الإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة .

يواجه العراق آفتين خطيرتين إحداهما أخطر من الأخرى وهما الإرهاب والفساد اللسياسي والمالي والإداري. فالإرهابي يترصد الأبرياء ليقتلهم دون ذنب لإيقاف عجلة الحياة . والمفسد يطلق رغباته المحمومة ليمتص دماء الناس ويسلب حق المحرومين في الحياة باعتدائه على أموالهم والتهامها دون وجه حق بعد أن أقسم بكتاب الله أن يحافظ على الأمانة ويخدم الشعب من خلال وظيفته في الدولة .

ومنذ عقود طويلة والعراق يشهد ظاهرة الفساد التي معظم أبطالها من الحيتان الكبار الذين لهم نفوذ واسع في الدولة العراقية حيث كان رأس النظام الدكتاتوري صدام وعائلته وعشيرته واولاده وحاشيته يتصرفون بأموال الدولة وفق شهواتهم الشخصية وكأنها هبة من الله أنزلها إليهم ليتصرفوا بها دون أي رقيب أو حسيب.

ولكن لم تظهر معظم حالات الفساد الكبرى تلك للعلن بسبب دكتاتورية النظام وشدة قمعه. وحين سقط النظام وتوالت حكومات المحاصصة على دفة الحكم إستشرى هذا الفساد وتوسع خطره وشمل معظم الطبقة السياسية من وزراء ومدراء عامين وما دون ذلك وتحولت الوزارات إلى إقطاعيات يسرح ويمرح بها أقرباء الوزير وأعضاء حزبه. وانتقل إلى أعضاء في مجلس النواب من الذين أخذوا يستغلون عضويتهم فيه لأهداف شخصية لإثراء جيوبهم أولا، وإيصال عدد من أقربائهم بطرق غير شرعية إلى مناصب لايستحقونها في الدولة العراقية على أصحاب الكفاءا ت المخلصين الذين حوربوا حربا لاهوادة فيها من قبل الطفيليين والأميين الذين تمترسوا خلف أحزابهم المتنفذة وأصبحت لهم الصدارة في هياكل الدولة المختلفة المتصارعة على مراكز السيطرة والنفوذ لتكوين ثروات كبيرة من خلال الحصول على رواتب هائلة وامتيازات لايتمتع بها أي وزير أو برلماني في العالم، ومرت الموازنات الإنفجارية في ظل حكومات المحاصصة المتعاقبة وذهبت دون أن تترك أثرا يذكر في حياة الشعب خاصة الشرائح الكادحة وطبقة الموظفين الصغار والمتقاعدين الذين لايستطيعون توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لهم ولعوائلهم. ويقدر الخبراء إن 30% من عدد سكان العراق يعيشون تحت خط الفقرويسكنون بيوت الطين والصفيح ويشربون المياه الملوثة. وملايين النازحين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء تحت خيام ممزقة تتقاذفها الرياح وعيونهم ترنو إلى مساعدات بسيطة تقدمها لهم دول أجنبية لكي يبقوا على قيد الحياة .وفي ظل إختفاء 800 مليار دولار إبتلعها حيتان الفساد العراقية الذين مازال نهمهم يتطلع إلى المزيد من المال الحرام لأبتلاعه.

ولم يقم مجلس النواب وأعضاء نزاهته وهيئة النزاهة ومديرية الرقابة المالية ومجلس القضاء الأعلى وغيرها من المسميات الكثيرة بأية خطوة جدية حاسمة لكشف عمليات الفساد أمام الشعب العراقي المنكوب بالآفتين وجلب مفسد واحد من تلك الحيتان التي مازالت تتمتع بثروات العراق في الخارج رغم الجعجعة التي أطلقتها هذه الجهات على مدى الأعوام السابقة بأنها ستعمل كذا وكذا وتحولت إلى هواء في شبك .

وقد أصبح اختفاء الأموال الطائلة أمر يزكم الأنوف ويؤذي سمعة الدولة العراقية ومن الطبيعي أن يجد الإعلام المعادي الذي يبحث في كومة القش للبحث عن أبرة يوخز بها جسم العراق فرصته الذهبية للحديث عن هذه القضية ليس حرصا على أموال الشعب العراقي ولكن لتوظيفها طائفيا وهي ليست كذلك كما فعلت وتفعل محطة الجزيرة القطرية وصويحباتها لتوجيه المزيد من الطعنات لجسد العراق .

وآخر حلقة من حلقات الفساد الطويلة والمستمرة التي أكلت جسد الدولة العراقية وأضعفت ثقة المواطن بحكومته إلى درجة كبيرة هي القنبلة التي فجرها وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في جلسة مجلس النواب العراقي في الثاني من آب التي حضرها 182 نائبا والتي كانت مخصصة لاستجوابه على خلفية وجود اتهامات بالفساد تتعلق بملفات تسليح للجيش، ومشاريع الوزارة، لكن ما حدث هو أن الوزير واجه تلك التهم بتهم معاكسة وجهها إلى شخص رئيس مجلس النواب وعدد من الأعضاء وكشف عن تفاصيل خطيرة من عمليات الابتزاز السياسي التي مارسها سليم الجبوري لتمرير عقود تسليح، وشراء سيارات لإحالتها إلى مقربين منه، لغرض الحصول على عمولات على حساب الدم العراقي قيمتها ملياري دولار.

وقال بالحرف الواحد ( توجد عدة اسماء في مجلس النواب متورطة بالفساد على رأسها رئيس المجلس سليم الجبوري الذي يعد متورطا بملفات عقود التسليح من ضمنها عقود المدرعات التابعة لوزارة الدفاع . )

لكن رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، سارع إلى نفي ما ورد على لسان العبيدي قائلا: ( إنه سيلجأ للقضاء، وهيئة النزاهة للتحقيق في تلك المزاعم، وقال في مؤتمر صحفي عقده بمبنى البرلمان (إن الاتهامات التي تحدث عنها وزير الدفاع والتي طالت رئاسة المجلس وعدداً من النواب ليس لها واقع من الصحة)

ولا أريد أن أجعل من نفسي قاضيا ولكن من حقي أن أتساءل كمواطن عراقي لماذا اختار رئيس البرلمان هذا التوقيت وأصر عليه لاستجواب وزير الدفاع في الوقت الذي يخوض فيه الجيش العراقي معركته المقدسة ضد داعش.؟

لكنه وقف حجر عثرة في طريق إستجواب سابق لصالح المطلك الذي كان يرأس لجنة النازحين حول مبلغ المليار دولار الذي حامت حوله العديد من شبهات الفساد وكانت حصة كل عائلة نازحة منه مليون دينار ولم يصل هذا المبلغ البسيط إلى نصف تلك العوائل المنكوبة.

وتم لفلفة الموضوع وإغلاقه؟ أليس هذا الأمر يوحي بإن وراءه غاية في نفس يعقوب؟ ويرى الكثير من المراقبين إن سليم الجبوري ومن يقف معه من أعضاء مجلس النواب قد فجروا هذه الأزمة لتغطية فسادهم أولا والتأثير على معنويات الجيش العراقي الذي يستعد لمعركة فاصلة قادمة ضد الدواعش في الموصل ثانيا.

وليس من المبالغة إن الفساد كان ممرا لدخول الإرهاب ومساعدا لانتشاره. وحكومات المحاصصة وضعف الرقابة وانعدام المعالجات الجدية هي التي ساعدت على تدمير العراق وأجهزت على كل أمل في إنقاذه من المحن التي تعصف به وأشدها قسوة إجتياح داعش لثلث مساحة العراق.

احتل هذا البلد العريق الرقم 161 من 168دولة هي الأكثر فسادا في العالم على مؤشر منظمة الشفافية الدولية للفساد، ويمكنني كمواطن متابع لسيرة هذا البرلمان العتيد الذي واجبه الرئيسي مراقبة عمل السلطة التنفيذية ، ومكافحة عمليات الفساد ، وتشريع القوانين المهمة المعطلة التي تراكم عليها الغبار وهي قابعة في أدراجه منذ سنوات.

والحرص على حقوق الشعب دون أية مساومة أو تهاون لتعزيز ثقة الشعب به. لكنه لم يقم بهذه الواجبات الملقاة على عاتقه ، وغرق العديد من أعضائه في عمليات فساد وصفقات والسعي لشراء الذمم من أجل الإثراء على حساب الفقراء . ويمكنني أن أقول وبدون تردد إن هذا البرلمان الضخم المكون من 328 عضوا أصبح عبئا ثقيلا على كاهل الشعب وأخذ يستنزف موارد الدولة دون أن ينتج شيئا له أهمية إيجابية في حياته. بوجود 100 عضو فيه يتغيبون باستمرار ولم يحضروا حتى في جلساته الطارئة دون أن يتخذ بحقهم أي إجراء.ومعظمهم وصلوا إلى قبته بطرق ملتوية غير شرعية .وقد صرح أياد علاوي في إحدى المحطات الفضائية إن 30 نائبا فقط حصلوا على الأصوات اللازمة للعضوية فيه والبقية إختارهم رؤساء كتلهم ليكونوا عبيدا لهم حين الطلب.

وقد تحول رئيسه إلى إبن بطوطة جديد بامتياز وأصبح همه الوحيد وشغله الشاغل القيام بزيارات مكوكية إلى دول الجوار وغير الجوار، والظهور على شاشات الفضائيات. وإلقاء الخطب في المناسبات، والدخول في مساومات للتشبث بمنصبه ، وذرف دموع التماسيح على وضع الشعب المزري.

وقد وصلت سمعته بين العراقيين إلى حضيض الحضيض ، ولابد لرئيس الوزراء أن يكون جريئا وحاسما دون أي تردد في الطلب من رئيس الجمهورية بحل هذا البرلمان الفاشل الذي يتحكم به عدد محدود من رؤساء الكتل الذين تحولوا إلى أباطرة في عراق المآسي والفجائع والجراح .

ولابد للرجال الحريصين على سمعة هذا البلد أن يعملوا على وقف هذا النزيف المستمر في جسم العراق بوضع الخطط والدراسات الجدية الفعالة للحد من تغوله وآىستشرائه وأن يضع القضاء نصب عينيه شعار من أين لك هذا. وتطالب كل نائب في مجلس النواب ومسؤول في الدولة وكل حزب بما يملك من عقارات وأموال بالكشف عن ذممهم المالية وكيف حصلوا على هذه العقارات؟ وهو الطريق الوحيد للخروج من هذه الدوامة القاتلة التي تعصف بالعراق اليوم لإنقاذ البقية الباقية من سمعته الدولية.

أما لغة التلاعب بالألفاظ والخطابات التي لاتغني ولا تسمن من جوع فلم تعد ذات جدوى بعد أن بلغ السيل الزبى ونفذ صبر الشعب الذي لم تعد تخدعه الكلمات المعسولة وبات ينتظر نتائج التحقيقات على أحر من الجمر في هذه القضية التي أصبحت اليوم قضية رأي عام لكي يتأكد إن القضاء هو الحكم الفصل لاسترجاع الأموال المنهوبة. وأن يطمئن البريئ في ظله،ويدب الرعب في أوصال المفسدين من عدالته. ولكي تكون هذه القضية الفضيحة فاتحة لفتح ملفات كل قضايا الفساد الكبرى أمام الشعب ليشعر المواطن إنه يعيش في ظل حكومة تجعل القانون فوق الجميع مهما كان نفوذهم . مع علمي وعلم الكثيرين إن هناك معالجات كثيرة لمكافحة الفساد على المدى الطويل لامجال لذكرها في هذا المقال القصير.

وواجب رئيس الوزراء أن يطلب من رئيس الجمهورية حل مجلس النواب الذي أثبت فشله وتغلغل الفساد بين الأكثرية من أعضائه. وهو يعلم تماما إن سمعة العراق الدولية تمرغت في الوحل ولا يمكن أن يبقى الحبل على الغارب وتمر الأعوام وأموال العراق تنهب وأعضاء مجلس النواب يتناوبون على منصات الخطابة التي تحولت إلى مهزلة مابعدها مهزله. فالشعب العراقي لم يعد يتحمل بعد اليوم هذا التداعي المريع في جسد دولته من خلال هذا الفساد الذي أصبح حديث العالم برمته وإن غدا لناظره قريب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى