يا مصيبتي” مع الإطالة في الحرف الأخير . وتأتيها المصاحبة اللحنية التلقائية حيث هتاف الجماهير : “يا جمال يا إبن مصر مين حيخطب يوم النصر” . ثم يهدأون قليلا طلبا للراحة فيهتف الجميع بصوت أقل إرتفاعا وحدة : “لا إله إلا الله عبد الناصر حبيب الله” . وهكذا سارت الجماهير بعفويتها تقدم معزوفة جنائزية ولا أروع ، وبينما أرقب طقوس الأحزان وشعائرها حدث أمرا غريبا ، لم أفهمه ولم يستطع الكبار تفسيره لي . حيث كانت الجماهير الهادرة تخترق شارع كورنيش النيل ، وعندما مرت على قسم الشرطة إذا بها تتوقف تماما عن المسير ، وإحتشدوا أمام القسم ودبت فيهم الروح فجأة بعد إجهاد المسير . ورددوا شعارهم بأعلى درجة صوت ظفرت بها حناجرهم ، وبينما الجميع يرددون “لا إله إلا الله عبد الناصر حبيب الله” بصوت أعلى وإيقاع أسرع ، كافحت بعض النسوة لتصبحن في صدارة المشهد وأخذت تلطمن خدودهن على لحن الهتاف السريع لا إله إلا الله عبد الناصر حبيب الله . وتطور آدائهن وزادته الحماسة سرعة فتحول المشهد إلى رقصة جنائزية . فيما تنهمر دموع الضباط والمخبرين الواقفون على الرصيف خارج القسم ، وتسرع المناديل بتجفيفها حفاظا على الوقار والثبات أمام الجمهور . ورغم حماسي لمتابعة رقصة الموت هذه ، إلا أن تأثير المكان طغى على إرادتي وعاد بي قليلا إلى الوراء ، وفي لحظة إجتاحت ذاكرتي مشاهد زيارتين سابقتين لهذا القسم . وكنت مع أحد الأقارب لإستخراج بطاقة على الأرجح ، وفيما دلف هو إلى أحد المكاتب في هذا الرواق بقيت أنا لأكتشف المكان ، وفي منتصف الرواق وجدت غرفة فارغة ولا يدخلها من يروحون ويجيئون . ولما كان بابها نصف مفتوح فقد سمحت لنفسي أن أطل برأسي لأستطلع ما بداخل هذه الغرفة الغريبة المهجورة كان بلاطها فاقداً للونه وبدا عليه الشحوب ، وحوائطها مكتئبة تشعرك بأنها شاخت قبل أوانها من هول ما تسمع ومن هول ما ترى ، والذي أسرت لي به من خلال مسمار مثبت في الحائط ومعلقا عليه كرباج سوداني أسود اللون يتدلى كالثعبان وله مقبض مريح كى لا يؤلم أنامل العازفين على الجسد الإنساني العاري .

أقرأ أيضاً:

بوريل: لا يمكن تطوير العلاقات مع إسرائيل في حال نفذت خطة الضم

ولم يكن هذا الثعبان الأسود وحيداً في غرفته ، فمن عليائه كان يطل على وليفته “الفلكه” ، وهي عبارة عن جهاز خشبي يصلب الضحية بداخله رأساً لقدم . ولها فتحتان الأسفل للرأس والأعلى للقدمين فيبرزان خارج الفلكة ليتم جلدهما ، بينما يداه مقيدتان خلف ظهره . كان المشهد عميق التأثير بدرجة لا توصف وبسهولة حفر نفسه في ذاكرتي . وكان الهدف من التعذيب في معظم الأحوال هو إجبار الضحية على الإعتراف بجريمة لم يرتكبها ، وبالفعل كانوا يعترفون ويذهبون إلى غياهب السجون .

وبعد أيام عدنا لإستلام البطاقة وكانت غرفة التعذيب مقفلة ، وبعد دقائق إتضح أن بداخلها ضحية يتم جلده بالكرباج . كان المسكين يصرخ بكل جوارحه عقب كل جلدة ، وسارت طقوس التعذيب على هذا الإيقاع المقزز ، فيسمع صوت فرقعة الكرباج في الهواء ثم إصطدامه بجسد الضحية ، يعقبه مباشرة صرخة تخترق أعماق النفس وتهز الوجدان . كانت النساء تسد أذنيها ويبدو عليهن النفور و المعاناة والإشمئزاز ، بينما تسرع الرجال في الحركة بين المكاتب لتنهي مهمتها سريعاً وتهرول خارج هذه “السلخانة” . أما موظفي القسم فكانوا معتادين على هذه الطقوس ، ولم يبد عليهم أي إمتعاض أو تأثر . وكان مشهد التعذيب قد إرتبط في عيوني كطفل بالكبار فقط ، وهو ما جعلني أحترم طفولتي للغاية لأنها تعصمني من هذه الأهوال .

وبينما أتذكر هذا المشهد أصبحت معزوفته المكونة من صوت فرقعة الكرباج وصرخة الضحية في بؤرة الشعور ، فيما تتوارى رقصة الموت التي أعيش وقائعها إلى هامش الشعور . وتتداخل المعزوفتان وتمتزجان في شخصي حتى أحدثتا تناقضا غير مفهوم ، فبجانبي يرددون : “لا إله إلا الله عبد الناصر حبيب الله” ، وفي الذاكرة صوت فرقعة الكرباج ثم صرخة الألم . فكيف يكون من فعل هذا بشعبه هو حبيب الله ؟ . ومن إذن هو عدو الله ؟

البعض فسر وقوف مسيرة الأحزان أمام قسم الشرطة بأن القسم يمثل الدولة والحكومة . لكن هذا التفسير لم يكن مقنعاً لي فقد سرت مع المسيرة و مررنا على أماكن تمثل الدولة ، مثل المحكمة ، فرع وزارة التربية والتعليم بالمنصورة ، بل و مررنا على شرطة المطافي فلماذا تركوا كل هذا وتوقفوا أمام القسم ليخصوه بهذا النعي الراقص ؟

كان المشهد أمام قسم الشرطة يشير بوضوح إلى أن الشعب حدث له ما حدث لي حين مررنا على قسم الشرطة ، حيث تذكرنا معاً غرفة التعذيب وبهذا فقد كان مشهد الجماهير أمام القسم تعبيراً عن تحميل عبد الناصر المسئولية عن هذه المعاملة غير اللائقة ، وإعلاناً منها أنها قد تسامحت مع الرئيس الجلاد وغفرت له بعد أن توفاه الله . من أجل هذا توقف الجمع أمام قسم الشرطة ليعلن غفرانه من أمام مسرح الجريمة . ولا أعلم هل سينفعه هذا السماح والغفران العام ، أم لابد من عفو أولياء الدم . لو كنت مكانهم لما عفوت أبداً عن هذه الجريمة التي هي نسخة مما كان يفعله نظام محمد علي بالفلاح المصري ، وخاصة بعد تطبيق نظام الإلتزام . يبدو المشهد أمام التاريخ مأساوياً ، حيث الجلاد هنا لم يكن المستعمر بل الجيش مجسداً في ناصر. جيشنا ترك مهمته وهي الأشرف والأطهر والأقدس وإنشغل بالحكم ، فتحول إلى إبنٍ عاق إستغل ضعف أبيه المسن (الشعب) فصلبه رأسا لقدم وجلده بالكرباج السوداني ، ألا لعنة الله على كل إبنٍ عاق .

  • (3) الرئيس المؤمن بطل الحرب والسلام

بعد زيارته لإسرائيل في نوفمبر 1977 أعلن السادات نفسه بطلاً . وإختار فرعين من فروع البطولة ليتخصص فيهما معاً فأصبح بطلاً للحرب وفي نفس الوقت بطلاً للسلام . ولم يكتف بهاتين البطولتين الرائعتين ، بل كشف للشعب أنه رئيس يتميز عن باقي الرؤساء بأنه مؤمن وإتخذ لنفسه لقب “الرئيس المؤمن”. وتهكم عليه الشعب بتسميته : “الرئيس المدمن” .

وقد عبرت هذه التسميات عن درجة عالية من الإبتذال والإسفاف . كما أكدت أن جنون العظمة الذي كان السادات يعانيه قد وصل إلى ذروته .

في هذه الأثناء كنت قارئاً نهماً للفلسفة والأدب العالمي . وكانت كثير من النظريات الفلسفية تنكر الأديان وتعتبرها إختراعاً حكومياً للسيطرة على الجماهير وضبط حركتها . وكنت قد قرأت كتباً دينية وثقافية متنوعة صدرت في عهد ناصر وكان الإسلام يظهر فيها باعتباره ديناً اشتراكياً . ومتوافقاً تماماً مع سياسة ناصر وتوجهاته وثورته . وهو ما إنعكس إلى النقيض في عهد السادات . فإنقلب الإسلام ديناً رأسمالياً يسمح بالثراء الفاحش ويتصادم تماماً مع الإشتراكية .

وهكذا كانت كل الفلسفات والأفكار الإلحادية التي أقرأها تتجسد أمامي على أرض الواقع . وتؤكد لي الأحداث كل يوم أن الدين إختراع حكومي ، إبتكرته الحكومات القديمة ليسيطر على الجماهير المحرومة المنهوبة ، ويقنعها بالصبر ويعدها بالجنة إذا تحملت بؤسها وذلها . وبهذا فالدين فعلا أفيون للشعوب كما قال كارل ماركس ، بل وقهراً فكرياً للجماهير يجعلها ترضخ للبرجوازية وتتقبل الحرمان . وعليه فلا فرق بين رجل الدين وجندي الأمن المركزي الذي يقمع المظاهرات .

أقرأ أيضاً:

بالفيديو: سالم زهران عن سيناريو ما بعد استشهاد علي محسن وهل تندلع الحرب بين حزب الله و اسرائيل؟

وراحت مساحة الشك تتسع تدريجياً حتى جاء اليوم الأخير الذي خرجت فيه نهائياً من الدين ، لحظتها كان ينبعث من الراديو صوت أستاذ في جامعة الأزهر يفسر الآية 260 من سورة البقرة { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وقال إن إبراهيم الخليل طلب من ربه أن يريه كيف يحي الموتى ليزداد يقيناً حينما يرى ذلك يحدث أمامه عياناً وليس مجرد خبراً . وبهذا التفسير القاصر والمعيب إنقطع الخيط الوجداني الرفيع الذي كان لا يزال يربطني بالإسلام .

فإذا كان أبو الأنبياء يريد أن يرى آية ليزداد إيماناً ، فأنا أيضاً أريد أن أرى شيئاً من الغيبيات لأؤمن بهذا الدين . أريد أن أرى الشيطان أو الملائكة او الجن رؤى العين وإلا فهي غير موجودة ، وما هي إلا أساطير الأولين . فالموجودات هي فقط ما يدرك بالحواس ، أما الغيبيات فوجودها إفتراضي وليس وجوداً حقيقياً ، فالحكومة تلقن الشعب بأنه يوجد إله وملائكة وجن وشياطين وجنة ونار ، وتنشئهم على ذلك ولا يليق بمثقف مثلي أن يبتلع هذا ويصبح عبداً للحكومة وللرئيس . وبينما أغادر المدرسة الثانوية كنت قد غادرت أيضاً عالم الاديان . وبهذا بدأت متاهة أخرى قبعت فيها لنحو 13 سنة رافضاً كل ما لا يدرك بالحواس . فلا ملائكة و لا جن ولا إله أو بعث أوجنة أو نار ، ولا وجود حتى لما يسمى بالروح . وسرعان ما جذبتني النظرية الماركسية ورأيت فيها خلاصاً لكل المعذبين في الأرض ، إذ تحررهم الفكرة الماركسية من الإستغلال الداخلي و الإمبريالي معاً .

وبمجئ سنة 1994 كنت على موعد مع الأقدار. وفي لحظة إستثنائية شعرت لأول مرة بجاذبية السماء وعرفت أنها أقوي بكثير من جاذبية الأرض . فالأخيرة لا تجذب سوى الأجساد بينما السماء قادرة على جذب أرواحنا المتلهفة للعودة الى الوطن الأم . وتحت غطاء الصحافة التقيت العديد من أصحاب الفكر الديني .

وحللت ضيفا على خيام دراويش الحسين والسيدة في ذكرى مولديهما . وفي أحد المساجد الاثرية بمنطقة الحسين رتب لي زميل فرصة لحضور جلسة لأصحاب الطريقة القادرية . كان شيخها الجليل لا يسمح للمتطفلين أمثالي بحضور مجلسه . ويصدر قراره بالموافقة او الرفض من قبل أن يرى الضيف أصلا . وكان من حسن حظي أن وافق الشيخ الوقور على حضوري لقائه بأتباعه . وكان شيخ الطريقة استاذاً جامعياً يحمل درجة الدكتوراه في الجيولوجيا من المانيا وهو الدكتور / محمود الفازاري يرحمه الله ويجازيه عني خير. وعلمت أنه قد أسلم على يديه دبلوماسي ألماني وزوجته . كان الرجل يتعمد البساطة في مظهره وكلامه مع تلاميذه ويتناول طعامه معهم . حاول منحي فرصة للكلام بإثارة موضوع قانوني حيث عرف من صديقي أنني درست القانون . لكنني صمتت تماما فقد جئت مستمعا فقط . جلست على يمينه فيما راح هو يتحدث في أمور عديدة . وبمرور الوقت تحولت الجلسه إلى لقاء ثنائي بيني وبينه حيث نام الجميع . فيما كان يتحدث إلي ويشير من بعيد إلى بعض صفاتي ويثني عليها وكأنه يتحدث عن شخص آخر . وقال حكايات كثيرة ومواقف وشخصيات وكتب ممنوعة قرأها . مثل كتاب الشجرة النعمانية للقطب الصوفي محيي الدين إبن عربي . واقتبس منه بعض العبارات المناسبة لي واتضح فيما بعد أنه قد حدثني عن حياتي القادمة .

وعن الصراع الصاخب مع جهات لا يفلت منها أحد وأشار إلى نجاتي على غير المعتاد وعلى عكس المنطق . وأشاد بصبري وعنادي وإصراري و سماني أيوب . كان هناك تواصل روحاني بيني وبينه حتى أنه كان يعرف ما يدور بداخلي ويحدثني بخصوصه ، وأجابني على أسئلة لم أبدها له وكنت متردداً في طرحها عليه . وهذا ليس غريباً عليه فقد حكم علي وتقبلني في مجلسه دون أن يراني ، لكنه كان غريباً وجديداً بالنسبة لي .

وعلى مدى سنوات كنت أتلقى دعوات من أصدقاء لحضور مجالسهم في خيامهم بمولدي السيدة والحسين . في هذا المجتمع رأيت كثيراً مما كنت أبحث عنه ، وشعرت بوجود الروح في كل ما حولي ، وحتى عالم الجن والعفاريت وجدته حاضراً هنا أيضاً . وبالطبع تغيرت نظرتي للكون والإنسان والحياة والموت وكل شئ . أشعر الآن بأن لدي روح وأنني من خلالها أصبحت متصلاً بالسماء ، الآن إنتهت المتاهة الثانية وعدت من جديد إلى حضن الأم السماء ، أعيش الآن نفس اللحظة التي عشتها يوم التنحي الناصري ، وأتذكر عودتي إلى أمي وإحتضانها لي بقوة وكأنها تعتصرني من شدة فرحتها . شعرت بإحتضان السماء لي بنفس هذه القوة ، وكنت ممتناً للغاية أنها بحثت عني وإستعادتني ولم أكن ساعياً إليها ولا شاعراً بوجودها . فجأة وجدتها تجيب على كل أسئلتي بصبر وحلم وتروي ظمأي للحقيقة ، من خلال هذا العالم الذي يضم علماء ووجهاء وفقراء ومجاذيب ودراويش . يعيشون نفس الحالة الوجدانية الصوفية المتجردة من كل شئ إلا الحب والرضا والإطمئنان . وفي أحد أركان هذا العالم الصوفي الرائع حكى لي الرفيق وكان طبيباً ، أن إبراهيم الخليل عليه السلام عندما كان فتىً يافعاً كان له حكيم يعلمه ويأخذ بيده على طريق النبوة ، وهذا هو حال جميع الأنبياء عدا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد علمه ربه مباشرة .

وقال أن إبراهيم الفتى رأى وثني يذبح إبنه قرباناً لصنم وتعجب لهذا فقال له معلمه : إن ما تراه أنت صنماً هو بالنسبة للوثني إله ، فماذا كنت ستفعل لو كان لك إله تؤمن به وطلب منك تقديم إبنك قرباناً له ؟ وأجاب الفتى إبراهيم بأنه سيذبح إبنه بلا تردد ، ومن أجل هذا كانت محنته عندما أمره ربه بذبح إبنه إسماعيل ، ولو رفض إبراهيم تقديم إبنه قرباناً لله لأصبح إيمان الوثني بالصنم أعلى وأعمق وأقوى من إيمان إبراهيم بالله الحق . ثم حكى محدثي أن المعلم أبلغ الفتى إبراهيم بأن الله تعالى سيتخذ عبداً من هذا الجيل خليلاً له ، وسأله الفتى الطموح : كيف يعرف هذا الفتى أنه الخليل ؟ فأجابه الحكيم بأن هذا الفتى سيعلمه ربه كيف يحي الموتى . ولهذا سأل إبراهيم ربه أن يعلمه كيف يحي الموتى .. وعندما سأله ربه أولم تؤمن ؟ قال بلى ، أي آمنت ، ولكن ليطمئن قلبي ، أي يطمئن على أنه هو الخليل ، وليس على وجود الله أو ليرتقي درجة في الإيمان .

أقرأ أيضاً:

عطوان يكشف.. تلاسن 'مرعب' بالمناورات العسكرية بين السيسي وأردوغان+فيديو

قضيت سنوات أقرأ في هذا الكتاب المفتوح إستمرت حتى نهاية القرن الماضي ، حيث فرض علي التوقف عن الكتابة للصحف . أو بمعنى أدق فرض عليها ألا تستكبني ، وأصبحت الخطورة شديدة للغاية وكان علي مغادرة القاهرة والبقاء في منفاي الإختياري بمنزل الأسرة بمدينة المنصورة . وإنصب كل نشاطي الذهني على ملاحظة القرآن وسماعه وتدارسه ، وألهمت سر الحروف المقطعة التي إفتتحت بها 20 سورة وهذه الأحرف هي : الر ، الم ، حم ، ن ، عم . والمجموعتان تكونان إسمي الجلالة الرحمن والمنعم جل جلاله ، وفي المجموعتين ذكرت مصر 5 مرات . وأن المرة الخامسة وهي مصر الغضباء الواردة في آية 61 من سورة لم تأت بعد ، وهي التي إدخرها الله لنهاية الزمان لينطلق منها الغضب على اليهود في علوهم الثاني والأخير . وتعد سيناء هي الرأس في مصر الغضباء هذه ولهذا تصر إسرائيل على السيطرة عليها . وهذا طبعاً لن يحدث أبداً لأن السماء هي التي تقرر مصائرنا وليس المغضوب عليهم من أهل الأرض .

  • الجهاد الأكبـــــــــر :

في عزلتي التي حولتها إلى خلوة عرفت أن هناك درجات إيمانية يترقى إليها المؤمن على النحو التالي :

درجات العقيدة ** درجات النفس ** درجات الطاعة

  1. المسلم النفس الأمارة بالسوء طاعة الخائف
  2. المؤمن النفس اللوامة طاعة التاجر
  3. المحسن النفس المطمئنة طاعة المحب

وقبل شرح هذه الدرجات نوضح سراً كبيراً تستند إليه وهو القلب . حيث يولد الإنسان حاملاً في قلبه سراً إلهياً سماوياً ، هو روح القلب أو روح الفؤاد . وهي ملاك من ملائكة الرحمة يودعه الله قلب الإنسان فيصبح إنسان . فقلوب الحيوانات والوحوش لا تعرف الرحمة ولا توجل ولا تنبسط أوتنقبض ولا تجزع عند القتل أو الإفتراس . لأن القلب عند الحيوان مجرد مضخة تدفع الدم لبقية أجزاء الجسم . أما قلب الإنسان فهو ينقبض عند إرتكاب ذنوب أو جرائم بفعل هذه الروح . وهي تموت نهائياً بإرتكاب الكبائر مثل الكفر أو الشرك بالله أو عقوق الوالدين أو القتل .

وقد أوضحت هذا الآية 7 ، 10 من سورة القصص حيث أوحى الله إلى أم موسى أن ترضع إبنها وإذا خافت عليه تلقيه في اليم . ولما فعلت أصبح فؤادها فارغاً وكادت روح الفؤاد أن تموت بسب إرتكاب جريمة قتل الرضيع ، لكن الله ربط على قلبها لتبقى من المؤمنين . أي أن الله أمر روح الفؤاد بأن تبقى لأن الأم لا إرادة لها في الفعل ، كما أنه ليس فعل قتل كما يبدو بل هو أمراً إعجازياً من الله سبحانه وتعالى (تفسيري أنا للآيتين الشريفتين) .

والآية توضح تماما أن المؤمن هو من كان قلبه عامراً بتلك الروح ، فإذا ماتت لم يعد الفرد مؤمناً كما فطره الله بل هبط درجة فأصبح مسلماً . فهو ينطق الشهادتين وقد يؤدي الشعائر لكنه أقرب إلى الإنسان الآلي بحكم موت القلب . وهؤلاء تجد فيهم غلظة حتى وإن كانوا يؤدون الشعائر لأن قلوبهم ماتت فيها الرحمة .

وهذا هو السر في ظاهرة الدعاة أركان حرب الذين يخرجون على الناس بوجه متجهم عبوس ، ويصيحون ويشتمون ويستعلون على الناس . ومثل هؤلاء الموتى قلوبهم ينفرون الناس من الدين أصلاً ، ويجب منعهم من ممارسة الدعوة حتى لو كانوا أصحاب علم فأهم شروط الدعوة هو الحلم وليس العلم . وهو ما عبرت عنه الآية 159 سورة القصص ، حيث أوضحت للرسول (ص) أنه لو كان فظاً غليظ القلب لانفضوا من حوله رغم علمه ونبوته . وغني عن البيان أن التوبة إن قبلها الله تعالى تحيي القلوب من جديد ، والحج أيضا يفعل ذلك إن تقبله الله .

* إذن فالجميع يولد بقلب عامر بالرحمة فيكون من المؤمنين ، ومنا من يهبط ومنا من يترقى إلى طبقة المحسنين . وإذا كان المسلم والمؤمن يعبدان الله وهو غيباً عنهم ، فالمحسن يختلف تماماً عنهما لأنه لم يعد مؤمناً بالغيب مثلهما ، بل أصبح موقناً يرى آيات الله ومعجزاته في خلقه ، ويرصد تدخل أقداره في الأحداث رحمة بعباده وهذا هو اليقين وليس الأيمان بالغيب . ولهذا أقطع بأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قد أضيف عليه نصفه الأخير فأفسد المعنى إذ يقول : ” الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه ” وهذا لاشك في صحته أما نصفه الثاني والقائل ” فإن لم تكن تراه فهو يراك ” فلا يتفق أبداً مع نصفه الأول ، والصحيح هو ” إن لم تكن تراه فأنت لست من المحسنين ” ذلك أن الله يرى الجميع وليس المحسنين فقط ، والجميع يعلم أن الله يراه ويتصرف على هذا الأساس وليس المحسنين فقط .

وتوضح سورة يوسف أن طبقة المحسنين هي التي ينتخب منها الأنبياء والرسل ، فقد دخل يوسف السجن وهو من المحسنين (الآية 36) . وشاءت إرادة الله أن يقضي في السجن نحو 10 سنوات ليتم تنصيبه نبياً بعد إنتهاء هذه المحنة ، حيث إنتقل إلى الدرجة الأعلى وهي درجة “الصديق” كما قالت الآية 46 .

ومجمل رسالة القرآن للمتلقي هي أن يصعد ويرتقي ساعياً إلى الله ، وقد تعهد ربه بأن يجذبه إليه ويقربه منه ، وقال أن العبد إذا تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً وإذا أتاني يمشي أتيته مهرولاً . هذه هي خارطة الطريق التي يرسمها القرآن لمن أراد السير إلى أعلى ، ومع إستمرار الترقي والإرتفاع يقل الضجيج ويصغر التعلق بالحياة الأرضية . وتطل من عليائك على الدنيا وطلابها وزخرفها فلا تجد فيها ما يغريك بالبقاء أو بالتصارع معها لتصيب علواً أو مجداً .

وصنعة الترقي هذه تعد صناعة صوفية حصرياً وبها تمتاز عن الإسلام السياسي الذي يضع لمنتسبيه أهدافاً سياسية تجعلهم مشتبكون طول الوقت ، ومنشغلين بالحركة على الآرض وليس بالسير إلى أعلى . ولو أضافوا هذا البعد القرآني لطريقتهم في خدمة الإسلام لصنعوا مسلماً رائعاً هذا يا إخواني هو الجهاد الأكبر الذي أوصاكم به نبيكم ، وهو بالفعل أصعب من قتال العدو لأنك لا ترى نفسك وغالباً لا تستطيع تقديرها ، كما أنه لا ينتهي سريعاً مثل المعارك العسكرية بل يمتد ليستغرق العمر بأكمله .

إلى اللقاء في حلقة ثانية

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق