“الأسرى الفلسطينيون بين براثن المحتل وعدوى الـ كورونا”

في ظل انتشار جائحة كورونا يعيش الأسير الفلسطيني ظروفاً مأساوية تكاد تكون الأسوأ عبر تاريخ الاحتلال

الأسرى الفلسطينيون بين براثن المحتل وعدوى الـ كورونا
الباحثة جومانة محمود الصالح

شهد الصراع العربي _الصهيوني منذ احتلال فلسطين عام 1948 وحتى عامنا هذا العديد من الثورات المسلحة، والانتفاضات الشعبية التي تُوجّت بعمليات استشهادية مشرّفة دفاعاً عن الوطن المقدس ضدّ الكيان الصهيوني المغتصب، اعتقلت خلاله قوات الاحتلال الآلاف من أبناء الشعب العربي الفلسطيني دون وجه حق أو مبرر.

طالت الاعتقالات كافة شرائح المجتمع من شبان ونساء وحتى الأطفال، واستخدمت كوسيلة للضغط على المطلوبين كي يسلموا أنفسهم لقوات الاحتلال، أو لإجبارهم على الإدلاء بمعلومات عن الثوار والوطنيين، أو منعهم من التصدي لاعتداءات جيش الاحتلال على جغرافية فلسطين العربية.

فمنذ قيام الكيان المحتل على أنقاض البيوت والقرى الفلسطينية وهو يحيك الخطط السامة لقتل عنفوان الشباب العربي المدافع عن أرضه وعرضه، حيث استبدل المشانق بالمعتقلات باعتبارها أداة موت بطيء للجسد والروح، علاوةً على أنها الخيار الأقل ضرراً وتكلفةً وإرهاقاً.

كانت المعتقلات وما زالت المكان القاسي الظالم الذي يترك أثراً سيئاً في ذاكرة الأسير حتى بعد خروجه من الأسر، ويبقى كالمارد الجاثم على صدره يحذره من أي فعلٍ وطنيّ يزعج المحتل.

لقد صممت قوات الاحتلال الصهيوني سجوناً خاصة للمعتقلين الفلسطينيين تختلف في بنائها وتنظيمها عن السجون التي بُنيت للمواطنين الإسرائيليين المخالفين للقانون أو المجرمين – ناهيك عن السجون التي ورثتها عن الانتداب البريطاني- هدفت هذه السجون إلى تأهيل الأسرى الفلسطينيين وفقاً لغايات الاحتلال وأهدافه الخبيثة من خلال تعذيبه جسدياً ونفسياً، وإفراغه من محتواه الثقافي والوطني والسياسي، و توريثه أمراض خطيرة وعاهات مستديمة باستخدام أساليب قاهرة.

وفي ظل انتشار جائحة كورونا يعيش الأسير الفلسطيني ظروفاً مأساوية تكاد تكون الأسوأ عبر تاريخ الاحتلال، فإضافةً إلى وسائل التعذيب غير الشرعية والمنتهكة لحقوق الإنسان، تقوم سلطات الاحتلال بالتضييق على الأسرى من خلال التحكم بكمية الهواء داخل غرف الأسرى بوضع ألواح الإسبست وألواح التوتياء على النوافذ كي يضيق تنفسهم، وتتفاقم حالات الأسرى الذين يعانون من مرض القلب أو الربو، وتسعى إلى تعريضهم للتيارات الهوائية الباردة والساخنة، إلى جانب رفض إدارة السجون تطبيق الإجراءات الوقائية بتأمين مواد التنظيف والمعقمات، وعدم المحافظة على التباعد الاجتماعي بين الأسرى حيث تبلغ المساحة المتاحة لكل أسير متر مربع فقط؛ مما يُنبأ بخطورة الوضع مستقبلاً في حال انتقلت العدوى لأسرانا الصامدين حيث يقدر عدد الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني خمسة آلاف أسير من بينهم 74 امرأة، و200 طفل.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى رفض قوات الاحتلال تأمين الأدوية اللازمة لأصحاب الأمراض المزمنة كالسكري والسرطان والقلب وغيرها، و منع الأسرى من ارتداء القفازات والكمامات في سابقة سياسية من تاريخ المحتل الذي يخطط لنقل العدوى لهم بطريقة بعيدة عن الشبهات ضارباً بعرض الحائط قرارات منظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية التي تؤكد على اتخاذ الإجراءات الوقائية تجاه وباء كوفيد_19، وقد طبق الكيان الصهيوني المحتل سياسة قمعية جديدة بحق الأسرى من خلال منع زيارة الأهالي لهم للاطمئنان عليهم أو التواصل معهم، بحجة وباء كورونا رغم أن الاتصال الهاتفي لا ينقل المرض إضافةً إلى منع زيارة المحامين والموكلين، وتأجيل معظم جلسات محاكمهم، في حين أن محاكم المواطنين الصهاينة لا يتم تأجيلها.

تعتبر قضية الأسرى من الثوابت الفلسطينية التي لا يمكن السماح بالمساس بها، وهي قضية كل مواطن عربي، لذا أقوم بتسليط الضوء على معاناتهم ضدّ الانتهاكات الصهيونية التي يمارسها الكيان الغاشم بحقهم وهم عُزل، مكبلين الأيدي والأرجل، يعيشون على فتات من الطعام والشراب، ويحرمون من ضوء الشمس وهواء الحرية، ويتعرضون للأذى الجسدي والمعنوي.

فلا بدّ من تدويل قضية الأسرى سيما بعد إصابات بفيروس كورونا بين أوساط المحققين والسجّانين الصهاينة في كل من سجن عوفر، وسجن الرملة الذين هم على احتكاك دائم مع أسرانا البواسل، ويقومون بالبصق في كل أرجاء السجن من أجل نقل العدوى لهم، ويبقى الخطر الأعظم من قيام الكيان الصهيوني باستغلال الأوضاع للتخلص منهم تحت ذريعة فيروس كورونا خاصةً أنه لا يسمح لأحد الاقتراب من الجثث لفحصها والتأكد من سبب الوفاة، ناهيك عن ندرة الأخبار عن الأسرى وعدم شفافية الكيان الصهيوني ورفضه التعامل مع المنظمات الدولية بشأن ملف الأسرى، والتلاعب بالمعلومات واتباعه سياسة المماطلة.

لذا نوجه دعوة إلى المنظمات الحكومية وغير الحكومة و إلى لجنة الصليب الأحمر الدولي بالتدخل السريع وحماية المعتقلين، وتقديم الخدمات الإنسانية والرعاية الصحية لهم كأبسط حق من حقوقهم كمعتقلي حرب، وضرورة تواجد عيادة صحية في كل معتقل، أو الضغط على الاحتلال للإفراج عنهم في ظل الإهمال الطبي المتعمد، وإيصال حجم الظلم الذي يعانونه في سجون الاحتلال إلى المحافل الدولية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى