“اسرائيل” اخترقت حاجز الصد العربي…ما العمل ..؟؟؟

لن نعيد “اجترار” الحديث عن التطبيع ومخاطره وتداعياته على شعبنا الفلسطيني وامتنا العربية، وأن نستمر في مسلسل اللطم والبكائيات والتشخيص والتمحيص، فدولة الإحتلال جندت كل إمكانياتها وعلاقاتها وطاقاتها، من اجل الوصول الى مثل هذه النتيجة، ولعل قوى المعارضة والمقاومة العربية والفلسطينية تدرك جيداً، بأنه من بعد توقيع اتفاقيات “كامب ديفيد” في 17/ أيلول1978، وخروج مصر بثقلها العسكري والسياسي والبشري من ساحة الصراع مع المحتل، واستدخال مُوقع هذه الإتفاقيات المغدور السادات لثقافة الهزيمة وبأن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا، بأن قطار التطبيع على المستوى الرسمي العربي إنطلق… وبأنه سيمهد ويعبد الطريق امام كل من كانوا يحسبون ألف حساب لمصر، ويترددون في الجهر بعلاقاتهم التطبيعية مع ” اسرائيل” الى العلن.. وما أعقب ذلك من تغيير بنيوي في بنية ودور ووظيفة النظام الرسمي العربي، وحسم الصراع بداخله لصالح الدول والقوى المرتبطة بامريكا وقوى الإستعمار الغربي، والتي باتت تجاهر علناً بان العرب ليس لديهم القدرة على مواجهة “اسرائيل”، وعليهم ان يراهنوا على أمريكا، لكي تأتي لهم بحل، وهم في قرارة أنفسهم يعرفون بان ذلك مجرد وهم وسراب، ولذلك شاركوها عدوانها على العراق ومن ثم إحتلاله، ومن قبل ذلك أقنعوا الفلسطينيين بالدخول في مجرى اوسلو والتوقيع على اتفاقيات انتقالية مدتها خمس سنوات، انتهت قبل ستة وعشرين عاماً ، ما زال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها ضياعاً من أرضه ، وإنقساماً بين قواه وفصائله، واختراقاً في نسيجه المجتمعي، ومن بعد ذلك وفي ظل إستمرار إختلال ميزان القوى لصالح الإحتلال ومعسكره، أطلق العرب ما يسمى بمبادرة السلام العربية في بيروت /2002، والتي نصت في جوهرها على الأرض مقابل السلام، والتي قال عنها حينها رئيس وزراء الإحتلال شارون بانها لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، وكان رده عليها بإجتياح الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس الراحل عرفات في المقاطعة برام الله، ومنذ ذلك التاريخ استمر العرب بالهبوط بها وترحيلها من قمة عربية الى اخرى لعل اسرائيل تقبل بها، ولكن اسرائيل بقية متمسكة بموقفها، بأن ما هو مقبول في تلك المبادرة، هو التطبيع العلني ( سلام مقابل سلام)، وبقي التطبيع قائماً في إطاره السياسي الرسمي، دون ان يكون هناك اختراقات جدية على المستوى الشعبي المجتمعي، وإن كان كل متابع للشأن الصهيوني والرسمي العربي، يدرك بان هناك علاقات تطبيعية سرية بين العديد من دول النظام الرسمي العربي ودولة الإحتلال تمتد لسنوات طويلة، في أكثر من مجال، أمنية واستخبارية وزيارات وأنشطة مشتركة رياضية وثقافية ومكاتب تجارية وممثليات اقتصادية، وقد تحدث عن ذلك رئيس وزراء الإحتلال نتنياهو اكثر من مرة، بأن لإسرائيل علاقات قوية من العديد من الدول العربية والإسلامية، بما فيها التي لا تقيم علاقات مع اسرائيل، وهو يرى بان الوقت بات ملائماً ومناسباً لنقلها الى المستوى العلني، وكذلك كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تسرب من حين لأخر اللقاءات والعلاقات التطبيعية بين قادة ومسؤولين عرب مع نظرائهم الإسرائيليين .

من بعد ما يسمى بثورات ’’ الربيع العربي ‘‘ ونجاح امريكا واسرائيل في إعادة رسم وترتيب خارطة العداء في المنطقة، بحيث أصبحت ايران ومحورها هم من يشكلون الخطر على امن دول المشيخات الخليجية واستقرارها وعروشها، وبأن اسرائيل هي دولة “صديقة” يمكن التعامل معها بشكل طبيعي في المنطقة، كل المؤشرات كانت توحي بأن معسكر التطبيع العربي ذاهب في علاقاته الى العلنية مع دولة الإحتلال، فجامعة الدول العربية المسلوبة القرار والإرادة والمسطي على قرارها من دول ومشيخات البترودولار، أخرجت سوريا وهي عضو مؤسس من عضويتها، وأستقدمت قوات ” الناتو” من أجل إحتلال ليبيا، وشرعنت ودعمت ومولت وسلحت الجماعات الإرهابية والتكفيرية يمختلف مسمياتها وتلاوينها، من اجل اسقاط النظام السوري وتدمير مؤسساته واضعاف جيشه وتفتيت وتفكيك جغرافية سوريا على أسس طائفية .

المشروع الأمريكي واجه استعصاءات وفشل على أكثر من جبهة، فلا سوريا سقطت ولا إحتلال العراق استمر، حيث المقاومة المسلحة مستمرة من اجل اخراج القوات الأمريكية، وكذلك حزب الله والمقاومة في لبنان، لم تضعف أو تنهار ولم تنجح الضغوط المالية والإقتصادية الأمريكية، ولا كارثة ميناء بيروت، في تأليب اللبنانيين على حزب الله، وتجريده من حاضنته الشعبية، وكذلك لم تتمكن السعودية ولا الإمارات من تحقيق نصر أو فرض شروطها وإملاءاتها على جماعة أنصار الله ” الحوثيين” في اليمن والذين انتقلوا من الدفاع الى الهجوم، وكذلك هي المقاومة الفلسطينية راكمت عوامل الردع مع الإحتلال في قطاع غزة،وبقي الموقف الفلسطيني رسمياً وشعبياً متماسكاً من صفقة القرن الأمريكية بالرفض،لأنها تستهدف تصفية القضية الفلسطينية بكل ركائزها قدس، لاجئين، تاريخ، هوية ورواية.

وايران رغم كل العقوبات الإقتصادية والمالية والتجارية والحصار، لم تتراجع عن مواقفها، بل ازدادت قوة، ونجحت في وضع قمر صناعي عسكري في الغلاف الجوي.

ترامب مع اقتراب الإنتخابات الأمريكية، يريد أن يعزز من فرص نجاحه وفوزه في ولاية رئاسية ثانية، فلا يوجد هناك أي نصر في سياسته الخارجية، وصديقه نتنياهو مثقل بالخيبات والفشل، فهو فشل في معالجة ملف جائحة “كورونا” والإقتصاد الإسرائيلي يواجه أوضاعاً صعبة، وارتفاع في معدلات البطالة والفقر والتضخم، وعنده قضية منظورة أمام القضاء الإسرائيلي بتهم خطيرة من رشوة الى سوء ائتمان الى خيانة الأمانة، ولذلك كلاهما بحاجة الى خطوة استراتيجية ودراماتيكية، تزيد من الثقة بهما، وتخرجهما من أزماتهم، ولذلك مارست الإدارة الأمريكية ضغوطاً كبيرة على العديد من المشيخات العربية، لكي تنقل علاقتها بدولة الإحتلال من السر الى العلن، أي التطبيع العلني، وبالفعل قطار التطبيع العربي العلني إنطلق، بإعلان دولة الإمارات العربية عن تطبيع علاقاتها مع دولة الإحتلال في 4/8/2020، ومن ثم لحقت بها مملكة البحرين، ولتوقع تلك الدولتان على ما سمي بإتفاقية واعلان سلام في واشنطن في الخامس عشر من الشهر الجاري، وبما يشمل إنهاء حالة “الحرب” مع دولة الإحتلال.

المهم هذا القطار التطبيعي المهرول للنظام الرسمي العربي مستمر ومتواصل، وانا أرى فيه أكثر من كونه خدمة لعملية انتخابية لترامب او إنقاذ لنتنياهو، وأكبر من عملية سياسية، فهو يمهد لرسم تحالف استراتيجي عسكري أمني ما بين دولة الإحتلال ودول النظام الرسمي العربي المهرول والمنهار، ضد محور المقاومة وفي مقدمته ايران وكل المحور الدائر في فلكها.

ولذلك بات من الملح والضروري لقوى ودول محور المقاومة ولشعبنا الفلسطيني المستهدف بهذا المشروع بشكل أساسي، سياسياً ضرورة العمل على إعادة بناء الحالة الشعبية العربية – الإسلامية، وخلق إطار واسع مناهض للتطبيع، يمكن من تحصين ومنع تمدد التطبيع شعبياً وجماهيرياً، وبما يمنع انزلاق الدول العربية الأخرى نحو التطبيع مع دولة الإحتلال.

تكثيف الجهد والعمل من اجل حل الخلافات والتعارضات والإنقسامات ما بين أقطاب وقوى المقاومة وتوحيد جهودها وطاقاتها، على قاعدة الألوية لمجابهة التطبيع والقوى المعادية.

ان يكون ما أمكن من تعاون جاد وحقيقي في الجوانب الأمنية والإستخبارية، لأن جوهر المشروع التطبيعي امني استخباري، ولذلك حتى يفشل المخططات المعادية في بث الفرقة والفتن بين دول وقوى محور المقاومة، ومنع حدوث اختراقات داخلية، وكذلك منع الدول المعادية من تحقيق نجاحات مهمة في زعزعة امن واستقرار دول وحركات محور المقاومة.

في الإطار العسكري لا بد من ان يكون قدر عال من التنسيق والتعاون بين كل أقطاب محور المقاومة،بحيث يجري الرد على أي عدوان أو اعتداءات على هذا البلد او تلك الحركة او ذلك الحزب من خلال قرار موحد حيثما أمكن ذلك.

فلسطين – القدس المحتلة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى