“الأب الطيّب”

الأب الطيّب

كنتُ في المرحلتين الإعداديّة والثانويّة في الثمانينيّات عندما كان تقنين الكهرباء يحصل لساعة واحدة فقط و في الفترة المسائيّة.

كنتُ أنتظر ساعة قطع التيّار الكهربائي مُشتاقاً لأغادر غرفتي الحبيبة التي أدرس فيها مُسرِعاً وقد ملّتني جدرانها الصفراء الباردة لأجالس أبي وأمّي رحمهما الله وإخوتي وأخواتي، وأنهل الدفء العائلي المريح من اجتماعهم العفويّ المعتاد الملوّن بالبساطة، وأحتسي المتّة معهم على ضوء المصباح الكازيّ الخافت أو ضوء الشمعة المتراقص مشاركاً أغلبهم في ذلك الأمر الممتع، كانت الدقائق السعيدة تموت بسرعة لتأخذ معها هذه الساعة الجميلة من اليوم، وقد تموضع كلّ منهم في مكان شبه مخصّص له، تلك المتّة الأصليّة التي لايغيب شكل علبتها الحمراء والبيضاء(المالطا) ولامذاقها اللذيذ عن ذاكرتي الأمينة.

كانت أحاديث أبي الطيّب المؤمن بالله يفوح منها الصدق والمرح والتواضع وتزيّن المكان بحيويّتها ولاتخلو من المواعظ والحكم والنوادر وذكريات ماضيهِ المنعشة وسرد تفاصيل يومه المُتعِب في العمل ببراعته في الوصف والكلام، وقلّما نسمع فيها كلمات التأنيب والعقاب والتهديد لنا ماخلا الحثّ والتشجيع على العلم واحترام المعلمين ومساعدة المحتاجين وتحمّل المصاعب وتعليمنا الثقة بالنفس..كان رحمه الله يستمع لمطالبنا المتواضعة وشكاوينا ومشاكلنا وهمومنا بجدّيّته وابتسامته الذكيّة.

كنت أنظر إلى وجهه الوقور وعينيه الحنونتين المرهقتين اللتين صادَقَتْهُما النظّارةُ الطبّيّة التي كانت مخلصة لهما حتّى انطفأا ورقدا في الغياب، لأطمئنّ بأنّ الدنيا مازالت تنبض بالخير وتشرق بالأمل وتخفق بالعطف.

كم كنت أحسّ بالقوّة في داخلي عندما ترمقني عيناه بنظرات الرضا!…وكم كنت أحسّ بالخجل عندما يصفعني بنظرات التوبيخ واللوم على تقصيري في تنفيذ واجبي !….كانت اثقال متاعبه وهمومه قد استراحت في قلبه المترع بالحبّ وقد أبت أن تخرج منه دون أن تغرس المرض في شرايينه التي أجهدها الصبر.

رحمة الله على روحك الطاهرة ياوالدي الغالي وياأبي الطيّب في ذكرى وفاتك الرابعة عشرة…..ورحم الله أرواح أمواتكم الطاهرة…. أصدقائي المحترمين.

منتجب علي سلامي

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى