استخباري: متى زار محمد بن سلمان تل أبيب..؟

يمكن وصف القارة الإفريقية بأنها أكبر بيئة حاضنة للتنظيمات المسلحة بشتى انتماءاتها الأمر الذي وفر لإسرائيل البيئة الخصبة لطرح مشاريع تواجدها العسكري في دول القرن الإفريقي خاصة ” إريتيريا – جيوبتي” وكذلك في الدول المجاورة لها في عمق الشرق الإفريقي، ومن مينائي “مصوع – عصب” اللذين تقيم فيهما تل أبيب مركزين عسكريين بالغي الأهمية، لايمكن أن يخرجا من دائرة الحسابات السعودية في الحرب على اليمن، والثابت أن الكيان السعودي في عملياته الجوية في الداخل اليمني مع من تحالف معه من عرب وأجانب حصل على المباركة الإسرائيلية لبدء العدوان، وعلى إن أي عمل عسكري مهما بلغ حجمه لا يمكن أن يأتي مفاجئا أو ارتجالاياً أو كرد فعل، فإن الطلب الذي تقدم به وزير خارجية الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي إلى مجلس “التعاون الخليجي” والجامعة العربية طلباً للتدخل العسكري في هذه الدول هو آخر نقطة في المرحلة التحضيرية للهجوم على اليمن بهدف تصفية قوة “الحوثيين” باعتبارهم امتدادا للقوة الإيرانية في المنطقة العربية وخصوصاً من الجهة الجنوبية للبحر الأحمر.

يقول التاريخ القريب لنشأة الدويلات الخليجية إنها نشأت برعاية الدول المستفيدة منها والتي تحركها، وهذا التاريخ نفسه يؤكد أن السعودية كواحدة من أكبر الكيانات الخليجية انتقلت من الحضن البريطاني إلى الحضن الأمريكي بعد تنامي قوة واشنطن إبان الحرب العالمية الثانية، وكان الانتقال الطبيعي لهذه المملكة في العلاقة تبعاً لموازين القوة، فالنفط يحتاج لمن يحميه، وفي ظل انعدام القوة العسكرية للسعوديين كان لابد من التواجد الأجنبي لحماية المملكة من أي تقدم أو صعود لأي قوة مناوئة لآل سعود.

ويقول التاريخ القريب إن قاعدة “تبوك الجوية” لم تنشأ في شمال المملكة حماية لها من الكيان الإسرائيلي، فتل أبيب من تحدد وفق “اتفاقيات عبر وسيط” عدد الطائرات المسموح بتواجدها في هذه الطائرة ونوعيتها وعدد الصواريخ الموجودة أصلاً، وهي موجودة بهدف تأمين الأعمال اللوجستية للقوات الأمريكية في المنطقة لا لحماية المملكة، فلا خطر من جهة الشمال كما يقول المنطق، فالعلاقة مع الأردن هي علاقة “عشق” بين السعوديين والهاشميين، كما أن الكيان الإسرائيلي واحد من رعاة السعوديين في المنطقة، وبالتالي لا ضرورة أمنية أو إستراتيجية لإنشاء قاعدة من هذا النوع وفق المعتقد السعودي، هذا إن كان ثمة معتقد عسكري سعودي أصلاً، وتشهد الأزمة السورية على أن الرياض تحتاج لموافقة إسرائيل لكي تتمكن طائرة سعودية من التحليق في تلك المنطقة، فالتقارير الإعلامية خلال شهر نيسان/ أبريل، من العام الماضي تحدثت عن اتفاق بين تل أبيب والرياض لتقبل حكومة الكيان بتحليق المقاتلات السعودية فوق الأردن والأراضي الفلسطينية لحماية طائرات شحن تنقل أسلحة لصالح الميليشيات المسلحة في سوريا، وهذا يؤكد أن ثمة اتصالات مباشرة بين الكيانيين السعودي والصهيوني.

من جهة أخرى يمكن القول إن مضيق باب المندب بما يشكله من أهمية كواحد من المعابر المائية التي تمر عبرها معظم التجارة العالمية والقوافل العسكرية وفق قوانين الملاحة في أعالي البحار والذي نظم في معاهدة دولية وقعت في العام 1986، وبرزت ضرورة هذه المعاهدة، بعيد حرب القرم في العام 1956، ونتيجة لهذا الموقع كان لابد لتل أبيب التي تسيطر على موانئ فلسطينية في شمال البحر الأحمر وحولت بعض منها إلى قواعد عسكرية بهدف حماية الكيان الإسرائيلي من أي خطر يأتي من جهة الجنوب، كان لابد لها من إقامة خط دفاع في عمق الجنوب تمثل بالقواعد الإسرائيلية في القرن الإفريقي، وبكون الهدف الأساس من العملية العسكرية “عاصفة الحزم” في اليمن هو الإبقاء على “الخطر الإيراني” بعيداً عن هذا المضيق، ففي الحسابات الإسرائيلية والأمريكية إنه إذا ما تم الأمر للحوثيين في اليمن، وأصبحوا القوة الحاكمة في الدولة المشرفة على المضيق –باب المندب- فإن ذلك أن التحالف الذي تشكله إيران وسوريا سيكسب نقطة هامة و إستراتيجية في الجنوب، ويمكن للحكومتين السورية والإيرانية، وخصوصاً الأخيرة أن تعمل على مأسسة الجيش اليمني وإكسابه القدرات العسكرية واللوجستية لإغلاق المضيق بوجه الملاحة عند استدعاء الحاجة لذلك، وقياساً على نجاح إيران في تنفيذ تدريبات عسكرية على إغلاق مضيق هرمز، والذي يعد منفذ الدول الخليجية الوحيد على التجارة العالمية، فإن أسواق الطاقة في العالم تدق نواقيس الخطر بشكل كبير، فالاقتصاديات المتضعضعة في أوروبا آخر ما تحتاج إليه قطع النفط عن السوق العالمية، لذا كان لابد من دفع السعوديين إلى اتخاذ هذه الخطوة لتكسب المملكة هيبة عسكرية هي بحاجتها لضمان هيمنة “محمد بن سلمان” كملك يتم الإعداد لوصوله إلى الحكم قريبا، فالتقديرات الأمريكية والإسرائيلية تقول بوجوب صعود وجوه شابة في الكيانات الخليجية تكون أكثر قدرة على التعامل والتعاطي بسرعة مع المتطلبات المرحلية للمنطقة، وبحيث لا تعيق المشاكل الصحية لحكام الخليج المشاريع الأمريكية.

في زاوية هامة من العمل العسكري كيف يمكن للقوات السعودية أن تنفذ عملا في المنطقة دون التشاور مع أمريكا وإسرائيل، التي قالت بعض التقارير الإعلامية إنها نفذت فعلاً عمليات جوية في اليمن، في حين أن التصريحات الأمريكية تثبت عمليات الإمداد جواً للمقاتلات المشاركة في العملية، ثم هل تحتاج طائرة تقلع من السعودية لعملية تزود بالوقود فوق اليمن..؟، فالمسافة تفترض إن الطائرة لن تحلق أكثر من ساعتين في أطول مهام “عاصفة الحزم”، ذلك بكون اليمن ملاصق للسعودية من جهة الجنوب، بالتالي ما هي جنسية الطائرات التي لاتقلع من السعودية مع العلم إن طائرات الدول الحليفة للسعودية انتقلت بطيارييها إلى الأراضي السعودية.

كما إن المهمة المنوطة بالجانب الإسرائيلي تركز على تأمين المعلومة الاستخبارية عبر قواعد التجسس التي تقيمها حكومة الكيان في “إريتيريا وجيبوتي”، ليصار لتسليم المعلومة لقيادة العمليات السعودية، وبالتالي يتم تنفيذ العمليات التي بدأت تظهر فشلاً كبيراً في تقدير قوة الجيش اليمني والحوثيين، فإن كانت ميليشيات هادي عاجزة عن تحقيق أي تقدم برغم الغطاء الجوي من التحالف الدولي المعادي، فإن الدفاعات الجوية اليمنية تمكنت إلى الآن من إسقاط خمس طائرات، اعترف الملك سلمان باثنتين منهن من خلال شكره لأوباما بإنقاذ حياة طياريها من قبل القوات الأمريكية، بالتالي كيف لدفاعات جوية اعتيادية من قبيل “رشاشات الـ «شيلكا» ” أو الصواريخ التي تعتمد قدرات رصد بدائية أولها عين الرامي مثل صورايخ الـ «كوبرا» أن تسقط طائرة متطورة و برمايات ليلية..

مما يفرض السؤال عن ماهية أجهزة الرصد اليمنية وقدراتها وقدرات الصورايخ التي تسقط هذه الطائرات تباعاً، وهذا يفرض سؤالاً آخر يقول من أين وكيف ومتى حصلت القوات اليمنية وتحديداً الحوثيين على هذه التقنيات، ومتى دربت عليها، تفضي الإجابة عليها الوصول إلى نتيجة مفادها أن الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية المحركة لغرفة عمليات العدوان السعودي فشلت بشكل كبير.

في صميم المهزلة التي تعيشها السعودية يحضر السؤال الذي يقول، من ورط السعودية في هذا العدوان، ولماذا، ولما يظهر “محمد بن سلمان” في واجهة الحدث برغم أن القرار في المملكة هو للملك، والوزراء ماهم إلا شخوص وكفى، إلا أن بن سلمان ركز على إبراز نفسه كقائد فعلي ومطلق للعملية، وبالتالي هل يسوق لنفسه على أن الملك القادم بعد أن ينحى ولي العهد قبيل أن يتخذ سلمان قراراً بالتنحي لمشاكل صحية، وهذا يحيل إلى الأزمة التي عصفت بالمملكة لتقاسم السلطة قبيل وفاة الملك الراحل عبد الله بن سعود، والتي قادها محمد نفسه ومن قصره قسمت التركة السعودية، على ذلك هل توافق إسرائيل على وصول سلمان إلى السلطة، وإن وافقت ففي أي نقاشات تم الأمر سواء لوصوله إلى الملك أو العملية، وعلى ذلك أيضاَ يمكن السؤال عن الزمن الذي زار فيه محمد بن سلمان إسرائيل لمناقشة العدوان على اليمن واستلام ملف التنفيذ من الحكومة الإسرائيلية بعد إعداده مع الأمريكيين، من خلال أخذ الموافقة على الدخول في التحالف و اتخاذ ساعة الصفر.

عربي برس – محمود عبد اللطيف

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى