الأمم المتحدة بين العجز وتجاوز الصلاحيات…

الأمم المتحدة رهينة لإرادات الدول الخمسة الكبار

 تحتفل الأمم المتحدة بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لإنشائها (والذي سيتم بشكل افتراضي وعن بعد)، يروم “حشد دعم متجدد لتعددية الأطراف”، وهي قضية تزداد إلحاحا في وقت يواجه فيه العالم وباء كورونا. وفي هذا السياق قال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، “إنها ليست الذكرى السنوية الـ75 للأمم المتحدة فحسب، بل إنها أيضا لحظة للتفكير في كيفية المضي قدما في الدفاع عن تعددية الأطراف في وقت تحدق بها مخاطر كبيرة، وكيف يتعين علينا أن نتحد لمحاربة الوباء وإعادة البناء والتعافي بشكل أفضل“. وتابع أنه “من الواضح أن هذه الجمعية العامة لن تكون مثل سابقاتها. أعتقد أنه ستتاح لنا الفرصة للاستماع إلى (خطابات) قادة العالم بشأن وضع العالم خلال هذه الفترة المأساوية التي نعيشها“.

 اليوم وبعد سنوات من مراقبة أداء منظمة الأمم المتحدة، وقياس نتائج أعمالها على الأرض، أصبحت اليوم في عداد الأوهام الجميلة، لا يعلق أحد عليها أملاً حقيقياً سواء في فضّ النزاعات أو في معاقبة الجناة أو في نصرة المظلومين. وما تكابده الأمم المتحدة لا يحتاج إلى الغوص بعيدا، بل فقط إطلالة على ما يجري ضمن سؤال ما هي القضايا الساخنة الحالية التي أمسكت بها ووجدت لها خريطة طريق واضحة للحل. بشيء من اللغة الإحصائية إليكم الهوامش الآتية: إفلاس الطبيعة، استمرار التدهور البيئي وتوابعه المناخية، المجاعات، الخصومات التجارية، الترامي بالعقوبات على حساب حقوق الشعوب، تذبذب فرص التنمية المستدامة، النقص في احترام الالتزامات الناشئة عن الصكوك والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، المشكلة العنصرية بشبكتها المزمنة، قضايا النازحين والمهاجرين واللاجئين حول العالم الذين يقدر عددهم الآن بستين مليون، الفساد المستشري في أغلب أنشطتها الإغاثية، التدخل السافر بشؤون دول ومس سيادتها، حضورها الواهن من خلال مبعوثين لها لإطفاء خصومات وحروب دموية شائكة. وبتقريب التشخيص أكثر، لنا أن نسأل عن عدد مبعوثيها إلى سوريا، وعددهم إلى اليمن، وإلى ليبيا، و… مع ملاحظة أن حصة المنطقة العربية من هؤلاء المبعوثين هي الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى رأس القائمة يأسها من وضع حد للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بالرغم من 300 قرار دولي لصالح حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

يقولون: “ما أشبه اليوم بالبارحة” فالدور الذي تقوم به منظمة الأمم المتحدة اليوم غير ملموس، بل هو دور سلبي يساند المعتدي على المعتدى عليه، والقوي على الضعيف، وفي الحقيقة فإن العقود الثمانية التي مرت من عمر منظمة الأمم المتحدة لم تشهد أداء يرقى لمستوى أحلام أو آمال الـ51 عضواً الذين أسسوها، أو أحلام وآمال من انضموا إليها فيما بعد حتى وصلت عضوية الأمم المتحدة إلى 193 دولة. والشاهد أن الأمم المتحدة لم تستطع لا بجمعيتها العمومية ولا بمجلس الأمن الدولي أن تحفظ أو تحقق السلم في جنبات هذا العالم الذي تعصف به بين الفينة والأخرى أزمات متلاحقة، سرعان ما تتحول إلى صراعات مسلحة تخلف الدمار والقتل وملايين اللاجئين والنازحين.

والحقيقة التي يجب أن لا نشيح الوجه عنها هي أن الأمم المتحدة تكاد تكون رهينة لإرادات الخمسة الكبار الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، فهؤلاء الخمسة الكبار وهم الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والصين الشعبية والمملكة المتحدة وفرنسا، يستحوذون رسمياً على صلاحية إجهاض إرادة 188 دولة، هم بقية أعضاء الأمم المتحدة، من خلال تمتعهم بحق الفيتو، ومما يزيد الأمر تعقيدا وبؤساً هو أن أولويات وأجندات الدول الخمس الكبار متباينة ومتصارعة في معظم ملفات وقضايا كوكب الأرض. ولا نبالغ إن قلنا أن ذلك التباين يتحول إلى صراع شرس تدور رحاه داخل مقار الأمم المتحدة في صورة استقطابات وابتزاز لأصوات الدول الصغيرة، ويتحول الصراع إلى مواجهة مباشرة فجة يُشهر فيها كل منهم سيف حق الفيتو البتار الذي يعصف في طريقه بكل قيم الشرعية والإنسانية والقانون الدولي وحقوق الإنسان. والصراع بين الخمسة الكبار لا يهدد فقط منظمة الأمم المتحدة، لكنه حوّل مبنى الأمم المتحدة إلى أكبر أكذوبة عرفتها البشرية، فذلك المبنى الشاهق في نيويورك والذي تنفق فيه مليارات الدولارات يتحول في لحظة إشهار سيف الفيتو البتار إلى كيان كرتوني بائس مفرغ من المحتوى.

وكم من أزمة دولية استعمل فيها حق الفيتو بالباطل لا لشيء إلا لأن العضو الدائم الذي استعمل حق الفيتو تربطه بالدولة المعتدية الآثمة علاقات خاصة، فقد استعمل المندوب الأمريكي الدائم في مجلس الأمن الدولي حق الفيتو 43 مرة من أجل حماية إسرائيل، أو لمنع إجبارها على رد الحقوق المسلوبة لشعب فلسطين، وإذا انتقلنا إلى سوريا فكم من مرة حاولت الأمم المتحدة تفعيل آليات المنظمة لرد العدوان والاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان وباءت كل تلك المحاولات بالفشل الذريع. وهكذا حتى جاءت إدارة ترامب لتضرب بكل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن عرض الحائط، والمدهش بمرارة أن الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن الذي يعطي ويجيز استعمال القوة لردع المعتدي لم يستخدم إلا ضد العرب، وما استمرار النزيف الإنساني والاقتصادي والمؤسساتي والمجتمعي في دول كالصومال واليمن وسوريا وليبيا والعراق إلا دليل واضح على فشل المنظمة الدولية في القيام بواجباتها في مثل هكذا أزمات أو صراعات تهدد الأمن والاستقرار العالمي.

 وإذا ما عرفنا الولايات المتحدة، أكبر ممولي الأمم المتحدة وتساهم بنسبة تصل إلى اثنين وعشرين بالمائة من ميزانيتها التشغيلية، وتمول ثمانية وعشرين بالمائة من مهام حفظ السلام، التي تكلف حالياً ثمانية مليارات دولار سنوياً، لأدركنا كم هي سطوتها على المنظمة الدولية وأجهزتها وقراراتها.‏ وإذا ما أضفنا لذلك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف الأمم المتحدة بناد يلتقي فيه الناس للاستمتاع بوقتهم… فكل الرؤساء الأميركيين كانوا يضعون الهيمنة على الأمم المتحدة وقرارها في مقدمة أولوياتهم، وكانوا يريدون منها أن تدعم أجنداتهم والتغطية عليها بقرارات شرعية، لأنهم يدعمون الإرهاب وينشرون الفوضى الهدامة ويزعمون جميعاً بأنهم يحاربون الإرهاب ومحاصرته وتأسيس التحالف الأميركي للقضاء عليه، ونراهم يهاجمون بعضهم البعض لأن هذا لم يتخذ الإجراءات المناسبة لمحاربته، وذاك لم يقرأ اللوحة جيداً مع أن العالم بات يدرك جيداً أنهم جميعاً دعشنوا المنطقة، قبل تأسيس تنظيم داعش المتطرف، وأنهم جميعاً وجدوا فيه البقرة الحلوب للاستمرار في لعبة الفوضى الهدّامة، التي ابتدعوها، لكن الجديد في اللوحة برمتها أن ترامب وتصريحاته الأخيرة تدل على أنه يسير على دروبهم.‏

 لكن مالا تعرفه أميركا أن العالم بات يدرك أن واشنطن نشرت الإرهاب والفوضى بشكل ممنهج في كل من سورية والعراق وليبيا واليمن… لتصديرها إلى مختلف دول المنطقة لتحقيق أجنداتها وأطماعها والحفاظ على الأمن الإسرائيلي، وأنها المسؤولة عن وجود تنظيم داعش المتطرف وباقي التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية وأن سياساتها الخاطئة هذه تسببت بمشاكل مفصلية ليس لأميركا وللاتحاد الأوروبي فقط بل للعالم برمته، وخلقت حالة عدم استقرار في طول المعمورة وعرضها، وأنها سيطرت على قرارات الأمم المتحدة واستخدمتها مطية لتحقيق سياساتها العدوانية ضد الشعوب.

 إن تخلي منظمة الأمم المتحدة عن القيام بأدوارها هو أحد أكبر الأسباب التي أدت إلى حالة الفوضى والإرهاب والقتل والدمار ضد شعوب العالم لا سيما شعوب منطقتنا، وإلى اختلال موازين الاستقرار والأمن والسلم الدولي، بل إن هذا التخلي طالت نتائجه الكارثية المنظمة الدولية نفسها فتحولت إلى مجرد ديكور، وصار مسؤولوها عبارة عن موظفين لدى بعض القوى المتحكمة فيها، فأطاحت بسمعتها وهيبتها، وفقدت مكانتها لدى الشعوب المظلومة والمقهورة، بخاصة بعد أن تعرضت للخطف من قبل أعضاء دائمين في مجلس أمنها، ومحاولتهم تحويلها إلى مجرد هيئة تشريعية تابعة لهم لا وظيفة لها سوى شرعنة مشاريعهم ومغامراتهم ونزواتهم وحماقاتهم المخالفة لشريعتها وقانونها، أو تعطيل دورها في أضيق الظروف.

 لذا فإنه إن لم يتم الإسراع بإعادة النظر وإجراء تعديلات حاسمة وعاجلة في ميثاق الأمم المتحدة بشكل عام، وفي مجلس الأمن الدولي بشكل خاص فإن هذه المنظمة لا محالة ستلقى مصير عصبة الأمم. فلإنقاذ الأمم المتحدة من صراعات الكبار وهيمنتهم نقترح توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي ليكون تمثيلاً قارياً وليس تمثيلا استعماريا مبنيا على القوة كما كان الحال في عصبة الأمم… فالتمثيل القاري يجب أن يتناسب مع عدد الدول وعدد السكان، فلا يمكن أن نتصور أن أفريقيا التي يوجد بها 54 دولة ويبلغ تعداد سكانها مليار و440 مليون نسمة، غير ممثلة في مجلس الأمن الدولي الذي هو بمثابة مجلس إدارة العالم، ولا يقبل أن تكون قارة آسيا الكبيرة المتنوعة تمثلها دولة واحدة ذات نسق أو نظام سياسي خاص بها، ثانياً يجب أن يُعاد النظر في حق الفيتو… من الذي يتمتع به… وكيف يتم استخدامه… لأن حق الفيتو بآليات استخدامه الحالية يجهض مفهوم ومقاصد منظمة الأمم المتحدة، ثالثاً يمكن أن يعاد النظر في صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة بحيث تتحول من مجرد “هايد بارك العالم” بشكلها الحالي إلى أداة تمتلك صلاحيات أقلها ممارسة حق الفيتو على أي دولة في مجلس الأمن تستخدم الفيتو في غير محله… وأخيرا الفصل السابع وكيفية استخدامه ووضع معايير عادلة لاستخدامه…

 خلاصة الكلام: إن محاولات تحويل الأمم المتحدة إلى غرفة اتهام للدول التي لا تسير في الركب الأميركي والغربي سيفقدها أي دور مستقبلي يتعلق بمهامها ويجعلها بحكم المستقيلة وبإرادة مؤسسيها على وجه التحديد.‏ وإن فقدان الثقة بالمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، وتراجع أو نهاية دورها وهو ما يتمناه البعض في دائرة الكبار سيدخل العالم والمجتمع الدولي إلى حالة من الفوضى الدولية ما يجعله يعيش حالة من الخوف واللا استقرار حيث تفرض القوة منطقها بشكل فج وعلني، أي حلول شريعة الغاب بدل الشرعية الدولية. وهذا يفسح المجال واسعاً لعودة حمى الاستعمار التي تستبطن وعي الكثيرين في مطابخ القوى الاستعمارية التي ما زالت تملك ذات الشهية للتوسع والسيطرة والنهب وهنا يصبح القطار العالمي متجهاً نحو الماضي مستدعياً ثأراً لا حضارة ورقياً وثمن ذلك شلالات من الدماء.‏

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى