اسـتقــراءة فـي الـواقـع العـراقــي ( سـيـاسـييـن بـلا ارادة تـقـريــر وشـــارع شـعبي بلا ارادة تغييــر )

د احمد الاسـدي | موقع جنوب لبنان

داعـش وفكـرهـا الوهـابي التكفيـري ليس امـرا جـديــدا او مسـتحـدثـا على ارض الـواقـع , ولكـن الجـديـد ان هنـاك مَـنْ اتخـذ مـِنْ هذا الفكـر واجـرام تكفيـره وسيلـة نفعيـة واداة مجـانيـة رخيصـه للـوصـول الـى اهـدافـه وتحـقيق اسـتراتيجيـات مشاريعـه ( القديمـة الجـديـدة ) التقســيميـة للمنطقـة , وفق جـدولــة المذهبـه الدينيـة والتعنصـر القومـي وبمـا يـضـع الجميـع تحت مـداس الهيمنـه الامـريكيـة , وفـي نفس الـوقـت يعيـد رسـم خـارطـة صـراع المحـاور الاقليمـي فيهــا , وهـذة الحقيقـة يحـاول السيـاسي العـراقي المـبتلى بـداء الثـووول الفكـري , و مـتلازمــة ســن اليـأس السيـاسي المبكـر ان يتخـطـاهـا , مصـدقـا محـاربـة امـريكـا والسعـوديـة وقطـر وتركيـا والامـارات والاردن لـداعش والارهـاب , ومتنـاسيـا ان هذة الـدول بشحـم كـروش امـراءهـا وشـيـوخهـا وقـادة دولها و حكـومـاتهـا هي التي امـدت بطـول عمر الارهـاب , وهـي التي ارضعتـه مـن عهـر اثــداءهـا مـاليـا وتسليحيـا وسيـاسيـا واعـلاميـا وسيـاسيـا عـبـر دعمهـا اللامحـدود لجميـع مسميـاتـه ومشـاربـه فـي ســوريـة تحـت حجـة وذريعـة اسقـاط نظـام الرئيس الاســد واعـادة هيكلـة الدولـة السـوريـة ونظـامهـا الســياسي الـوطنـي .

مِـنْ السـُـخـف والبلاهــه تصـديـق دُعـابـة مـا يسمـى الحـرب الامريكيـة العربـانيــه علـى داعش والارهـاب , فمـن غيـر المنطـق أَن تحـارب واشـنطـن وديـوثيهـا الارهـاب فـي العـراق وكـوبـاني السـوريـة , بينمـا تدعمـه وتقـدم لـه التسـليح وتمنحـة الغطـاء الشـرعـي فـي بـقيـة المنـاطـق الســوريـة , وسـابقـة خطيـرة ان تدعـي امـريكـا وحلفـاءهـا فـي شمـال الاطلسـي الحـرب على الارهـاب , بينمـا حليفهـم التـركـي العضـو في النـاتـو والذي يحتمـي بمظلــة بطـاريـات صـواريـخ الباتـرويـت الامـريكيـة والاوربيـة , يحـتضـن الارهـاب الدولــي ويشـرع له ابواب مطـاراتـه ومـوانئــه , ويجعـل من الاراضي التركيـة منطلقـا لعمليـات ارهـابـــه في سـوريـة والعـراق ويتاجـر لـه بنفطــة المســروق ويضمـن مواردة الماليــه .

مـاتعـانـي منـه العقليـة السيـاسية العـراقيـة من حـالـة تخـبط وفـوضـويـة في استقـراء خـارطـة صـراع المحـاور في المنطقـة والعـالـم , جعـل منهـا لقمـة سـائغــة للمـتربصيـن بالعـراق وتـاريخـه وحضـارتـه والطـامعيـن بخيـرات ثـرواتــه , وهـذة الفـوضـويـة على صعيـد الكـتل السياسية المتربعـه على كرسي السلطـة قــد انعكست سـلبـا علـى انسيـابيـة الشـارع الشعـبي الجمعـي , وخـلقت منـاخ فـوضـوي اعـم واشمـل فيــه , وكرست روح الانقسـام والضغينـة التي وجـدت طـريقهـا الى قـلب النسـج المجتمعيـة العـراقيـة وافقـدتهـا هـويتهـا الوطنيـة على مـدار سنوات شمـول الاستبداد العبثي السلطـوي الغـابـر , وواقـع حـال الحـاضـر المـزري و الشـائـك بتحـديـات تداعيـات مرحلـة الاحتلال وانعـدام الامـن ,وانتشـار ثقـافـة التبعيـة والانقيـاد الاعمـى للفـرد العـراقـي وراء الزعـامـات السيـاسيـة والدينيـة والمذهبية والقبليـة النفعيــة والانتهـازيــة .

قصــور الوعـي السـيـاسـي فـي الشـارع العـراقي الحـاكـم والشعـبي مـن جهـه , وضـعـف بصيــرة استقـراء المعطيـات التـي تفـرضهـا تـقلبـات منـاخـات الصـراع المحـوري الاقليمـي المـرادف لولادة نظـام عـالـمـي جـديــد مخـتلف عـن عـالم الاسـتبداديـة والعنجهيـة الامـريكيـة الاوحــد مـن جهـة اخـرى , نقـل العـراقييـن مـن واقــع ســيء الـى اخـر اســوء مـُـتخـم بـالاخطـاء والسلبيـات التي تصـدرت جميـع مفـاصـل الحيـاة السيـاسيـة والاقتصـاديـة والثقـافيـة المجتمعيــة , والـى الدرجـة التي اصـبـحـت فيهـا هـذة الاخطـاء والســلبيـات نهـج حيـاتـي شــائـع ومـألـوف , بينمـا اصـبـحـت الدعـوات الى التصـحيـح والتصـويـب شــذوذ وخـروج عـن القــاعــده , ولعـل الاغـرب فـي هـذا الأمـر , ان العـراق كـان السـبـاق مـن دول المنطقــة للغـرق فـي مســتنقعـات الشمـول والتغييـب والحـروب وعسكـرة الشـعـب ودفــع ضـرائـب الحصـار الاقتصـادي والغـزو والاحـتلال العسكـري والفكــري ,ولكـن لا الشــارع و لا النخـب السياسيـة ولا الزعامات المجتمعيـة ولا اصحـاب القـرار فـيــه اســتفـادوا او اعـتـبروا مـن تجـارب الامس القـريـب والبعيـــد هــذه .

بـُـعيــد انتصـار الثـورة الاسـلاميـة فـي ايــران عـام 1979 تعـرضـت طهـران الـى تحـديـات اجهـاض الثـورة فـي مهـد انتصـارهـا ,حـيث اتخــذت هـذة التحـديـات اوجــه مخـتلفــة لعــل ابـرزهــا واخطـرهـا الحـرب التي اجـبـرت علـى خـوضهــا مـع العـراق بــسب غطـرســة نظـام عـبث السلطــة فـي بغــــداد , واصـراره عـلى تنفيــذ مـاكـان مـرســوم لــه مـن دور معـادي لطهــران عبـر بـوابــة اشعـال فتيــل الحـرب واحــتـلال مـدن وقصبـات ايـرانيــة علـى طـول الحـدود بيـن البلـديــن بــدعــم امـريكـي غيـر مبـاشـر عبـر السعـوديــة والاردن والكـويـت ودويـلات ومشـايـخ العـربـان تـارة , او مـن خـلال الدعــم المعلـن والمبـاشـر والذي تـوجتــه زيــارة مسعـور الصهيـونيـة العالميـة دونـالـد رامـســفيـلــد فـي عـام 1983 , وبـاعـتراف وثـائـق الخـارجيـة الامـريكيــة التي يــزاح عنهـا غطـاء السـريــة بعـد تقـادم الـزمـن عليهـا وفقـدانهـا لضـرورات ســريـتهـا , كـان لـزيـارات رامـسـفيــلد فـي حينــه اهميــة خـاصــة اسسـت لعـلاقـات عسـكـريـة واقتصـاديــة وسيـاسيــة بيـن بغـداد وواشــنطـن , وصـلت الـى حــد تبـادل المعلـومـات الاسـتخبـاراتيــة وارســال القنـابـل العنقـوديــة مـن خـلال واجهـات لشــركـات تـشــيليـــه الاصــول , مـع تسهـيــل حصـول بغــداد على المـواد الاوليــة لصنـاعـات الاسلحــة الكيميـاويــة والبايـلـوجيــة التي كـان لهـا اثــر فعـال فـي تحديـد سيــر وجهـة المعـارك الطـاحنـه بين العـراق وايــران , بعـد ان وجـد اصحـاب القـرار فـي البيت الامـريكــي ضـالتهـم فـي ثقـافـة تهـور السلطــة والرغبــة الجـامحــه للبـروز عربيـا واقليميـا لدى ســاســة بغـداد الجــدد , الـذيـن وصلـوا الـى كـرسي الحكـم علـى انقـاض اغتيـال التيـار العقـائـدي فـي حـزب البعـث وتصفيـة الكـوادر والقيـادات التي كـانت تعـارض السلطـويـة الانفـراديــة والسيـاسـات العبثيــه الاستعـدائيــة بالضـد مـن ايـران وســوريـة ,وتـرى فـي ابعـاد العـراق عـن شــبـح الحـروب ضــرورة حتميــة لبنـاء دولـة المـؤسسـات , والتـاسيس لبنـى مجتمعيـة متحضـرة تـرتقـي بـواقــع الانسـان العـراقـي , حـيث إنَ العــداء مـن ايـران الثـورة الاسـلاميـة والـوقـوف بالضـد مـن مـا اسمـوه في ادبيـاتهـم المريضــة بالتطـرف الشيعـي والمخـاوف مـن ثقـافـة تصـديـر الثـورة الى حلفـاء امـريكـا في الخليـج , كـان كـافيـا لمـد جســر التقـاء بيـن بغــداد وواشنطــن , والبنـاء على استراتيجيـة تقــدم نظـام بغـداد واجهـة المعـركـة بالضـد مـن ايـران بالنيـابـة والتي استمـرت لقرابـة الثمـان سنـوات جـاءت على الاخضـر واليـابس فـي كلى البلـديـن , ولـكـن طهــران وبحكمـة قـيـادتهـا وقــدرتهـا على استقـراء معطيـات الـواقـع استطـاعت مـن اســتيعـاب حجـم التحـديـات , واولهـا درس الحـرب التي فـرضـت عليهـا , وحـولـت معـادلات تـداعيـاتـه الـى اســتراتيجيـة انتصــار وانطـلاق فـي الحيـاة السيـاسيـة والعسكـريـة والاقتصـاديـة فـي المجتمـع الايـرانــي , و فـرضـت نفسهـا رغمـاعـن الجميـع كقـوة اقليميـة رائــده فـي المنطقــة والعـالـــم , وامتلكــت مـن العلـم نـاصيتــه , وطـوعـت قــدرات ابنـاءهـا العلميــة فـي خـدمــة مجتمعهــا فـي مجـالات الــذرة واستخـداماتهـا السلميــة والصنـاعـات المدنيــة , وطـورت مـن قـدراتهـا الدفـاعيـة التسليحيــة ذاتيـــا واسست لقـوة ردع مقـاوم مضــاد الـى اسـرائيـل وطمـوحـاتهـا الاستعـدائيــة , بينمـا السـاسـة العـراقييـن , سـواء فـي مرحلـة ما قبل الاحـتلال او من جـاؤوا بعــده , بــدلا مـن الاعتبـار والاستفـادة مـن تجـارب الحـروب والحصـار والاحتلال والاقتتـال الطـائفـي والمـذهـبي , عمـلوا العكـس تمـامـا , حـيث اصـروا على مـواصلــة منـوال ذات الاخطـاء والسيـاسـات العنجهيـة الغير مـدروســه , وجـروا وراءهــم الشــارع واوقعـوه فـي فـخ تنـاقضـاتــهـم وغبـاوة ممـارسـاتهـم التي امعـنت لـلأسـف بتشـيت الشخصيـة العـراقيـة وافقـدتهـا هـويتهـا وانتمـاءهـا وتطـلعـاتهـا , وجعلـت منهـا محـل تنـدر وانتقــاد وانتقـاص فـي المنطقـة والعـالــم .

مـِنْ المبـكـر الـرهـان عـلـى بعـض التغييـرات التي دأب عـلـى اجـراءهـا السيد حـيـدر العبـادي بعـد تسلمـه منصب رئـاسة الوزراء فـي بغـــداد , لأنهـا ومهمـا طـُـبـل لهـا اعـلاميــا , وحـظيـت بمـديـح امـريكـي او بـريطـاني وفرنســي تـبقـى خطـوات قصيــرة عـلـى طــريق مــُـلغــمـه ارضــه داخليـا وشــائكــة جـوانبــــه اقليميـا , ولايمكـن وضعهـا الا فـي ميــزان الرغبــة بالتغييـر ولكـن ضـمـن حــدود الحلـول الترقيعيــة التي لايمتـلك اصحـابهـا الشــجـاعـة فـي اشهــار الاســباب الحقيقيــة للمـشــكل العـراقي حصـرا ومـُشــكل المنطقــة جمعـا , وتنقصهـم ارادة ثـوريــة التغييـر وصــلابـة المـواقـف وحـزمـهـا , فعنـدمـا يعجــز السيد العبـادي عـن الـرد على تصـريحـات احـد وزراءه الكـردي زيبـاري التي تسيء الى منظـومـة شعبيـة وجـدت نفسهـا امام التـزام واجباتهـا الاخـلاقيـة والوطنيـة وتطـوعـت لقتـال داعـش وارهـابـه والـدفـاع عـن وطنهـا واهـلهـا , وكـذلـك يصمـت العبـادي ازاء استمـرار ضـرب القيـادات الكـرديــة لـكيـان حـكـومـة المـركـز وسـلطـاتهـا عــرض الحـائــط والاصـرار على التصـرف بحكـم واقـع اســتقـلاليـة الاقليــم , وليس بـواقـع كـونـه جـزءا مـن عـراق اتحـادي كمـا يقــر الدســتور الذي الـزم الجميــع بـه انفسهــم منـذ بـدايـة عمليــة التغييـر الاحـتلالــي , فـلا يمكـن عنـدهـا البنـاء الرهـانــي عـلى قـرارات اقـالـة عـدد مـن الضبـاط الكبـار مـن منـاصبهـم ومهـامهـم , او التصـريحات الاستهـلاكيــة بخصـوص محـاربـة الفســاد والمحسـوبيـة , بينمـا الاخبـار تشيـر الى تـورط نائبــه صــالح المطـلك على سبيـل المثـال لا الحصــر بـسـرقـة امـوال لجنـة اغـائــة النـازحييـن , ومـِن اللافـت للنظـر انه عنـد اقـالـة عدد مـن القـادة العسكـريين الكبـار وتعييـن ضـبـاط جـدد مكـانهـم , لـم نسـمـع ذات الـزوبعـة مـن التصـريحـات والاعـتراضـات على طـريـقـة التعييـن , او الحـديث عـن الزاميـات عـرض اسمـاء وملفـات القـادة الجـدد الشخصيـه علـى البـرلمـان للمـوافقـة عليهـم , كـتلك الزوبعـات التي طـالمـا اجتـرهـا معـارضي المـالكـي ابـان فترة رئاسـة لمجلس الوزراء , فهـل هـي ازدواجيــة في المـواقـف ام ان امـر اقـالـة الضباط وتعيين جـدد مكـانهـم امـرا امـريكـيـا مفـروضـا على السيد العبـادي وعلى حكـومـتـه وعلى البرلمـان ونـوابــه , وعلى ما نعتقــد ان الاحتمـال الثـاني هـو الاقــرب للحقيقــة , و يـؤكــد ماذهبنـا اليــه عـن عـدم استقـلاليـة القـرار السيادي العـراقي وتابعيتـه , وضـعف القـائميـن على امـرة , وعدم امتلاكهـم شجـاعة اتخـاذ القـرار الرافض الفعلـي للهيمنـه والوصـايـا الامـريكيــة وليس الاستهـلاكـي القـولـي الدعـائــي .

14 تــشــريـن الثــانـــي 2014

al_asadi@aol.com

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى