الجماعات الإرهابية ومسرحية “أردوغان” في الشمال السوري

على مدى العشر سنوات من الحرب الإرهابية على سوريا، برزت تسميات لفصائل إرهابية متفرقة على مساحة الجغرافية السورية، والتي أخذت في الانحسار تدريجياً بحسب القُرب وتوافق الأجندات مع الداعم التركي، لتغدو “جبهة النصرة” الفصيل الابرز في المواجهة مع الجيش السوري، في شمال شرق سوريا.

منذ اتفاق موسكو بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في الخامس من أذار 2020، والمتعلق بوقف القتال في إدلب وإنشاء ممر آمن بطول ستة كيلومترات إلى الشمال والجنوب من طريقM4 في سوريا، بدأت غُرف الإرهابيين بإصدار البيانات رفضاً لاتفاق موسكو، وكذا بدأت الجماعات الإرهابية المتمثلة بجبهة أنصار الدين وجبهة أنصار التوحيد وجبهة أنصار الإسلام وحراس الدين، وجميعها فصائل إرهابية يتركّز عملها في ريف اللاذقية الشمالي وريف حماه، وهي تابعة حُكما لنظام أردوغان، الذي اتخذ من الاتفاق الروسي مخرجاً له لتصفية هذه الفصائل والابقاء على الفصائل التي لم تخرج عن مظلة هيئة تحرير الشام، الذراع العسكري للمخابرات التركية على الأرض السورية.

جاءت الخلافات بين الفصائل الإرهابية على خلفيات تأخذ شكل الرافض لتسيير الدوريات الروسية التركية المشتركة، خاصة أن روسيا حليف أساسي للقيادة السورية، وضمنياً يأتي التناحر بين الفصائل الإرهابية نتيجة الخلاف على الزعامات والمناطق واقتسام الغنائم من الاعتداءات التي يمارسونها بحق الاهالي الآمنين، ومع الانتصار الذي حققه الجيش العربي السوري بمساندة الحليفان الروسي والإيراني على الجماعات الجهادية، وانحسار افرادها باتجاه إدلب، هذا الأمر أدى إلى زيادة الاقتتال بين المجموعات التابعة لتنظيم داعش و هيئة تحرير الشام التابعة “عسكرياً” لتركيا، يأتي ذلك ضمن رغبة تركية لإظهار الجّدية أمام الجانب الروسي، بأنها تقوم بتصفية الجماعات الإرهابية التي لا تنضوي تحت إمرتها، وتلك التي تقوم باعتراض الدوريات المشتركة الروسية التركية.

فما حصل من اشتباكات بين غرفة عمليات “فاثبتوا”، والتي تضم فصائل إرهابية، وبين تحرير الشام بعد اعتقال هيئة تحرير الشام القيادي السابق في فيها ابو مالك التلي وهو المسؤول العسكري الحالي في “فأثبتوا”، والذي قام فيما بعد بتشكيل فصيله الخاص والانضمام إلى غرفة “فاتبتوا”، حيث تضم هذه الغرفة تنظيم حراس الدين الذي يُعتبر فرع من فروع “القاعدة” وجبهة أنصار الإسلام وتنسيقية الجهاد ولواء المقاتلين الأنصار، كل ذلك يؤكد عمق الخلاف بين تلك الفصائل من جهة، وبين إدراك تلك الفصائل للنوايا التركية تُجاهها من جهة ثانية، فقد بات واضحاً أن تركيا ترغب بإنشاء جسد إرهابي يتوافق جُملةً وتفصيلاً مع النوايا التركية بعيدة المدى في سوريا، لا سيما أن أردوغان يسعى إلى التوصل لاتفاق مع روسيا، يُجيز له الحصول على مكسب سياسي في المستقبل السوري.

أقرأ أيضاً:

تركيا تملأ الفراغ السعودي في لبنان

إلى ذلك، فمن المعروف أن هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقاً”، قد تشكّلت من اندماج جبهة أنصار الدين وجيش السنة ولواء الحق وحركة نور الدين الزنكي.

ما تحاول الجماعات الإرهابية فرضه ما هو إلا تنفيذاً لقرارات رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، لإطالة أمد الحل السياسي في الشمال السوري، والمعلوم أن الطريق M4 يُعتبر الطريق الرابط بين شمال شرقي سوريا ومناطق الداخل والساحل، والذي تسيطر على 80 كم منه الجماعات الإرهابية الموالية لأنقرة منذ عملية تبع السلام الأخيرة في منطقة رأس العين.

الاستغلال التركي لمسألة تواجد الفصائل الإرهابية في إدلب، تم منذ الأيام الأولى لعمليات المصالحة، والتي تمت برعاية أممية لضمان حقن دماء السوريين، وأولئك المتورطين في الحرب على سوريا، وعلى ما يبدو أن أردوغان يُهندس خطته، ضمن إطار الاستفادة من التواجد الروسي، الذي جعل من التركي كضامن للحل السياسي في تحقيق مكاسب احتلالية عبر وكلائه الإرهابيين المتواجدين على الساحة السورية، وإظهار نوع من تنفيذ بنود الاتفاق بإشعال النزاعات بين الفصائل الإرهابية لتفكيك صفوفهم، وضمان لجوء افرادهم إلى طلب الانضمام الى هيئة تحرير الشام، أو اغراءهم للذهاب كمرتزقة إلى ليبيا بمغريات مالية عالية.

في المحصلة، أصبحت السياسة التركية في سوريا مكشوفة للجميع، ولكن قراءاتها تختلف بين القوى الفاعلة على الارض السوري، وحتى تلك البعيدة عن الميدان السوري، والأهم أن الجيش العربي السوري والقيادة السورية بمساندة الحليف الروسي، يعملون ضمن معادلة الانتهاء من ملف إدلب سياسياً أو عسكرياً. وقريباً.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق