الإنقـلاب والإنقـلابيــة ومقـاربــة الحـق…

د احمد الاسـدي | موقع جنوب لبنان

مـَـن يخـتـار خـنـدق الحـق ويقـف فـي ثنـايـا صفـوفــه , عـليــه أن لا يـأبـه للآ خـريـن وأيـن هــي مـواطيء اقـدامهـم , فـبكـل تـأكيــد امـا إنهـم مـا بيـن صفـوف خنـادق اهـل البـاطـــل , أو متشـبثـيـن كـالعـاده بـإنتهـازيــة مـســك العصى من منتصفهـا ,و مـؤمليـن النفس انجـلاء الغبـره ليهـرولـوا حينهـا الـى خنـادق الطـرف الـرابــح , ومثـل هـؤلاء ضـررهـم اكثـر إيـلامـا مـن أهـل البـاطـل انفسهم علـى المجتمعيـات التي يعـايشـونهـا , كمـا إن الـذي يجعـل قلمـه او لسـانـه او فعلــه بـالضـد مـن البـاطـل وأهلــه , عـليـه ايضـا , أن لا يحـسب حسـاب الـى مـا يقـال ومـا يـُـكـال مـن اتهـامـات واستعـداءات , ويلـزم حـالـه بالترفـع عـن صـغائـر الأمـور وتفاهـاتهـا, لست ضعفـا او تمنعـا مفـروضـا , وإنمـا من بـاب احتقـار المستعـدي اولا , وتـفويـت الفـرصـه على اصحـاب الاغـراض ومـَـن ورائهـم ثـانيــا , وتـوجيـه بـوصلــة معـركـته نحـو العـدو الرئيسي وتـرك ذيولـه وتوابعـه ثـالثـا , حيث تمـوت الافاعـي بقطـع رؤوسهـا وليس ذيـولهـا .

نعــم فـي بعـض الأحـاييـن نجـد انفسنـا مـُـلزميـن بـالـرد علـى البعض , وبـذات الأسـلوب الذي يعتقـدون إنـهم يجيدون لعبة خلط اوراقــه , ولكـن علينـا عـدم الانجـرار بـإنفعـاليـة عـاطفيــة وراء مـا يـراد لنـا ان نـذهـب اليــه , و نتـوخـى السـبـاحـة بالمستنقعـات المعلومـاتيـه الضحلـة التي تلـوث مصداقيتنـا , ونـَـحْــذر اجترارية نقل المعلـومـة الخبريـة الرائجـه بالشـارع وتضخيمها مـن دون التحـقق مـن مـدى مصداقيــة مصدرهـا , حتى لو كان تضخيمها والنفخ في قربتها يصب في مصلحة تخندقاتنا واصطفافاتنـا .

كـثـر الحـديث اخيــرا عـن محـاولات انقـلابيــة وإلقـاء قبض على انقـلابييـن, و عـن قـوات عسكرية انقلابية مهيئــه بعضهـا تحـت الارض وأخـرى فاعلـه فـوقهـا , ومخططـات استخباراتيـه مـرسـومـه باحترافيـه ومهنيــه , وقوى دوليـه واقليميـه داعمـه , وغرف عمليـات مشتركـه ومـا اليــه من التسريبات المزعـومـه , وحـيث مثـل هـكذا احـاديث انقـلابيـة لست بـالجـديـده على الشارع , فلقـد سمعنـا روايـات عديـده عنهـا خـلال الفتـرة التي اســتأزر السيد المـالكـي فيهـا حكـومـة بغـــداد ,ولكنهـا فـي حقيقـة الأمــر لـم تكـن ســوى هـرطقـات وبـالـونـات اعـلاميــة , بعضهـا يُـروج لـه عـن قـصـد ويـدخـل ضمـن حسـابـات التربـح الاعـلامـي فـي الشـارع , والبعـض الآخــر الغـرض منـه خـلق حـالة تـوتـر وعـدم استقـرار أمنـي , خصـوصـا وإن الشخصيـة العـراقيـة تعـانـي مـن فـوبيـا الانقـلابـات والانقـلابييـن وبيـانات رقـم واحـد , التي أوصلتهـا فـي نهـايـات مطـافهـا الـى مـا هـي عليــه مـن حالـة تشرذم وبؤس سياسي واقتصادي ومجتمعـي مـُخـزي .

أقرأ أيضاً:

ظريف والحلبوسي یبحثان موضوع خروج القوات الاجنبية من العراق

نحـن هنـا بطبيعـة الحـال لا نتحـدث عـن الانقـلابيـة بـمفـهومـهـا الفكـري والفلسـفـي , حـيث تمـرد الانسـان علـى واقعــه المتردي والبـائس والمنحـرف , والعـودة بــه الـى اصـولـه المشـرقــه , وتعـديـل مسـارات السـلوك المنحـرف بـه , عبـر آليــة التغيير الشـامـل والانقـلاب على الذات المـريضــه في تركيبة الفـرد اولا , والانطـلاق نحـو التغيير في البيت والمدرسـة والمصنـع والمسـجد والكنيسـه والشــارع المجتمعـي الجمعـي ثـانيـا , وبذلك تكـون الانقـلابيـة هنـا هـدف وغـايـة بحد ذاتهـا , ولسـت وسيلــه نفعيــة للوصـول الى غـايـه , وهذا هـو الفـارق الجـدلي بيـن الانقـلابيـة الفلسفيـه الفكـريـه و بين الانقـلابيـة الماديـة التقليـديـة , حـيث الثـانيـة مـرتبطه دائمـا بالجيـوش و سطـوة مـؤسسـاتهـا العسكـريـة والامنيـة وانقلاباتهـا التغيـريـة على انظمتهـا السياسيـة , وازاحت حكـومـات او رئـاسات من كراسيهـا والمجيء بـأخـرى مـواليــه للقـوى المهيمنـه على المؤسسـه العسكـريـة , او مـن داخـل تلك المؤسسه ذاتهـا .

الانقـلابيـة بمفهومهـا الفلسفي الفكـري والتغييـري الانقـلابـي الشــامـل , مـن الشـواخـص المضيئــة فـي صـيـرورات تــواريـخ الشعـوب الحيــه , التي تـرى فـي تقـدمهـا وتطـور مسـيـرة حيـاة مكوناتهـا غـايــة غيـر مستحيلــة التحـقق , مـادامت تمتـلك كـل عـوامـل ادامـة زخـم هـذا التطـور , مـن ارث حضـاري الى تكـامـل اقتصـادي , الـى عقـل بشـري نـاهـض , والعـراق يقف فـي مقـدمـة شعـوب الارض التي تمـلك كـل هذة العـوامـل النهضـويـة المقـومـة , ولكـنـه لـلأسـف لازال وبسبب سـيـاسات وحمـاقـات شمـول سلطـة الأمس , وانتهـازيـة ونفعيــة وتبعيــة وانبطـاحيـة حـاضـر اليـوم , غيـر قـادر علـى النهـوض , بـالرغـم مـن مقدرات شعبـه الواعـده وغنـى ثـروة ارضــه , نـاهيك عن موقعه الجغـرافي , وإرثــه الحضـاري الضـارب في اعمـاق التاريـخ الانسـانـي , حـيث اصبحـت الانقـلابيـة بمفهـومهـا الفكـري الفلسفـي وليس العسكـري التسلطـي ضـرورة حتميــة يجـب أن يلجيء اليهـا الشـارع العـراقي , فعنـدمـا يسـتعبـد ويستغـبي شخـوص مـثـل عمـار الحكيـم ومقـتدى الصـدر ومسعـود برزانـي ورهطـهم الحـاكـم , طيفـا واسعـا مـن الشـارع , تـاره بـإسـم الارث الحـوزي العـائلي , وتـاره بـإسـم الارث العـائلي العشـائـري , وتـارة بـإسـم مظـلوميـة الأمس السيـاسي , تكـون الانقـلابيـة السيـاسيـة ضـرور حتميـة , وعنـدمـا يعـيش المـواطـن العـراقي البسيط تحـت خط الفقـر بينمـا هـو يعيش فـوق بحيـرات مـن النفط الذي لاينضـب , تكـون الانقـلابيـة الاقتصـاديــة ضـرورة حتميـة , وعنـدمـا يـجـالس الطفـل العـراقي حصـران القصـب في احسن الاحـوال ولا يمتلك مقـاعد خشبيـة للدراسـه ولا مـدارس نظـاميـة بينمـا هـو وريث حضـارة علمت العـالـم , تكـون الانقـلابيـة المجتمعيــة ضـرورة حتميـة , وعنـدمـا يكـون الفسـاد الاداري والرشـوة والمحسـوبيـة والنهـب والسـرقـات والغـش قـاعـده عامـة فـي مـؤسـات الدولـة ودوائـر اتخـاذ قـراراتهـا وفـي ادق حلقـات المجتمـع الخدميـة , تكـون الا نقـلابيـة الاخـلاقيــة ضـرورة حتميـة , وعنـدمـا يصبح التخنـدق المذهـبي والطـائفـي والعـرقي مـن سمـات الشخصيـة العـراقيـة وثقـافـة لـوطنيـتهـا المدعـاة , تكـون الانقـلابيــة الانتمـائيــه ضـرورة حتميـه , وعنـدمـا تكـون السلطـات التشـريعيـة والتنفـيذيــة , مـُـرشحـه ومـســتأزره علـى اسـاس تحـاصصي وتوافقـي , تكـون الانقـلابيـة الديمقـراطيــة ضـرورة حتميـة , لكـن هـل العـراقييـن بحـاجـة اليـوم , فـي ظـل جميـع هذة التداعيـات والاخفـاقـات , وضياع اتجـاة البوصلـة , وانتزاع الهويـة الوطنيـة وتغليب النزعـات الفئـويـة والحزبيـة والانتفـاعيـة الشخصيـة عليهـا , الـى انقـلاب عسكـري وبيـان رقـم واحـد وسطــوه استبداديـة جـديـدة , تحـت يـافطـة تصحيـح مسار او تقـويـم بنـاء سياسي او اجتثـاث نهـج خـاطيء ؟

أقرأ أيضاً:

مطالبات نيابية عراقية بإيضاح مفاوضات الحكومة مع اميركا

الانقـلابـات بصيغتهـا العسـكريـة التقليـديـة اصـبحـت مـن المـاضـي وورقتهـا محـروقــة بـالرغـم مـن أن ثقـافتهـا لا تزال مـوجـوده عنـد الكثيـريـن , خصوصا في عالمنـا العـربـي جمعـا والعـراق تحـديـدا , حـيث معطيـات واقـع اليــوم ,والعـوامـل المنـاخيـة المؤثـرة فـي الشـارع , فـرضـت قـواعـد سيـاسية وفكـريــة جـديــدة للعبــة , تختلف عـن تلك التي كـانت ســائـده بـالامس , سـواء على الصعيـد الداخـلي او الاقليمـي والدولـي , ولكـن هذا لايلغـي احتمـاليـات لجـوء اصحـاب النـوايـا الـى صيـغ انقـلابيـة بـثـوب جـديــد لكنــه يحمـل بيـن طيـاتـه ذات المضمـون والهـدف السلطـوي القديـم , وهذا مـا يجـب الحذر منــه , ولنـا فـي ذلـك امثلــه عـديـده , يقف في مقدمتهـا مـا حصـل في اوكـرانيـا , ومـا حـدث بمصـر ( بغض النظـر عن اذا كنا نتفق مـع سياسات مرسي واخـوان الشيطـان او نقف بالضـد منهـا ) , ومـا حـدث فـي العـراق عندمـا جـيء بحـيدر عبـادي تحت جنح الظـلام وتم تنصيبــه رئيسـا للوزراء بـانقـلاب مـدبر على ارادة النـاخب في الشـارع وما افرزتـه صـنـاديق الاقـتراع , يقـع ضمـن سيـاق الثقـافـة الانقـلابيـة بل والغـدريـة في ذات الـوقت , وإن اتخـذت لنفسهـا شكـل ظـاهري وسياق تسـويقي مختلفان .

26 شــبـاط 2015

al_asadi@aol.com

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق