البعثة النبوية.. منشور إنسانية سماوي خانته الأمة

نعيش هذه الايام ذکرى المبعث النبوي الشريف السابع والعشرون من شهر رجب المرجب ، ذکرى الانسانية وكرامتها ومنشورها السماوي وبيان أهمية العلم الحق والهدى الصادق وفضل تعلمه، وتعليمه وتبليغه والعمل به فضلا عن الإيمان به، ذلك اليوم المبارك الذي علم الله سبحانه وتعالى فيه نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم دين السماحة والأخوة والعدالة والمساواة وهداه المتواصل في كل زمان ومكان، بشموليته لكل شؤون الحياة الكريمة للبشرية جمعاء.

البارئ المتعال بدأ رسالته لخاتم أنبيائه ورسله أن أمره بالقراءة ليقرأ لنا تعاليمه ويعرفنا هداه فقال له : بسم الله الرحمن الرحيم : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ؛ العلق (1-5).

في السورة ذاتها ودون أي تأمل نرى سبحانه وتعالى يحذر من طغيان الانسان على أوامره ويقف دون تحقيق هدى رب العالمين ، حيث اشار سبحانه جل وعلا بأنه قد استغنى ، فقال : { كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى …} ؛ العلق (6-10).

الخالق الجبار يعلم جيداً من أن الانسان الذي كان صنيعته وخلقه ورغم انه نفخ فيه من روحه، سيسعى للاكتفاء بغناه الوجودي بمال ومادة فقط ويستغني عن الحقائق المغذية للروح والتي تضم حقيقة سعادة البشرية والاطمئنان لها، وهذا ما حصل مع كل الآسى والأسف  فكان غناه المادي يعميه عن واقع نعيمه الروحي الذي هو حقيقة وجوده وسبب خلقته في العيش بسلام ومودة ومحبة وأخاء عندما خاطب الرسول الاكرم (ص) بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } ؛ الاحزاب (46)، ليرسم للبشرية منشور انسانية وهداية عبر تأكيده سبحانه وتعالى على اتمامه ولادة النور بدين الاسلام العظيم ،وبدا خروج البشرية من الظلمات والجهالة والتخلف والديكتاتورية .

كانت البشرية قبل بعثة خاتم النبيين محمد صلى الله علية وآله وسلم تعيش الضلالة والجهل والشرك والالحاد والظلم والطغيان التام خاصة مجتمعات الجزيرة العربية التي كانت غارقة في الانحطاط والوثنية وسلطة المال والقوة ، وتحتاج الى من ينقذها وينتشلها من برلثن ما هي فيه.

كان الجهل فاشياً، والظلم جاثماً، والفوضى ضاربة بأطنابها في كل مكان، حقوق مسلوبة، وأعراض منتهكة، وحياة بغير نظام ولا قانون، ولا تشريع ولا تنظيم، والعادات والأعراف القبلية الجاهلية تسيطر على الأوضاع بكل جوانبها، حياة لا أمان فيها ولا استقرار ولا عدالة ولا مساواة.. حيث اعتداء القوي على الضعيف، كما هو حال عصرنا هذا حيث الاستعباد والاستحمار والاستعمار والظلم والطغيان والتمييز كل ذلك من أجل السلطة والحكم بما تشتهيه النفس الامارة بالسوء رغم ما حذر منه البارئ المتعال كما ذكرنا ذلك سلفاً.

العنف والبطش والتكفير والحروب تكتسح اليوم العالم العربي لأتفه الأسباب.. تزهق النفوس، ويعتقل الاحرار، وترمل النساء، وييتم الأطفال والدعوة قائمة للعودة الى الوثنية والجاهلية والصنمية السلطوية كما كان الحال على عهد الجاهلية حيث كان العرب يعيشون سلطة القبيلة وتسلط الأسياد والأقوياء على الفقراء والعبيد، وكان المجتمع المكي مجتمعاً يتكوّن من عدة طبقات متميز.. ليعود اليوم أحفاد أمية الطلقاء من أسس لذلك النظام الطبقاتي الظالم والحاقد الكرة اليوم ويسلطوا سيوفهم على رقاب العباد ليرغموهم على التبعية العمياء لسلطتهم العميلة الذين هم ايضاً ليسوا باصحاب القرار فيها حتى بابسط ما يخصهم.

لاقى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما لاقى من البلاء والظلم والعنف طيلة حياته الكريمة من الطغمة الطاغية والجاهلة والمنافقة، في التبشير للدين الاسلامي الحنيف واتمام رسالته السماوية حتى قال (ص):”ما أوذي نبيٌ مثلما أوذيت” لتعم رسالة الانسانية السمحاء أرجاء المعمورة وأخذوا يدخلون فيها أفواجاُ أفواجا الأمر الذي أرعب وأربك جنود الشيطان والنفاق والتزوير والتحريف وعقدوا العزم على أرساء اسس عودة الناس وبحلة الدين الى عصر الوثنية والجاهلية والسلطوية ما أن رحل الرسول الأكرم (ص) من بين جموع المسلمين وصعدت روحه الى عنان السماء ليلتقي الحبيب بالمحبوب ويشكوه ما حل به من أمته العمياء وصوته يصدع في عمان المعمورة ” ما أوذي نبي كما أوذيت”.

منذ ذلك العهد وحتى يومنا هذا وأحفاد واتباع أمية الحاقدين حرفوا صرح الدين القويم بوعاظ سلاطينهم وتزوير اعلامهم وتضليل الناس بادعاءاتهم “التمسك بالكتاب والسنة” متجاهلين “حديث الثقلين” ومحاربين وناقمين على كل من يتمسك به وصولاً الى الصراط المستقيم والعدالة السماوية والمساواة الربانية وما أن ينطق الناس بذلك حتى يلاقوا حتفهم في ظلمات السجون وامام محاكمات صورية طائفية كما يجري في البحرين والسعودية وغيرهما.. أو امام استباحة دمائهم وأعراضهم بفتاوى ارهابية تكفيرية كما تجري طيلة سنين ضد الشعب العراقي المظلوم والشقيق السوري المقاوم والأبي الصامد في اليمن الذي يواجه أبشع أنواع الإجرام طيلة تاريخ البشري، أو في مواجهة حصار  سياسي – اقتصادي ظالم ضد الشعب الايراني الأبي ليعيش ما عاشه بني هاشم في شعب أبي طالب ، أو فتن خبيثة ضد هذه الطائفة وتلك في لبنان ومصر وغيرها من البلاد الاسلامية بسياسة فرق تسد للصهيونية العالمية ينفذها حكام آل سعود وآل نهيان ببترودولاراتهم المنهوبة من لقمة عيش شعوبهم المضطهدة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى