“الأبعاد الإستراتيجية في إطار التنافس الأمريكي الصيني”

تتحرّك واشنطن نحو عدد من بؤر التوتر التي تُحيط بالصين، وتعتبرها بمثابة أوراق ضغط من شأنها أن تعرقل الصعود الصيني

الأبعاد الإستراتيجية في إطار التنافس الأمريكي الصيني… بين السلم والحرب
أمجد إسماعيل الآغا

التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والتدهور الحاد في مستوى العلاقات بين البلدين وعلى أكثر من صعيد، بات من أحد المُحددات الرئيسية للعلاقات الدولية، بيد أن قراءة مسار التطورات بين واشنطن وبكين، يحتاج إلى اهتمام وعناية إقليمية ودولية لضخامة الدولتين، بالإضافة إلى أثر الأنماط السياسية الخاصة بهم في النظام الاقتصادي الدولي، وتبِعاته في الاستقرار السياسي والأمني العالمي.

ففي الوقت الذي مثّل فيه فيروس كورونا، عُنصراً مُشتركاً في الصدام بين بكين وواشنطن؛ نجم عن ذلك تبادل الاتهامات بين قادة البلدين حول مسؤولية كل منهما في ظهور الفيروس، وتفشّيه بين سكان العالم، فقد حمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين مسؤوليّة الجائحة، بينما انسحب من منظمة الصحة العالمية على خلفية اتهام المنظّمة بالتواطؤ مع الصين، وأنّ الاخيرة تتحكّم بمنظمة الصحة، ناهيك عن إشارة مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي، إلى أنّ الفيروس “نابع من أخطاء معمل في ووهان الصينية”. ضمن ذلك بدا من تداعيات كورونا أنها توطئة لوسم النظام العالمي، بجُزئيات جديدة قوامها تراجع أمريكي يُقابله صعود صيني.

وعلى الرغم من الزخم الهائل لفيروس كورونا وأثر تداعياته الذي احتوى غلاف الصراع الأمريكي الصيني، إلا أن مضمون ذلك الصراع ومحتواه بدأ منذ سنوات، وتمركز حول الصراع التجاري والتكنولوجي، خاصة أن المؤشرات الاقتصادية تستقر عند معدلات هي الأسوأ بالنسبة للاقتصاد الأمريكي منذ عقود طويلة، على عكس المؤشرات الاقتصادية الخاصة بالاقتصاد الصيني.

في جانب موازٍ، فإن جائحة فيروس كورونا أماطت اللثام عن هشاشة الإدارة الأمريكية، لتبدو الغيوم المتراكمة جراء سياسات واشنطن الداخلية والخارجية، بالتحول لإعصار ستُعاني منه الولايات المتحدة خلال السنوات وربما العقود القادمة، فقد بدا واضحاً أمام الجميع تخبط الدولة الأولى في العالم، وهي تشهد أعلى معدل للإصابات بين دول العالم، ويحصد الفيروس أرواح آلاف المواطنين الأمريكيين، بينما كانت الصين السبّاقة عالمياً في تجاوز أزمة الفيروس، الأمر الذي دفع ترامب إلى وضع الصين ومسؤوليتها عن الفايروس في كل جملة ينطق بها، مع توصيفات عنصرية تُجاه الصين، كـ الفيروس الصيني؛ نتيجة لذلك وجراء تداعيات كورونا، أضحت بؤر التوتر والخلاف بين واشنطن وبكين تتخذ منحناً تصاعدياً، تُعمم جُزئياته على مسارح الأحداث إقليمياً ودولياً.

أقرأ أيضاً:

الولايات المتحدة.. حصيلة ضحايا كورونا تتجاوز 154 ألفا

التطور الاقتصادي للصين خلال العقود الثلاثة الماضية، بقي ضمن رؤية الإدارات الأمريكية بُغية احتواء العملاق الصيني؛ إذ أيّد الأمريكيون انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في العام 2001، واستضافت جامعاتهم العديد من الباحثين الصينيين، كما سمحت الشركات الأمريكية للصين التواجد في قلب الاقتصاد العالمي، لكن رغم تلك المحاولات الرامية لاحتواء الصين واقتصادها، إلا أن واشنطن لم تُفلح في إبقاء الاقتصاد الصيني في مرمى الاستراتيجية الأمريكية، فالتصورات السابقة سقطت في ظلّ إدارة الرئيس ترامب، الذي حاول احتواء الصين عبر مراكمة العقوبات التجارية، وذلك بعدما أيقنت واشنطن أنّ بكين قد حصدت جملة من الأهداف الإستراتيجية أكثر مما ينبغي، ولا تستطيع واشنطن الصمت أمامها، وهو ما عبر عنه ترامب في حديثه، مؤخراً، حينما أشار إلى أنّ بكين ضالعة في سرقة حقوق الملكية الفكرية للشركات الأمريكية.

بهذا المعنى، تتحرّك واشنطن نحو عدد من بؤر التوتر التي تُحيط بالصين، وتعتبرها بمثابة أوراق ضغط من شأنها أن تعرقل الصعود الصيني، وذلك ما يمكننا متابعته من موقف الولايات المتحدة من هونج كونج، وأنّها تمثّل أحد أوجه الصراع بينهما، مما جعل بكين تصدر قانون الأمن القومي الخاص بهونج كونج، ردّاً على التظاهرات التي خرجت ضد سلطة بكين، حيث تعكس تصريحات ترامب رؤية الإدارة الأمريكية، عندما قال في مؤتمره الصحفي، إنّ قانون الأمن القومي الذي أقرّته الصين ضد هونج كونج، بمثابة انتهاك سافر ومأساة للشعب هناك، كما هدّد بفرض عقوبات على المسؤولين.

روسيا التي تتابع باهتمام بالغ الصراع بين واشنطن وبكين، تدرك تماماً أنّ آليات الصراع فيما بينهما ستسمح لها بهامش حركة ومناورة في المساحات التي تُقدر منافعها وعوائدها الاستراتيجية لجهة المصالح الروسية، فضلاً عن أنّ تلك الأوضاع التي تتجه نحو ضرورة التنافس ضد الهيمنة الأمريكية، ترافقها ضرورة أخرى تحرص على عدم الانزلاق إلى الصراع المسلح.

شهور قليلة تفصل العالم عن مشهد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يتنافس فيها الرئيس الحالي دونالد ترامب، ضدّ منافسه من الحزب الديمقراطي جو بايدن، ورغم كافة الأزمات التي عصفت بإدارة ترامب، خاصة خلال العام الجاري، والتي من الممكن أن تعصف بفرصه في تجاوز مشهد الانتخابات، لكن ثمّة تقديرات تشير إلى تماسك كتلة الناخبين المؤيدة لاستمرار ترامب فترته الرئاسية الثانية.

أقرأ أيضاً:

بوتين و عباس يبحثان "ملفات التسوية الشرق اوسطية "

على أيّ حال، الانتخابات الأمريكية مهما أسفرت نتائجها، فلن تُغيّر الواقع والشروط السياسية القائمة والمحتدمة، حيث يتوقع أن يتوخى الرئيس القادم الإجراءات ذاتها التي يتوجب اتباعها في سياق الصراع والتنافس ضد بكين وروسيا، بيد أن الصراع ليس حرباً باردة جديدة كما عرّفتها أدبيات السياسة واحتفظت بها ذاكرة التاريخ، بل صراع يقوم على آليات التكنولوجيا الحديثة، ووسائل التواصل العملاقة التي تخترق كل الخصوصيات، وتنتصب آلياته ومفرداته في مساحات الظل بين السلم والحرب، إذ لا يهدف نحو القبض على الهيمنة أو حيازة مقعد قيادة القطب الواحد في العالم من واشنطن، بل تتحرّك آلياته وأهدافه نحو إحكام السيطرة على مصالحه الإستراتيجية، والقدرة على ضبط الرؤى التكتيكيّة التي تحفظ تلك المصالح، ويبقى ذلك كله رهن نجاح تلك التحرّكات وصوابية تلك الرؤى، على خلفيّة ارتعاش القبضة الأمريكية، ووهن قوتها، ومساحات الفراغ التي تنتج عن ذلك.

وعليه، فإن حالة الكباش بين واشنطن وبكين، تتمتع بأبعاد إستراتيجية تتخذ من ملفات الاقتصاد والسياسية، منطلقاً لوسم المشهد الدولي، فالنمط المتصاعد لجهة حالة التوتر والنزاع تؤكد أن واشنطن وبكين تواصلان عملية شد الحبل، خاصة أن الصين تُدرك بأن الإدارة الأمريكية عاقدةٌ العزم، على ضرورة احتواء الانطلاق الصيني، واعتبار كبح الصعود المتنامي لبكين بمثابة ضمان للأمن القومي الأمريكي.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق