الإفلاس السياسي.. وتجريف الحياة الحزبية

نتأكد بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ قيادة العربة في عواصمنا العربية وتحديد وجهتها بات أكثر رعونة وتوازياً مع المصالح الجمعية للشعوب، ففي السابق كانت أنظمة الحكم حين تلتقي تحت سقف نظامها الإقليمي، لم تكن لتجرؤ على التفكير خارج غرف النوم في إعلان موقف مع تل أبيب، وكانت قضيتنا الفلسطينية تدور حضوراً وحضوراً مغايراً تحت عنوان واحد “الصراع العربي الإسرائيلي”، وقتها كان كل شيء واضحاً جلياً مفرزاً وفارزاً.

و البوصلة هي القدس، ناهينا عن العزة والكرامة والسيادة، والأرض والعرض والاستعدادات والثأر، الوحدة والعروبة والمشروع القومي، حقائق التاريخ وسرمدية الجغرافيا، القائد والزعيم ومحددات الصراع، الحدود والوجود. كل هذا كان واضحاً فارزاً وحاكماً وفارضاً.

مناهج بذاتها عربية المنشأ والتناول والاستهداف، في هارموني التعليم والإعلام والثقافة، ومنتجات كانت عربية وظيفتها صيانة الخصوصية والتفرد، ووضع إمكانيات إدارة الصراع، وحتى كانت كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، تغيرت قيم وطنية وسياسة، وتحولت الحرب بمعاركها الدبلوماسية والعسكرية إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وجرت في أنهار الحالة العربية مياه كثيرة آسنة بلا شك، تبدلت على إثرها مفردات وعناوين. وبعد مرور اكثر من 42 سنة على اتفاق السادات بيجين، وبعد ممارسات بينية بين جمهوريتي السادات مبارك وبين الصقور والحمائم في الكيان الغاصب، وحتى اليوم بين نظامي الحكم في القاهرة وتل أبيب، هل خرج سياق العمل الرسمي من توازي المصالح لدى الشعب المصري ومساعي الحكم في ذلك الملف؟، وهل استطاعت ممارسات نرفضها منذ زيارة السادات إلى القدس للآن، أن تخلق حالة عشق بين شعب مصر وإسرائيل، أو حتى حالة ما قبل الإعجاب، وهل رغم مرور الوقت وسنوات صهينة وأمركة التعليم والإعلام والثقافة والغذاء والكساء، والصناعة والتجارة والهوى، هل تخلص أو تقلص أو تناقص كره شعب مصر لإسرائيل.؟؟، الإجابة في الحالتين : لا.

وحينما التفتت أجهزة صناعة المستقبل لنا ولمنطقتنا بالوكالة إلى ناتج الكامب وما تلاها من كامب وكوبنهاجن ومدريد وما تم تنفيذه في العراق، كانت البوصلة الصهيونية تتجه نحو دمشق والقاهرة وعدن، وتجهزت جيوش الإرهاب، وقررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تحكم السيطرة على العالم، وأن تنفرد بالقرن الـ 21، وأن تؤكد مقولة الرئيس ترومان “القرن الأمريكي”.

فلم تجد الإدارة الأمريكية لتحقيق ذلك سوى منطقتنا العربية، وهي محقة في ذلك. فمن يرغب السيطرة على العالم فعليه بالمنطقة العربية، ولدى صانع القرار في البيت الأبيض كوابيس الفشل في كل مناطق العالم التي تدخلت فيها، وحرب فيتنام والدروس المستفادة المزعجة، فكونت واشنطن الشركة العالمية للاستثمار في الإرهاب.

هذه المرة قررت واشنطن وبعد حربها في العراق والنتائج التي حصلتها رغم تجريبها لكل أسلحة الدمار، على المستويات والأصعدة من إحكام السيطرة على عراق ما بعد صدام حسين، مرورا بالاستقرار بصياغته الأمريكية ووصولاً إلى المكاسب في خندق المصلحة الأمريكية وفقاً لأهداف الحرب من البداية.

ويخطئ من اعتقد في سياقات الزمن المنصرم، وترقى به خطيئته إلى مستوى الكفر بالثبات من المعتقدات الفكرية وخلاصات التجريب، أن أعداءنا يمكن استبدالهم أو تبديلهم، طهران بديلا عن تل أبيب، والعلاقات الاستراتيجية العمالة مع واشنطن بديلا عن توازن مصالحنا مع موسكو وبكين، لمجرد الاعتداد بناتج تجريف الوعي العربي وحالة الانسداد السياس، التي تم طبخها في معامل المخابرات المركزية الأمريكية وتسلمتها شرذمة الحكام العرب في طيات لفافات مشروعات الاستسلام من زيارة الاستاذ أنور السادات مرورا بميتشل وأخواتها وكوبنهاجن وما تلاها، بل وأيضاً في طيات سطور أوامر صندوق النقد والبنك الدولي.

روشتة التعافي من أمراض وعلل المد العروبي القومي، ثمة حزمة من الكوارث ألمت بنا وبشعوبنا وحقها في كل ما سطره حبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الحق في التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، الحق في تجربة حزبية تخلق ماراثون للانتخابات العامة، تتسابق فيها افكار وبرامج سياسية ترقى لمستوى استيعاب حقيقي لأزمات مجتمع وتبتكر حلولا وطنية يتعاطى معها الناخب أخذاً ورداً حذفاً وإضافة، تمهد الطريق لطريقة تعافي المجتمع والجماعة الوطنية، وتفرز بدقة انحيازيات للأصوب والأصلح لمد الخط السياسي في طريق الإصلاحات على استقامته، لنصل بالحتم وتسليماً إلى تداول سلطة آمن ومنتج لثوابت يعتنقها المجتمع لا تحمل بين خفاياها ضمن ما تحمله من أدران السياسة أية مفجرات أو تضع على الطريق أكمنة تتربص لقطع السبيل والوسيلة على التداول السلمي للسلطة.

يقيني أنَّ مصالح أمتنا العربية لن تتحصن بغياب الإصلاحات السياسية التي تفتح الطريق لديموقراطية تشبهنا نحن العرب، تحترم تنوعنا واختلاف عقائدنا الدينية، وتستند إلى موروثنا الثقافي والحضاري.

ويقيني أنَّ الرعب من إعمال الديمقراطية لا محل له سوى في صدور وأعشاش أدمغة القادة، وتسليماً نهائياً قاطعاً، فإن شعوبنا ليست فاقدة الأهلية، وأنَّ من يدعيها علينا من جوقة حكامنا هم محض دمى جاءوا بأوامر خارجية وترتهن عروشهم وكراسيهم بالرضا الأجنبي، ولا وزن للشعوب عندهم، والشعوب أكثر وعياً وتجاوزت حركة الجماهير في كل العصور العربية خيالات حكامهم.

ولأن أمتنا تقوى وتضعف بممارسات القاهرة، مهما تعاظمت خصومة الحكام وتآمرت أنظمة عربية، إن عادت القاهرة عادت الأمة عربية، إن شغلت مكانها ومكانتها ولعبت دورها الذي يليق ولا يليق لغيرها تجسدت العروبة وتلاحمت، إن ذهبت مصر إلى ريادتها ترممت شروخ القومية واشتد عودها وأنشأت الشعوب فيما بينها جسوراً وعيويَّة ثقافية واقتصادية سياسية وعسكرية.

لكنني أرى أنَّ مصر عليها استحقاقات ينبغي أنَّ تذهب إليها وفورًا دون تباطؤ لتعلن عودتها الرائدة، فيسمع صوتها شعبنا العربي من المحيط الى الخليج ويصدق أنها عادت لتقود، وكان النظام في مصر أمام فرصة عظيمة، و مازالت أمامه الفرص. للإجابة على حزمة من التساؤلات المشروعة.

سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي كيف يرى آليات نقل السلطة في مصر في المستقبل؟. لماذا يسكت الرئيس حيث يجب الكلام ونحن نطالبه، كنا وما زلنا بعقد مؤتمرًا للإصلاح السياسي وآخر للإصلاح الاقتصادي، ولماهيتهما تتباين المفاهيم التي تفرض المعطيات والآليات والنتائج المستهدفة.

لماذا يتم تسليم مصر إرثاً حراماً وغير شرعياً إلى رجالات المال؟، لماذا تذهب الدولة إلى كل ما يؤذي التجربة الحزبية ويزيدها ضعفا ويدفعها للانتحار، بدلاً من السعي والإسهام في تعافيها لتصون مجتمعا سيطرت فيه القلة القليلة جداً على الثروة وتسعى لتتمكن من السلطة؟.

بعد أنَّ تنتهي الولاية الدستورية للرئيس أو حتى الولايات الدستورية أو المدسترة، كيف سيأتي الحاكم لمصر؟، وكيف يستقيم لمصر أن تتبوأ مكانتها بقوة وهي تعتمد طرائق الوصول إلى السلطة التشريعية يأتي رجالاتها عبر توقيعات على بياض مدفوعة الأجر في ظل عدم سيطرة الدولة على قواعد اللعبة خاصة حجم الإنفاق؟.

كيف تأمن مصر أنَّ يصدر تشريعاتها أشخاص مفلسون سياسياً على أفضل التعبيرات، فلم يطرح مرشح واحد على ناخبيه برنامجاً او فكرة او جملةً تُفصح عن بيانات بطاقته الفكرية، وعلى مرأى ومسمع من الدولة؟.

ماذا لو اعتمدت الدولة طريقة الترشح للسلطة تشريعية كانت أو غيرها للأحزاب فقط؟، إنّ قبلت الدولة أنّ يتجمع الشباب في كل شوارع مصر لممارسة الألعاب الرياضية، في حين أنشأت لهم وفرة من الملاعب ووضعت لكل لعبة قوانين مارستها، فلتقبل الدولة ولتستمر في قبول ممارسة السياسة خارج الأحزاب السياسي.

وبالتالي خارج قوانين الممارسة، ولنبارك الفوضى التي ساقت رؤوس الأموال وفق قواعد ممارسة من الانتخابات العامة من خارج الأحزاب السياسية، بلا ضوابط بلا افكار بلا برامج، بلا أيّ ضمانة للصلاحية بعد الاستيلاء على المقاعد.

سيادة الرئيس. كان لي الشرف في المشاركة في كل فعاليات اللجنة الفنية للحوار حول طريقة الانتخابات العامة، والتي تشكلت من عشرة أحزاب ممثلا عن حزب التجمع. وكان لنا رأي مغاير.

نهيب بكم وحتى لا نعلن جميعاً رضينا أم أبينا على شعوبنا العربية كلها إفلاسنا السياسي، والذي سيكون نتيجة حتمية لتجريف الحياة الحزبية واستبدال الحزب بالفردية والفرد، واستبدال المشروع السياسي بحقائب النقود الحرام من حيث محل الإنفاق، وإحلال كرتونة الزيت والسكر محل البرنامج الانتخابي.

هنا لن تتعافى أمتنا العربية وسنظل نخطئ الطريق إلى المستقبل، وسنقف موقف العداء دون مبرر من الحلفاء أو الأصدقاء أو في المجمل ضد مصالحنا الأكثر برجماتية، وعلى العكس يكون موقفنا من الأعداء، وستتعاظم إسهامات الأعداء استثمارًا في الإرهاب على أراضينا العربية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى