التطبيع الثقافي… هل تنجح إسرائيل باختراق العقل العربي ؟

تعيش المنطقة العربية مظاهر تطبيع معلنة، لأسباب ليس لها تبرير واقعي حتى الآن، ولكن الشيء الوحيد الملموس هو أن سباق التطبيع تسارعت خطاه بعد دخول المنطقة دائرة الصراعات الخارجية والداخلية، وإلحاح الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب المنتهية ولايته، على دمج إسرائيل في أحلاف إقليمية قبل التوصل إلى “حل القضية الفلسطينية“. ولهذا الغرض تم الدفع بمظاهر التطبيع بصيغ مختلفة بعد أن كانت حتى الأمس القريب من المحرمات على الساحة العربية.

في زحمة ما يجري، وسطوته وبزوغ التطبيع الثقافي المبرمج ليكون مدونة العصر، لابد من الإشارة أنّ التطبيع الثقافي، قد يبدو للبعض حدثاً عابراً، ولكنه في نظرنا يحمل دلالات في غاية الأهمية عن المرحلة القادمة والخطط والتوجهات التي تعدّ إسرائيل العدّة من خلالها لهذه المرحلة، إذ إن التطبيع الثقافي يشمل الإنتاج الفني والدرامي والتاريخي… والذي تنوي المؤسسة الإسرائيلية التركيز عليه لا يقصد نشر رايات السلام ولا يقصد زرع بذور المحبة بين الإسرائيليين والدول المطبعة، فهذا آخر أولوياتهم، ولكنه يقصد إعادة كتابة تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والاحتلال الأمني والثقافي لبقية بلدان التطبيع، وسرد الحكاية من وجهة النظر الإسرائيلية وبموافقة يعتبرونها “عربية” مع أنها لا تمتّ إلى العروبة بصلة، فعلى سبيل المثل لا الحصر، في الشق التاريخي، فقد بدأت إسرائيل، وربما بدأت منذ فترة بإعادة كتابة تاريخ المنطقة بما ينسجم وروايتها وقناعتها والصورة التي طالما عملت على ترويجها للعالم عن ديمقراطيّتها وتخلف وهمجية وإرهاب العرب. أوَ ليسوا هم الذين بثّوا ما يحلو لهم من الأفكار على الساحة العالمية من خلال هوليوود، التي أصبحت مؤسسة ثقافية ضاربة في أنحاء الدنيا تشارك في صياغة العقول والأفكار والثقافات؟

التطبيع الثقافي... هل تنجح إسرائيل باختراق العقل العربي ؟
مظاهرات في غزة منددة بالتطبيع الإماراتي الإسرائيلي الأخير

قبل كل شيء، نهتم بداية بالإشارة إلى أهداف التطبيع على الصعيد الثقافي:

  • أولا: توظيف الثقافي في خدمة السياسي، أي جعل المَبدئي والخلقي والتاريخي، في خدمة الآني والظالم والفاسد والكاذب، والمفروض بقوة القهر الاستعماري الصهيوني والتآمر على الأمة وعلى المنطقة وأهلها.
  • ثانياً: توظيف ثقافة ومثقفين، في خدمة سياسة الإذعان والاستسلام التي فُرِضَت على عرب، أو تواطأ عرب مع الاحتلال الإسرائيلي على الاستسلام لها… خدمة للعدو، وتحقيقاً لأهداف إسرائيلية ومراحلها، على طريق تنفيذ مشروعها المستمر /إسرائيل التوراتية، أو إسرائيل رباتي.
  • ثالثاً: جعل الثقافة إحدى أهم حواضن سلام الاستسلام، أي السلام الإسرائيلي ـ الأمريكي، الذي يحاول انتزاع اعتراف تاريخي بحق لليهود في فلسطين بعامة، وفي القدس بخاصة، على حساب حق الفلسطينيين والعرب والمسلمين بفلسطين ومقدساتهم فيها، وعلى رأس تلك المقدسات القدس الشريف بكل مكوناتها المقدسة الإسلامية والمسيحية.
  • رابعاً: إعادة تكوين الذاكرة والوجدان العربيين من جديد وذلك بـ:
    • أ ـ محو حقائق الصراع العربي الإسرائيلي من الذاكرة، واستهداف الأمة والدين بالتشويه والافتراء، واستهداف الأجيال الناشئة، قبل سواها.
    • ب ـ إفراغ الصراع العربي الإسرائيلي من مضامينه وأهدافه وحقائقه وحواضنه، تحت ضغط تزييف الوقائع والحقائق من جهة، ومواجهة الناس بمنطق ”واقعية انهزامية” من جهة أخرى، تفرضها صراعات وحروب وفتن، يغذيها الاحتلال الإسرائيلي وحليفه الأمريكي، ويقدمانها على أنها قدر وأبد، وما على الناس إلا أن يقبلوا بهذه الصيغة التخلفية ـ الدونية ـ الانهزامية، وإلا خسروا ما تبقى من أرض وحق ومستقبل، وأنّ عليهم أن يقتنعوا بأن هذه هي نهاية تاريخ وبداية تاريخ… نهاية تاريخهم وبداية تاريخ دولة إسرائيل وهيمنتها وتحالفاتها.
    • ج ـ إعادة صوغ الوجدان الفردي والجمعي العربيين، بالتركيز على:
      1. تخريب منظومات قيم، ومعايير حكم واحتكام، تستند إلى معطى ديني وقومي تحرري تحريري، وتشويه معطيات تاريخية، وإمكانيات واقعية، تشكِّل روافع الصّمود والنهوض العربيين، وخلق ظروف مأساوية، وحالات قنوط… والتلويح بالقوة ومنطقها، واستخدامها وفرض سيادتها، للقضاء على كل أمل في النهوض وامتلاك ناصية المستقبل.
      2. التركيز على منظومات قيم ومعايير حياتية دنيوية ـ آنية، أو غريبة مستوردة ـ تركز على مخاطبة الغرائز وتنميتها، وعلى الانحلال وتقديمه حرية وتحرراً، والتركيز على الفردي والأناني والآني والفاسد المفسد من الموضوعات والاهتمامات والمهام والرؤى، وتعزيز النزوع المادي الاستهلاكي على حساب الروحي الاجتماعي المتسامي، وتفتيت قوى الإيمان والإرادة، وإنعاش قيم ومقومات مجتمع أناني منخور البنية، مسحوق تحت وقع الظلم والحاجة، ذي تطلعات دنيا تتدنى، ومأخوذ بإغراء مفهوم وسلوك مدمرين عن الدولة والنهوض والحرية والتحرر.
      3. التأكيد على منطق الهزيمة وأبعادِها ونتائجها، وترسيخ ذلك في العقل والوجدان، حيث يشمل نفياً لكل ما عداه وعلى الصعيدين الواقعي والتفاؤلي… وترسيخ مقولة عدم استطاعة العرب كسب معركة مع إسرائيل بالقوة، وأن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد فلا بد من سلام يفرضه الأمر الواقع القائم على منطق القوة، الذي يملي تنازلات وتنازلات… وأنه لا بد من ”السلام” المفروض، على أرضية المفهوم الإسرائيلي ـ الأمريكي للسلام، الذي ينتزعُ فلسطين من أهلها، ويبقيهم مشردين أو تبعاً، ويقسم العرب ويشعل العداء بينهم، ويطلب منهم الاعتراف بإسرائيل فرادى وجماعات، لأن فلسطينياً وعربياً قد اعترفا بها، وقبلا التعايش معها… فما شأن الآخرين الرافضين، ما دام بعض أهل البيت وأنصار لهم يوافقون؟!

التطبيع الثقافي

ولا يقل قائل أبداً: ما علاقة الثقافة باتفاقات التطبيع، لأن هدف التطبيع الأول والأخير هو التطبيع التربوي والثقافي…، وقد يقول قائل إنهم ليسوا بحاجة للدول العربية المطبعة لفعل ذلك، لأن مؤسساتهم الفنية والدرامية والسينمائية في إسرائيل متطورة. نعم هم ليسوا بحاجة إلى مشاركة هذه الدول، ولا يعنيهم أكانت هذه المشاركة صغيرة أم كبيرة، ولكن ما يعنيهم في الأمر شيئان: أولاً تصديق عربي على أن هذه هي الرواية الحقيقية للصراع العربي الإسرائيلي ولتاريخ فلسطين ولما جرى في فلسطين منذ القرن الماضي، الذي ولاشك سيُظهر أحقية دولة إسرائيل في الأرض، وإنسانيتهم والجور الذي تعرضوا له ويتجاهل الحق الفلسطيني في أرضه ومعاناته من الجرائم والاحتلال الإسرائيلي على مدى عقود، كما أنهم بحاجة إلى المال العربي لإنتاج ما يرتؤونه من أعمال ثقافية تخدم الدور المستقبلي الذي يخططون له في هذه المنطقة.

وبهذا المعنى فإن الدول العربية المطبّعة ستشارك عملياً وتدفع ثمن إلغاء الرواية العربية في الصراع العربي الإسرائيلي، وتثبيت الرواية الإسرائيلية في هذا الصراع للأجيال القادمة، أي أن المسألة لم تعد مطلقاً مسألة تطبيع أو مشاركة أو سلام أو بناء علاقات بين شعوب أو دول، ولكنّ المسألة اليوم هي تفسير كلّ مجريات القرن الماضي وحتى اليوم من صراع على هذه الأرض ومن تضحيات قدمها الشهداء والأسرى والجرحى العرب، ولأنّ هذا التفسير سيشكّل الحكاية الأساسية التي سترسخ في عقول وضمائر الأجيال القادمة. والإسرائيليون يعلمون علم اليقين، أن الثقافة بأجناسها المتعددة والمختلفة، هي أقوى من أي صيغة حاملة للتاريخ لأنها تدخل في وجدان المتلقي بسلاسة ويسر وتمكث هناك رغم إرادته، وإذا ما تنبّه يوماً وأراد التغيير فسيكون الأمر صعباً أو مستحيلاً. وفي هذه الحال فإن اللغة العربية ستُستخدم لترويج الرواية التي يريدها الإسرائيليون وهي رواية إلغائية للعرب، جميع العرب، ولحقوقهم ولمعنى تضحياتهم ولعلاقتهم بأرضهم ولكلّ ما تمّ تقديمه من دماء وتضحيات.

ولذلك فإن التطبيع الثقافي مع إسرائيل قد بدأ كما نرى ونسمع العديد من السياسيين والإعلاميين وحتى بعض شيوخ الدين الذين انحازوا تماماً للرواية المعادية وأصبحوا يفترون على تاريخ أمتهم منذ الآن. إن هذا النوع من التطبيع، وبأي شكل كان وبأي صيغة كانت، هو خيار يتخذه البعض لاغتيال تاريخهم وإلغاء حاضرهم ومستقبلهم سواء أأدركوا ذلك أم لم يكونوا مدركين. ولاشك لديّ على الإطلاق أن الذين يخططون لهذه الأعمال من المؤسسات الإسرائيلية لا يفرّقون أبداً بين دولة وأخرى، وأن مشاركة البعض من الدول أو غيرها تهدف فقط إلى إعطاء المشروعية لأعمالهم بأنها أعمال موثقة ومتوازنة وتقدّم الرواية الموضوعية لمجريات التاريخ والموافق عليها من الطرف الآخر الذي قام أيضاً بتمويلها والمشاركة في صياغتها والترويج لها، ولن تكون مشاركة الدول العربية في صياغة الأعمال الثقافية إلا كمشاركة مسؤوليهم في التوقيع على الاتفاقات.

خلاصة الكلام: إن الفشل في التطبيع، عبر البوابات السياسية والاقتصادية والإكراه السياسي والضغط والابتزاز…، هو الذي يدفع بإسرائيل وأعوانها للدفع باتجاه البوابات الثقافية والتربوية والقوة الناعمة لإحداث اختراق ما في المجتمعات العربية والإسلامية. من هنا تأتي أهمية التصدي لتلك المحاولات من خلال النخب الفكرية والثقافية والمنظومات التربوية والمنابر الدينية… هذا زمن لا مكان فيه للغموض أو المساومة أو الترّيث أو إضاعة الوقت، لأنه زمن الحسم والفصل، وهو زمن بناء الوعي من اللبنة الأولى، الوعي بالكرامة القومية والحقوق الوطنية والوعي بأثمان التبعية والهوان. في هذه الفترة لا بدّ أن تلعب الأحزاب والنقابات والمنظمات الشعبية دور الريادة، وبخاصة أنها جميعها تعمل في معظم الأقطار العربية. وفي هذا الزمن لا بدّ من تسليط الضوء على ما يحاول ترويجه الطابور الخامس وإرساله إلى نفايات التاريخ.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى