“الأمّ الطيّبة”

الأمّ الطيّبة
استيقظت الأمّ الطيّبة التي لم تغفُ عيناها الغائصتان في هالتين من السواد إلّا لدقائق بعد أرقٍ طويل، قلقةً مرعوبةً، فعقربُ ساعة الحائط في غرفتها الساهرة يشير منبّهاً إيّاها إلى السابعة صباحاً، أسرعت لتضعَ إبريقَ الشاي الصغير على النار ولتنجز لفافة الزعتر الذي تفوح رائحته الأليفة في طبقةٍ من الرغيف، ثمّ تملأ علبة الماء المزخرفة لابنها الغالي المدلّل، ثمّ ترتّب الكتب الملوّنة والدفاتر المعطّرة والأقلام المبعثرة في الحقيبة المزيّنة برسوم الطفولة السعيدة، وهي تنظر من نافذة المطبخ إلى الخارج لتطمئن على حالة الطقس، قبل أن تفتح الباب على ولدها التلميذ الصغير الذي يغطّ في نومه الطفوليّ العميق كما العادة، وتبسمل وهي ترفع الغطاء عن جسده البريء وترجوه أن ينهض وهو يتكاسل غنجاً لتعدّه كي ينطلق نظيفاً ونشيطاً إلى المدرسة في السابعة والنصف.

فجرت إلى غرفته إلى سريره المرتّب هذه المرّة بغطائه الحزين ووسادته الباكية وألعابه المنتظرة التي تغطّي نصف السرير.

واستيقظت ملتاعةً أكثر عندما اصطدمت نظرات عينيها المقهورتين بصورته المجمّدة على الحائط، وهو يبتسم ببراءته ونعومته في وجهها المرهق دون أن يغمض مقلتيه البريئتين الضاحكتين، وقد عُلّق الشريط الأسود الحزين على إحدى زوايا إطارها الشاحب.

منتجب علي سلامي

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى