الجيش المصري في عهد عبد الفتاح السيسي

بتولي عبد الفتاح السيسي حكم مصر شهد الجيش المصري تغييرات جذرية في علاقته بالسلطة وعلاقته بالشعب ، وأيضا في إستراتيجيته وعقيدته القتالية وتسليحه ومسرح عملياته . بل وفي هيبته وإحترامه وصورته في عيون شعبه وعيون العالم . وقد إستغرق فرض هذه التغييرات على الجيش نحو خمسة سنوات ، شهدت تسريح وعمليات إغتيال واسعة لكبار القادة (تحت زعم الإرهاب) بالإضافة للسجن الذي طال أعداد كبيرة من القادة قدرتها المصادر بـ 2000 سجين . وهو ما يذكر بمذبحة القلعة التي أعدها محمد علي باشا لأمراء المماليك .

وكان هدف السيسي هو تحويل القوات المسلحة المصرية إلى قوات عبد الفتاح السيسي ، وجرى مايشبه أخذ البيعة له من خلال سؤال مبطن يقول : “معانا ولا مش معانا” . وتمت الإطاحة بكل من رفض تغيير ولائه من الولاء لمصر إلى الولاء للسيسي . وبدون أن تشعر الجماهير حول عبد الفتاح جيش مصر إلى حزب سياسي خاص به ، وهو ما إحتاج التوسع في الأنشطة التجارية للجيش لإرضاء من قبلوا بالولاء الجديد . وبهذا زادت معاناة أفراد الشعب الذين ينافسهم الجيش في أرزاقهم ، كبارا وصغار حتى طال الأمر صائد السمك والبائع المتجول . أما عن الإستراتيجية والعقيدة القتالية فقد تغيرت من جيش مجهز لحرب برية كبيرة ضد العدو الصهيوني على أرض سيناء ، إلى جيش يجري إعداده وتجهيزه للإنتقال والقيام بعمليات خارج حدود الوطن . وهو ما ترفضه تقليديا النخبة العسكرية ، ولا تجد له أي مبرر لأن مصر لا تتعرض لأخطار من أي دولة في المنطقة سوى إسرائيل .

وتمكن عبد الفتاح من كسر هذه الممانعة وفرض التغييرات التي أرادها ، وطبعا إحتاجت الإستراتيجية الجديدة إلى سلاح بحرية متطور لينقل القوات خارج حدود الوطن ليؤدي مهمة غامضة . وسرعان ما تطور سلاح البحرية والذي كان هو الحلقة الأضعف بالجيش المصري ، لتصبح هي السادسة على العالم والأولى على المنطقة ، متقدمة على البحرية التركية والفرنسية والإيطالية واليونانية . وفي سلسلة سريعة ومتلاحقة من صفقات السلاح تم شراء طائرات وصواريخ وقطع بحرية وحاملات طائرات وغواصات …الخ . وقد تكلفت هذه الصفقات مبالغ خرافية لم يحتملها الإقتصاد المصري المنهك منذ عملية 25 يناير ، ولنتخيل مدى فداحة هذه المبالغ يكفي أن نعرف أن صفقة واحدة قد تكلفت 5,2 مليار يورو وهي صفقة 16فبراير 2015 مع فرنسا (24 طائرة رافال وفرقاطة بحرية) . وقد تعجب كثير من الخبراء العسكريين لشراء مصر طائرات لا تحتاجها ، فما ينقصها هو الطائرات التي تستخدم في المطاردات داخل المناطق الجبلية لتمكين الجيش من الإرهابيين ، ومثالها طائرات الأباتشي أو المروحيات عموما وليس مقاتلات الرافال .

الجيش المصري يكشف لأول مرة عن قوة سلاحه الجديد
الجيش المصري يكشف لأول مرة عن قوة سلاحه الجديد

  • الإهانة المتكررة لـ الجيش المصري :

ولتكتمل عملية تطويع جيش مصر للسيسي لم يتوقف الأمر على ملاحقة القيادات بالإغتيال والتسريح والسجن ، فقام السيسي بكسر هيبة وجعله أضحوكة للعالم بأكمله . وكانت البداية في 22 فبراير 2014 حيث نشر المتحدث العسكري على صفحته بموقع فيس بوك بيانا ، أعلن فيه عن إختراع مصري لإكتشاف وعلاج الفيروس سي ، بالإضافة لإكتشاف وعلاج الإيدز بنسبة نجاح تجاوزت 90 % ، ووصف المتحدث العسكري هذا الإختراع بأنه فريد من نوعه . وأعلن المخترع اللواء / إبراهيم عبد العاطي أنه يقوم بسحب الفيروس من الجسم ثم إعادته إليه مرة أخرى على هيئة “صباع كفته” يتغذى عليه المريض ، وإدعى أن أجهزة مخابرات عالمية عرضت عليه 2 مليار دولار لكنه رفض وتمكنت المخابرات المصرية من إخفائه والعودة به إلى حضن الوطن . وأطلق بهذا حملة لترويج إختراعه الذي يعالج إلى جانب الإيدز والفيروس سي أمراضا أخرى منها :

الصدفية والسرطان والسكر وأنفلونزا الخنازير وقصور الشرايين التاجية . ليس هذا فحسب بل وهناك مكافأة في إنتظار المريض بعد علاجه من هذه الأمراض ، ألا وهي تحسين الكفاءة الجنسية له . وقال مدير الهيئة الهندسية أن الإختراع الجديد ساهم في شفاء 100 مريض بالفيروس سي والإيدز . وطبعا كانت فضيحة مدوية للجيش المصري ولم يحاسب المتسبب في المهزلة ، ومن ناحيتها أحالت نقابة الأطباء 4 من أعضائها للمحاكمة التأديبية ، وتم إيقاف 3 منهم عن العمل لمدة سنة بسبب إشتراكهم في الترويج للإختراع . وفي نوفمبر 2017 وجه السيسي إهانة جديدة للجيش المصري ، حيث وقف في مزرعة سمك يستعرض ضباط يقدمون له أنفسهم على أنهم مقاتلين ويمارسون أعمالهم القتالية داخل مصنع ثلج أو علف ، وضباط مقاتلين على خط الجمبري المسلوق ، وأخرين يقاتلون على خط الجمبري منزوع الرأس ، وبعد دقائق كان الجيش المصري قد أصبح من جديد محط سخرية العالم .

  • أين هو العدو :

في 28 فبراير 2019 نشر مركز كارينجي للشرق الأوسط دراسة بعنوان : “الجيش المصري .. العملاق المستيقظ من سباته” . والدراسة كتبها إثنين من العسكريين الأمريكيين ، منهم الملحق العسكري بالسفارة الأمريكية بالقاهرة 2008 : 2011 . وجاء فيها أن مبارك أعطى الموافقة الإستراتيجية على عدم تهديد الجيش المصري لأمن إسرائيل ، مقابل وصول المساعدات من الولايات المتحدة لدعم حكومته . وهكذا حولت المساعدات الأمريكية الجيش المصري إلى “عملاق نائم” . وأضافت الدراسة أن مصر وقعت مع أمريكا في يناير 2018 مذكرة التفاهم (في مجال الأمن والإتصالات) المعروفة بإسم “سيزموا” . وهو ما يلزمها بأن تسمح بدخول عناصر وأفراد من الجيش الأمريكي إلى مرافقها ونظم الإتصالات الخاصة بها . وأشارت الدراسة إلى أن السلطات أخفت توقيعها على هذه الإتفاقية لمدة شهرين خشية ردود فعل سلبية من جانب الجيش . كما أوضحت الدراسة أن مصر رفضت هذه الإتفاقية على مدى 30 سنة . وطبعا واضح أن القيادة الجديدة لا تعتبر إسرائيل عدو ولا تحمي أسرار الجيش المصري من عيون أمريكا راعية إسرائيل . والسؤال هو : إذا كان الجيش المصري لن يحارب عدوه الوحيد في المنطقة فلماذا كل هذه الأسلحة التي إستنزفت الإقتصاد المصري؟

وبالطبع نستطيع معرفة الإجابة برصد الآداء السياسي والعسكري للنظام . وهنا نجد السياسة المصرية تتماهى مع السياسة الجديدة التي تحكم المنطقة العربية الآن ، وتعيد رسم خريطتها حسب أولويات العدو الصهيوني . يأتي ذلك بعد أن داست عجلات الربيع العربي بعض الضحايا فجعلتهم عبرة للباقين . والخريطة الجديدة للمنطقة تكرس الوجود الصهيوني وتحقق مشروعه في بناء إسرائيل التوراتية من النيل إلى الفرات . على أنقاض النظام العربي والدين الإسلامي ، لتتحول بلادنا العربية إلى مدن ومحافظات داخل الإمبراطورية الإسرائيلية المتموضعة في قلب العالم .

  • كسر ممانعة تركيا وإيران

وإذا كان العرب قد قبلوا وخضعوا لإسرائيل الكبرى ، فإن القوى الإسلامية في الإقليم مثل تركيا وإيران ترفض وتقاوم بشدة تمدد إسرائيل لتصل إلى حدود إيران وتقف على باب تركيا وتسجنهما في حدودهما . وتقضي حسابات إسرائيل بتفادي المواجهة العسكرية مع إيران أو تركيا تجنباً لدخول قوى أخرى لحماية مصالحها في الإقليم . وبمجئ السيسي وجدت إسرائيل في الجيش المصري أداة لتنفيذ إستراتيجيتها ، والتي تقضي بمحاصرة دولتي الممانعة إيران وتركيا لإفساح المجال لظهور إسرائيل العظمى . من أجل هذا تم بناء حلفين بحريين في البحرين الأحمر والمتوسط والجيش المصري فيهما معا :

  • مصر والإمارات والسعودية لمحاصرة إيران في البحر الأحمر والخليج .
  • مصر وقبرص واليونان لمحاصرة تركيا في البحر المتوسط .

الجيش المصري في عهد عبد الفتاح السيسي

  • جيش مصر يدشن إسرائيل الكبرى

وهكذا حول عبد الفتاح السيسي جيش مصر إلى تابع إستراتيجي لإسرائيل ، يقوم نيابة عنها بمحاصرة خصومها الإسلاميين ، والإشتباك معهم إذا لزم الأمر لإسكات ممانعتهم للتمدد الإسرائيلي . وبهذا يكون عبد الفتاح قد أنفق عشرات المليارات من الدولارات لتمويل صفقات سلاح لا حاجة لمصر بها ، وإعتصر المصريين وخرب وخرب بيوتهم من أجل بناء جيش يخدم مصالح إسرائيل ويحاصر أعدائها . كي تتمدد بهدوء وأمان لتصبح هي القوى الإقليمية المهيمنة على المنطقة بأكملها . وقد أدى الإنفاق العسكري الضخم إلى وضع مصر على حافة الهاوية ، وجرى تبريره بمبررات مختلفة مثل : مكافحة الإرهاب في سيناء ، حماية حقول الغاز في البحر المتوسط ، حماية نهر النيل . ولا يزال الإرهاب يضرب في سيناء بينما رصاص الجيش المصري لا يصيب إلا الأهالي بزعم أنها أخطاء غير مقصودة . ولم يقم الجيش المصري بتأمين نهر النيل وتركنا نواجه الموت . ويبدو المشهد كما لو أن جيش مصر لم يعد جيشنا بمجئ عبد الفتاح السيسي ، نخلص من هذا إلى نتيجة مؤداها أن السيسي إتبع مع الجيش نفس الأساليب التي يتبعها مع الشعب من صدمات وإعتقال وفصل من الخدمة ، وإنتهى الأمر بإختطاف عبد الفتاح لجيش مصر مثلما تم إختطاف الحكم والدولة من قبل .

وربما كان المشهد شديد القتامة لمن يعولون على الجيش ، وينتظرون منه أن يقوم بإنقاذ الشعب من العميل الصهيوني عبد الفتاح السيسي . والحقيقة التي نعرفها تماما أن الجيش هو من يحتاج الشعب ليخلصه من الإختفاء القسري الذي وقع فيه .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى