“الاشتباك” الحكوميّ يتصدّر.. لماذا يهاجم الحريري “حزب الله”؟!

في المنطق، إن وُجِد بطبيعة الحال، كان ينبغي أن يترجم “الاحتقان الشعبي”، على وقع “جنون الدولار” المفتوح على ما يبدو أمام “المجهول” بخيارٍ من اثنين، فإما “يسرّع” في الولادة الحكوميّة، لأنّ الأزمة لم تعد تسمح بـ”ترف المحاصصة”، وإما يدفع المتخاصمين إلى “الصمت”، من باب “الحياء والخجل” بالحدّ الأدنى.

 

لكنّ ما حصل كان النقيض تمامًا، فبينما كان “الغضب الشعبيّ” يغلي على وقع ارتفاع الدولار غير المسبوق، وما يعنيه ذلك من “تآكل” للرواتب والمداخيل، وفيما انعكس تردّي الواقع الاجتماعي، “معارك” غير مسبوقة في بعض المتاجر، على كيس حليب هنا وزيت مدعوم هناك، وجد بعض السياسيين “الفرصة” مناسبة لاستعادة “مآثرهم“.

 

هكذا، كان على اللبنانيّين أن يتابعوا فصلاً جديدًا من فصول “الاشتباك الحكوميّ” المستمرّ، تجدّد فيه تبادل الاتهامات بين رئيس الحكومة المكلَّف سعد الحريري من جهة، ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل من جهة ثانية، مع إدخال عنصر جديد إلى قلب السجال هو “حزب الله”، دونما أيّ اعتبار لمصائب الناس وأولويّاتهم في هذه المرحلة!

 

عوْدٌ على بدء!

صحيح أنّ الأجواء الحكوميّة بدت “مشجّعة” قبل “حرب البيانات”، إذ برزت أجواء “تفاؤلية” للمرّة الأولى منذ فترة طويلة، قيل إنّ “الاحتقان الشعبي” يقف وراءها، مع إعلان رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط انفتاحه على “توسيع” الحكومة، والحديث عن “مبادرة” يتخلّى بموجبها رئيس الجمهورية ميشال عون عن المطالبة بالثلث المعطل، رغم إصراره المتكرّر على أنّه لم يطلبه يومًا.

 

لكنّ كلّ هذه الأجواء بدت، مرّة أخرى، “وهميّة”، بعدما فضحها بيانا الحريري وباسيل، وما تضمّناه من اتهامات متبادلة، يمكن اختصارها بعبارة “عود على بدء”، بمعنى أنّها أظهرت أنّ الأمور لا تزال “تراوح مكانها”، من دون تسجيل أيّ “خرق” إيجابي يُذكَر أو يمكن البناء عليه، للسماح بولادة الحكومة كما أوحت بعض التسريبات “المفرطة” في التفاؤل.

 

ولعلّ ما تضمّنه البيانان يختصران الصورة العامة، فـ”التيار” يتّهم الحريري بأنّه لا يريد تشكيل حكومة، وأنّه لا يزال ينتظر “مباركة” إقليمية، لا يبدو أنّها ستأتيه في القريب العاجل، فيما يردّ المحسوبون على الأخير بأنّ أيّ “مبادرة” لم تَرِده، بعكس ما يُشاع، وبأنّ “الوطني الحر” مُصِرّ على “العرقلة”، وما حديثه عن “حجب ثقة” عن الحكومة المنتظرة سوى الدليل الساطع.

 

هجوم غير مسبوق

قد لا يكون في “الاشتباك” بين الحريري وباسيل أيّ جديد، فهو بات “مُمِلًا” لكثرة ما تكرّر، منذ تكليف الحريري حتى اليوم، وما بينهما من “صراعات” تارةً على ثلث، وطورًا على حقيبة، وأحيانًا على “أصل التكليف” نفسه، وأخرى على الدفع “للإحراج فالإخراج”، وسط اتهامات تكاد لا تنتهي بالعرقلة والتعطيل والمماطلة وسوى ذلك.

 

لكنّ الجديد “النوعيّ” تمثّل في ما ورد في بيان الحريري من هجومٍ غير مسبوق على “حزب الله”، حيث قال إنّ الأخير “ينتظر قراره من إيران، فيما لا ننتظر رضى أيّ طرف خارجي لتشكيل الحكومة”، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات، علمًا أنّ “المستقبليّين” يؤكدون أنّ الحريري لم يكن “البادئ”، وإنّما جاء كلامه ردًا على قول نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم عن أنّ “المطلوب سعوديًا لا يتحمّله الحريري وهو مواجهة حزب الله“.

 

وفيما التزم “حزب الله” بالصمت، رأى البعض في كلام الحريري تعبيرًا عن “امتعاض” من تسريب “الحزب” لأجواء توحي بأنّ الحريري يبحث عن “ضوء أخضر خارجي”، بما يتلاقى مع “الضغوط العونيّة”، في حين يدرك هو قبل غيره أنّ المشكلة تبقى في مطالب باسيل التي لا تنتهي، وهو ما كان الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله أقرّ به بصورة غير مباشرة في خطابه الأخير، حين دعا إلى الكفّ عن المطالبة بالثلث المعطّل.

 

ثمّة “تفسيران” يعطيهما البعض لهجوم الحريري على “حزب الله”، فهو يعكس ربما “عقدة شيعية” لم تُحَلّ بعد بخلاف الرائج، وقد يكون محاولة “لرفع السقف” تلبية لمطالب “الخارج”، في “فرضية” يحلو لمؤيدي “الحزب” ترويجها، توازيًا مع تأكيد “تفهّم” الأخير لها. لكن، بمُعزَل عن دقّة هذين “التفسيرين”، يبقى “تفسير” الانفصام الحاصل عن الواقع الاجتماعيّ المأسوي للبنانيّين، عصيًا على الفهم وأكثر!

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى