التدخل التركي في الصومال ونذر الحرب الأهلية

يعود المشهد الصومالي مرة أخرى إلى سخونته، بعد أن شهد لفترة تهدئة نسبية على صعيد الأحداث الميدانية، ويعيش الصومال أزمة سياسية منذ مطلع شباط الجاري، بعد نهاية ولاية الرئيس محمد عبد الله المعروف بـ باسم “فرماجو”. وكان الصومال يعتزم في البداية تنظيم أول انتخابات مباشرة منذ الحرب الأهلية التي اندلعت في 1991، لكن تعثر الإعداد وهجمات حركة الشباب الصومالية الإرهابية أجبرت السلطات على التخطيط لاقتراع آخر غير مباشر. وإزاء تأخير الانتخابات، خرج متظاهرون غاضبون من أنصار المعارضة الجمعة الماضية، إلى شوارع مقديشو… وقوبلت احتجاجات هؤلاء بقمع شديد من طرف قوات النظام التي تدربها تركيا في الصومال.

وجدير بالذكر، أنّ الاندفاع التركي الأخير نحو الصومال ، يأتي عقب قرار بعثة الاتحاد الأفريقي إلى الصومال سحب عدد من قواتها، أيضاً كان قرار وزارة الدفاع الأمريكية، في الحادي عشر من شهر كانون الأول 2020 سحب قرابة 700 جندي من القوات الأمريكية من الصومال، تأثيره على استقرار الصومال، وكانت هذه القوات تقوم بمهام تدريبية لفرق من القوات الخاصة الصومالية، قرار السحب جاء بعد أمر من الرئيس غير المأسوف على نهاية ولايته، دونالد ترامب، الذي طلب الانتهاء من المهمة قبل الخامس عشر من شهر كانون الثاني 2021. الانسحاب الأمريكي زاد التطلعات التركية نحو الصومال وفسح المجال أمام كل من النظام التركي ودولة قطر، اللتان تخططان على الأرض لملأ الفراغ، حيث تقدم قطر التغطية المالية، ويدرب النظام التركي آلاف من الجنود الصوماليين، ويحولهم إلى قوة له.

التدخل التركي في الصومال ونذر الحرب الأهلية

المفارقة المثيرة للسخرية أن أردوغان، يحاول تجميل مخططاته الاستعمارية وإلباسها أثواب الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون الاقتصادي والاستثمار المشترك، في حين أنه يحتل أراضي الآخرين وتغزو قواته الشعوب الأخرى، وتقتل أبناءها وتسرق نفطها وغازها وثرواتها بحجج مثل ضمان مصالحهم القومية وأمنهم المزعوم.‏ وفي الصومال يسعى “أردوغان” لتصوير نفسه المخلّص الأول للصومال من محنتها، وتطلعه لتعميم نموذج العلاقات معها، وفي هذا الصدد، تبرعت تركيا في عام 2020 على سبيل المثال بـ 12 مركبة قتالية مقاومة للألغام ومحمية من الكمين من طراز “BMC” إلى الصومال، كما يستخدم الجيش الصومالي بنادق الجيش التركي “MPT-76” الهجومية، التي تبيعها تركيا للصومال بشكل مستمر. ومنذ بداية شهر كانون الأول 2020، تصاعدت عمليات إرسال الأسلحة إلى الصومال، التي تتضمن آلاف البنادق ومئات الآلاف من الطلقات النارية، يضاف ذلك تواجد مجموعات من “المرتزقة السوريين” بالصومال، وهم مما يسمّى “صقور السنة، ولواء القادسية، وأهل الأثر، والخطاب وجماعة أبو قدري”، كونهم على توافق مع جماعة بوكو حرام الإرهابية التي تنشط غربي أفريقيا، وسبق لهذه المجموعات الإرهابية، أن تدربت بمراكز تدريب سورية محتلة من قبل النظام التركي، هي عفرين ورأس العين وتل أبيض.

والثابت اليوم، أنّ العاصمة الصومالية مقديشو تغلي، حيث تدوي أصوات طلقات الرصاص والانفجارات، مما يثير المخاوف من عودة شبح الحرب الأهلية والهجمات الإرهابية، ليتضح أن قوات خاصة تدربها تركيا تقف وراء هذا السيناريو المرعب. وقال أحد المحتجين ويدعى فرح عمر لوكالة “رويترز” إن “قوات خاصة دربتها تركيا معروفة باسم فرقة “جورجور” تشارك في الهجوم على المحتجين”. محتجون وأهالي في مقديشو قالوا إن قوات فرقة “جورجور” الخاصة التي دربتها تركيا هاجمت مدنيين وقتلت متظاهرين، ما أعاد أجواء الحرب الأهلية الصومالية ويمهد الطريق لانفلات أمني تستفيد منه القوى المتشددة وفي مقدمتها حركة الشباب. وتلقت قوات “جورجور” تدريبات مكثفة في القاعدة التركية بمقديشو (تركصوم)، ويتراوح عدد عناصرها بين 4500 و5000 عسكري، ويتلقون الأسلحة والذخائر من تركيا، ويتمركزون في كل من مقديشو وطوسمريب وبلد حاوة، بينما تعتبر تركصوم قاعدتهم الرئيسية. وطبقا لتلك الأوساط فإن المدرعات التركية انتشرت في شوارع العاصمة الصومالية، مما يظهر تورط أنقرة في إشعال الصراع. وحسب موقع “أحوال تركية” تتهم المعارضة الصومالية أنقرة بدعم عسكري للنظام، يهدد بالعودة في النهاية إلى الحرب الأهلية المدمرة، وتحويل الصومال مرة أخرى إلى أرضية خصبة للتنظيمات الإرهابية على غرار جماعة الشباب التي تستغل الخلافات السياسية لتصعيد هجماتها التي وصلت إلى المجمع الرئاسية في مقدشيو. وسبق للمعارضة الصومالية أن أعلنت في ديسمبر(كانون الماضي) الماضي، مطالبتها تركيا بوقف إرسال شحنة أسلحة للشرطة، خوفاً من تسخيرها من قبل الرئيس محمد عبد الله محمد “لخطف” الانتخابات.

التدخل التركي في الصومال ونذر الحرب الأهلية

المؤكد عندنا، أنّ شراهة أردوغان الاستعمارية وأحلامه الواهمة دفعت بمخيلته القاصرة إلى الاعتقاد بأنه يستطيع إحياء العهد العثماني البائد والتمدد إلى أركان القارات الثلاث، وكأنه سلطان الأقاليم السبعة كما كان أسلافه يتغنون، فتفتقت (عبقريته) عن إمكانية احتلال الصومال، بذريعة تقديم مساعدات إنسانية ودعم الجيش الفيدرالي ضدّ “المتمردين”، إلا أن الحقيقة غير ذلك، فتركيا تدعم “الجماعات الإرهابية” لتحكم سيطرتها على مقدرات البلاد النفطية، ولتحمي نفوذها في الصومال، ومواصلة تتريكه، والذي بدأ عبر فرض تعليم اللغة التركية على المدنيين، وشمل الجيش الصومالي أيضاً، فضلاً عن إطلاق الأسماء التركية على الشوارع والمدارس والمشافي في مقديشو، كما إن عدة شركات تركية استولت على مرافق صومالية حيوية، أبرزها استيلاء شركة فافوري التركية على امتياز إدارة مطار “آدم عدي الدولي”، كما استولت شركة “البيرق” التركية على عائدات ميناء مقديشو بنسبة 55 بالمائة منذ أكثر من خمس سنوات.

ويستفيد الأتراك من نفوذ قطر في الصومال، والذي يقوم على استثمار الأموال في شراء ذمم المسؤولين، والتغطية على علاقة الدوحة بجماعات متشددة تقف في الغالب وراء التفجيرات التي تشهدها مقديشو، ومدن صومالية أخرى، كما يستهدف إخلاء الصومال من أي نشاط داعم للاستقرار، سواء أكان عسكرياً أو أمنياً أو اقتصادياً مثل الوجود الأفريقي والكيني والإماراتي في خطة تهدف لإخلاء المكان لصالح الأنشطة القطرية والتركية بالبلاد، وكانت أنقرة تعوّل كثيراً على استمرارية الصراع الأثيوبي- الاريتري، وسعت في محاولات لإفساد المصالحة التاريخية بين أثيوبيا واريتريا، وهو ما أكدته وزارة الإعلام الاريترية التي اتهمت تركيا بالقيام بأعمال تخريبية بتمويل قطري هدفها الأساسي، وفق البيان الاريتري، عرقلة عملية السلام.

خلاصة الكلام: لا أحد يريد “أردوغان” في الصومال، من قد يكون أمسك البطون من جوعها… فتسلل من ثقوب الشركات التركية لكن… لن تفتح له البوابة الأفريقية… فلا حدود يستغلها لمرتزقته ويضغط بها، ولا ترحيب محلياً ولا حتى أفريقياً… فلا أحد يحب أردوغان… علاقته موتورة مع الجميع… حتى المتطرفون لن يصافحوا قرصان الأخوان بعينه الواحدة نحو أمجاد سلطنته… اختلاف الأيديولوجيات واختراقات الاستخبارات الغربية لها لن تخدم. ..فالتناحر والتنافس بين الاثنين لاشك أنه سيقود إلى تدمير الصومال البائس كما حصل في سورية واليمن وليبيا، وإذا ما زاد العناد على المنافسة الإيديولوجية فقد تؤدي إلى تفاقم الاستقرار الهش في الصومال، وتحوّل البلاد إلى حرب أهلية جديدة.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى