إيران والفرص الضائعة والولايات المتحدة ستُظهر أنيابها

إنّ الزاوية التي حُشرت بها إيران جراء سلسلة العقوبات الأمريكية، دفعها لتسريع تعاملها مع الدول الاسيوية، والتي تمخضت بالتوقيع على برنامج العمل الاستراتيجي مع الصين

إيران والفرص الضائعة والولايات المتحدة ستُظهر أنيابها
أمجد إسماعيل الآغا

واقعيًا وعمليًا يبدو أنّ المسرح الشرق أوسطي، يرزح تحت سيناريوهات معقدة وشائكة تُعبر صراحة عن حالة اللا يقين بالوصول إلى مخرجات تتناسب ومصالح القوى الإقليمية والدولية الغارقة في اصطفافات ومحاور تراها ضرورية لجزئيات اللعبة في الشرق الأوسط، وعطفاً على ذلك، فإنّ القول بأنّ الإدارة الأمريكية ومجمل سياستها في المنطقة، قد دخلت نفق التخبط والبحث عن حلول، قد لا تكون واقعية بالنظر إلى جوهر الإستراتيجية الأمريكية، وامساكها بكافة الخيوط التي تُمكنها من قلب الطاولة وبعثرة الأوراق، ومن ثم إعادة ترتيبها بما يتناسب ومصالحها إقليميًا ودوليًا، وبالتالي كان التعويل على متغيرات تُحدثها إدارة بايدن حيال ملفات الشرق الأوسط، وتحديداً الملف النووي الإيراني، مُجافيًا للوقائع والمعطيات في المنطقة، حتى أنّ بوتقة الحلول وإنّ كانت تعتمد على بعض التنازلات التي تقدمها سواء واشنطن أو طهران أو موسكو وغيرها من القوى الإقليمية والدولية، قد باتت في مرحلة السكون السياسي، مع بعض محاولات جس النبض في إطار عسكري، فلا تنازلات ذات قيمة ولا حلول متوقعة، خاصة أنّ حالة التصعيد وإنّ كانت في أطر محدودة، إلا أنها من الممكن أنّ تتدحرج إلى نهايات غاية في الخطورة، وتحمل منعكسات ستطال الجميع حُكمًا.

ما سبق يُعدّ ضروريا للدخول في المسار الجديد الذي ترتكز جزئياته على ما تهندسه واشنطن حيال التطورات في المنطقة، فالأبجدية السياسية التي تنتهجها واشنطن، إنما تنطلق من محددات تتعلق باستمرار الهيمنة الأمريكية في المنطقة، مع الاستحواذ على حلول لكن بنكهة أمريكية صِرفة، إذ كان جو بايدن واضحًا حيال ذلك بقولة إنّ “أمريكا عادت”؛ صحيح أنّ العودة الأمريكية تؤطرها سموم زرعها دونالد ترامب، لكن تبقى القدرة الأمريكية على صياغة واقع جديد حاضرة ومؤثرة، بل وفاعلة في إجبار غالبية القوى في المنطقة، على التماهي معها خشية الغضب الأمريكي.

في ذات الإطار، ومنذ تولي جو بايدن زعامة البيت الأبيض، والجميع ينتظر أولى خطواته في المستوى الإقليمي، فالتصريحات التي وضعت قوالب للحلول، تحتاج أيضًا إلى تفعيل يجعل من التصريحات واقعًا، فلا الحرب في اليمن توقفت، ولا حلول سياسية في سوريا متوقعة، ويُلاحظ ازدياد حالة الكباش ما بين واشنطن وبكين وموسكو، لكن تبقى كلمة السر في كل ذلك، والمفتاح الذهبي لغالبية الحلول الشرق أوسطية، تنطلق من هندسة اتفاق نووي جديد بين المجتمع الدولي وإيران، الأمر الذي يضع كل الملفات المعقدة والشائكة في غرفة الإنعاش، ريثما ينضج مناخ التسويات الإقليمية، لكن في المقابل فإن بايدن حتى الآن لم يقم بخطوات عملية تُجاه الملف النووي الإيراني، وبذات التوقيت فإن الانتظار الإيراني طال ولم يعد بالإمكان التعويل على ما يقوله الأمريكي، كل ذلك أجبر إيران على التوجه شرقاً، وتفعيل خيارات استراتيجية بعيدة المدى، يراها الأمريكي تهديداً حقيقياً لمجمل خياراته في المنطقة.

حقيقة الأمر، إنّ الزاوية التي حُشرت بها إيران جراء سلسلة العقوبات الأمريكية، دفعها لتسريع تعاملها مع الدول الاسيوية، والتي تمخضت بالتوقيع على برنامج العمل الاستراتيجي مع الصين؛ هي خطوة لها الكثير من الدلالات والانعكاسات على مسار التطورات الاقليمية والدولية؛ صحيح أنّ الاتفاق الايراني الصيني يُعد خارطة طريق لتعاون استراتيجي يشمل المجالات كافة، ويُعطي طهران قوة جيو سياسية، وأُخرى جيو اقتصادية اقليمية ودولية، وستمتلك إيران نتيجة لذلك ورقة نوعية في التفاوض المحتمل مع الولايات المتحدة من أجل إحياء الاتفاق النووي، لكن الصحيح أيضًا أنّ ما قبل الاتفاق لن يكون كما بعده، إذ من الممكن أنّ يكون لهذا الاتفاق جُزئيات “كارثية” قد تطال بعض دول المحور، ويبدو أنّ الانياب الأمريكية ستظهر في ملاعب جيواستراتيجية ذات أهمية لكل من روسيا وإيران والصين، الأمر الذي يترجمه تصريح بايدن الاخير، في رد حول المعاهدة وتنامي الشراكة بين الصين وايران بقوله “إنها تقلقني منذ سنوات”؛ هذا التصريح يعني بأن الحزب الديمقراطي فقد القدرة على الحركة تُجاه ايران، وهو مضطر للذهاب الى التصادم معها، لأن الأمن القومي الامريكي يصبح في دائرة الخطر.

في الفرص الضائعة، يمكن القول بأنّ الحزب الديمقراطي الامريكي دائمًا يحاول امساك العصا من المنتصف بالنسبة للمحور المعادي لإسرائيل، وهذا دوره تاريخيًا، أما بعد توقيع ايران عقد الشراكة مع الصين، فإنّ الكثير من المعيطات ستتغير وفق اتجاه تراه الإدارة الأمريكي حتميّ العبور، بُغية تأطير مفاعيل وتداعيات الالتفاف الإيراني، لكن في المقابل، ربما تكون ادارة الرئيس بايدن معذورة في اتخاذها جُملة من الإجراءات العقابية ضد إيران ومحورها، لكن أيضًا فإن الإدارة الأمريكية لم تستطع أنّ تعطي اشارات ايجابية لإيران، على عزمها العودة للاتفاق النووي جراء الرغبة في الاستجابة للضغوط التي تمارسها إسرائيل من اجل طرح عدة شروط تتعلق بالقوة الدفاعية الايرانية أو نفوذها في المنطقة، والواضح من الممارسات الإسرائيلية، أنّ تل أبيب حاقدة على تصرف الرئيس الامريكي الاسبق باراك اوباما لأنه توجه نحو ايران عبر الاتفاق النووي، وليس عبر البوابة “الاسرائيلية”، والآن يحاول هذا الكيان وبمختلف الوسائل الامنية والسياسية الضغط على ادارة بايدن، لتكون العودة للاتفاق النووي عبر البوابة “الاسرائيلية”، بمعنى أنّ تضمن “اسرائيل” امنها القومي قبل احياء الاتفاق النووي. من هنا يرى الكثير من الخبراء أنّ إيران فقدت فرصة في تطويع الإدارة الأمريكية لجهة الاتفاق النووي، وكان من الأجدى تأجيل توقيع الاتفاق مع الصين إلى حين التوصل لتسوية نووية، بُغية تعزيزها باتفاق استراتيجي ايراني صيني، تكون مفاعيله ونتائجه، بمثابة الدعم اللامتناهي لإيران في المجالات كافة.

ربما قد تكون المنطقة على بوابة الدخول إلى تعقيدات وتحديات جديدة، لكن رغم ذلك، ومع حالة التصعيد السياسي والعسكري، يبقى المشهد الشرق أوسطي في حالة من التوتر الحذر، مع تفعيل خيارات عسكرية وأمنية في الأطر الضيقة، بيد أنّ العمل في هذا الاتجاه سيكون محفوفاً بالمخاطر، فاليوم إيران قوة إقليمية، وواشنطن تعمل على تقليم اظافرها، وكذا تل أبيب التي ترى في إيران اليوم عدوها التاريخي “هتلر”؛ كل ذلك يضع الجميع في خانة الترقب والانتظار للقادم من الأيام، وما يمكن أنّ ينتج من تحالفات إيران مع الصين، وكذا الأوراق الاستراتيجية التي ستستخدمها طهران في تعزيز موقعها التفاوضي مع الإدارة الأمريكية، والطريقة التي ستعتمدها واشنطن في قراءة العمق الإيراني الجديد.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى