استمرار بعضّ متبادل للأصابع.. حكومة إصلاحات أم حكومة ما بعد انتهاء الولاية؟

كتب نقولا ناصيف في “الأخبار”: كلما تأخّر تأليف الحكومة، ابتعدت عن أن تكون «حكومة مهمة» كما تريدها المبادرة الفرنسية، وابتعدت عن أن تكون حكومة الأشهر الستة التي لا يعرف أحد متى تتألف تلك كي تبدأ هذه قبل انقضاء وقت طويل، وابتعدت أكثر عن أن تكون حكومة اختصاصيين برأس غير اختصاصي.

 

كلما شاع اقتراب التفاهم والاتفاق على تأليف الحكومة وموعده، ارتفعت في وجهها الشروط وأضحت أبعد منالاً. في أبسط ما يقال، كل حكومة هي حكومة مهمة ولا شيء سوى ذلك، لأنها وظيفتها بالذات، ومبرّر تأليفها ما دامت تمثّل سلطة إجرائية يقتضي أن تعمل. كذلك لا أحد يسعه الجزم بمدة محددة ينتهي معها عمر حكومة ودورها ما لم تكن أمام سببين مباشرين طبيعيين للتنحي: استقالة رئيسها أو حصر مهمتها بإجراء انتخابات نيابية عامة على أثرها تصبح في حكم المستقيلة. أما الطامة الكبرى، فأن تكون حكومة اختصاصيين على رأسها غير اختصاصي أولاً، غير مشهود له بالإنجاز ثانياً. قبل التكليف الحالي، جُرِّب الرئيس سعد الحريري في حكومات ثلاث انتهت بالخيبة. كل منها كفيلة بعدم تكرار التجربة والرجل:

 

أولى عام 2009، انفجرت عندما أسقطها وزراؤها معارضوه من الداخل، بعدما انقطعت عن الاجتماعات. أول المسؤولين عن هذا السقوط رئيسها بالذات، عندما منح خصومه فيها صلاحية دستورية إجرائية موازية لصلاحيته هو الدستورية المدوّنة، بمنحهم نصاباً موصوفاً يتيح إطاحتها. ففعلوا. كان ذلك ثمن وصوله إلى السرايا، رغم أنه زعيم الغالبية النيابية.

 

ثانية عام 2016، لا تزال إلى الآن تحمل لعنة التسوية الرئاسية وكل ما ترتب عليها، بدءاً بمحاصصة التعيينات الإدارية والدبلوماسية والقضائية، وتقاسم الفساد والسيطرة على المقدّرات ونهب المال العام، مروراً بتجديد ولاية حاكم مصرف لبنان والهندسات المالية التي أجراها وأُولاها انتشال مصرف رئيس الحكومة من القعر ومدّه بالمال لإنقاذه، ما اضطره إلى ضخّ أموال طائلة مماثلة على مصارف أخرى، ذهاباً إلى إقرار سلسلة الرتب والرواتب لرشوة الناخبين. فإذاً حكومة 2016 تتحمّل القسط الأوفر من مسؤولية الانهيار النقدي والاقتصادي.

 

ثالثة عام 2019، أسقطها الحراك الشعبي بينما تذرّع رئيسها بأنه استجاب لإرادته، ثم أضحى يعثر في نفسه على نفسه المخلّص. في التكليف الأخير للرجل، ليس ثمة ما يبعث على الاعتقاد أنه بات أكثر نضجاً، وأكثر اختصاصاً في إنقاذ كل ما انهار، ولا بدا يتخلّص من الطبقة السياسية التي لا يزال أحد رؤوسها. ما بين أولى حكوماته وآخرها، فقد الإمبراطورية السياسية والمالية الضخمة التي أورثه إياها والده الراحل، وأوصلت الأب نفسه إلى رئاسة الحكومة. أهدر الابن الخلف كنزها الأهم، ومصدرها الذي هو ظهيره السعودي. فإذاً العودة إلى السرايا تمثّل وحدها آمال البقاء. يريد الرجل الذي أضاع اقتصاد شركات ناجحة مدرارة، إنقاذ اقتصاد دولة موشكة على الانهيار في الأصل.

 

لا تعدو المشاورات الجارية لتأليف الحكومة، في العلن والسرّ، سوى استمرار في عضّ متبادل للأصابع: بين الحريري ورئيس الجمهورية ميشال عون، وبينه وحزب الله، وبينه ورئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل. لكل من الأفرقاء الثلاثة هؤلاء مقاربة مختلفة عن الرئيس المكلف في التعامل مع تأليفها. لا أحد يتزحزح عن شروطه التي تتجدّد يوماً بعد يوم. لا الحريري في وارد الاعتذار، وهو بالكاد أعاد نفسه إلى واجهة الحدث بعد ضمور. لا رئيس الجمهورية بدوره على استعداد للتسليم سياسياً بتداعيات العقوبات الأميركية الأخيرة على باسيل، ولا بالتخلي عن صلاحياته الدستورية في توقيع مرسوم حكومة تنتقص منه في السنة الخامسة من الولاية كل ما حازه منذ السنة الأولى. لا حزب الله في صدد الموافقة على استبعاده عن المشاركة في الحكومة وإصراره على تسمية وزرائه، مضافاً تضامنه مع باسيل بكل ما يترتب عليه من شروط، لئلا يُستنتج تخاذله أمام مفاعيل العقوبات الأميركية.

 

لقراءة المقال كاملا اضغط هنا

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى