الحرب على سوريا والعلاقات الدولية

نظراً لتشابك المشهد السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً منذ الحرب على سوريا ، بدأت منظومات إقليمية ودولية تتشكل وفق مقتضيات المصالح الأمريكية، فالوقائع التي أعقبت الإحتلال الأمريكي للعراق، أظهرت بوضوح تام حقيقة المصالح الغربية في الشرق الأوسط، وتحديداً في سوريا، لتبدأ مراحل الغزو الغربي المُمنهج تظهر جلياً خلال وأثناء الحرب على سوريا.

بدأت إصطفافات التحالف الغربي تتشكل لتعلن ساعة ظهورها الحتمي، والذي بدأ منذ العام 2014 في سوريا، لتنتهج سياسة اشبه بـ سياسة الحرب العالمية الثانية. فالحلفاء اجتمعوا هذه المرة على منطقة الشرق الاوسط، ليُحققوا أمجاد الحروب السابقة، ولكن السنوات التي اعقبت الحروب حملت العديد من التطورات الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية، لذلك لجأت الى حروب الوكالة مع الاحتفاظ بالمبدأ الأساسي لها كدول عظمى كأمريكا وبريطانيا، وإن كانت الاخيرة قد سلمت واشنطن زمام القوة لكنها بقيت المشرف والمساند الاول.

حين ادركت الدول الفاعلة والمؤثرة في الحرب على سوريا، ومن مشهد الناظر للانتصار الكبير للجيش العربي السوري والحليفان الروسي والإيراني، بدأت مهمة النظام التركي تتوضح اكثر فأكثر، فما بين الصعود والهبوط، شكلت الحرب على سوريا ميزاناً للعلاقات الإقليمية والدولية، عبر من يُتقن إدارة السياسات الخارجية والدبلوماسية. فالولايات المتحدة ومع تسلم الرئيس الامريكي دونالد ترامب زعامة البيت الأبيض، ركّز جهوده السياسية والعسكرية لتحويل الشرق الأوسط، إلى بؤرة تنسجم ومُخططات الإدارة الأمريكية، ولتطبيق هذا الأمر واقعاً، لجئ ترامب إلى أدواته في الشرق الأوسط.

تركيا عبر جماعاتها الإرهابية في العمق السوري، لتنفيذ مخططات الحرب الكاملة على المنطقة العربية، ومع التطورات التي شهدها الميدان السوري بين صعود وهبوط، تجلت في انتصارات كبيرة باستعادة المنطقة الوسطى كحمص والشمال كحلب والجنوب كدرعا ودمشق، حيث شكلت هذه المُعطيات منعطفاً كبيراً في الحرب ضد الجماعات التكفيرية الإرهابية المدعومة تركياً وامريكياً.

هنا بدأت القوى الحليفة لسوريا تُحجم اللعبة السياسية التي احيكت لسوريا، فأنتجت تحالفات غير متوقعة مع كثير من الاطراف المشاركة والمراقبة للوضع السوري.

روسيا مثلا استطاعت عبر سياستها أن تحتوي النظام الأردوغاني وحلمه العثماني، لتجعل منه شريكاً في الحل السياسي للازمة السورية، ورغم كمّ الانتهاكات التي كان يرتكبها النظام التركي عبر جماعاته الإرهابية، إلا ان الجانب الروسي كان يستغلها لتغيير قواعد اللعبة في سوريا، لتحقيق ما تم الاتفاق عليه مع القيادة السورية في تحقيق السيادة السورية على كافة أراضيها.

المراقب لمُجريات الاحداث على الساحة السورية، ومع كمّ الدمار والقتل والعمليات الحربية الميدانية التي حصلت، وما تخللته من فبركات عبر استخدام الجيش السوري للأسلحة المحرمة دولياً، وكمّ النازحين واللاجئين السوريين منذ اندلاع الحرب على سوريا، يميل يقينه إلى ان الخسارة واقعة لا محال على الارض السورية، لكن وبعد هذه السنوات التسع، أظهرت الدولة السورية والجيش السوري والحليفان الروسي والإيراني، تفوقهما على الساحتين السياسية والعسكرية في سوريا.

هي تطورات الميدان السوري التي عكست إيجابياتها على الساحات العربية ككل، فالانتصار الذي تشهده سوريا قل نظيره، فكان لابد لـ واشنطن من إحداث فجوة تستطيع بها كسر جماح القوة التي تتمثل بالمقاومة عبر اغتيال قاسم سليماني، لتحدث في الداخل الإيراني و محور المقاومة ككل إنكساراً كبيراً، لأن كل السبل التي انتهجتها واشنطن من حصار اقتصادي لم يردع إيران. وعليه، فهي محاولة امريكية لإحداث بلبلة إقليمية وانقسامات بين الاديان والطوائف داخل المجتمع الاسلامي، حيث تم الاغتيال على أرض العراق، مُنتهزة بذلك عدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة العربية ككل، ولتظهر الوجه المشرف للمقاومة على انه إرهاب.

هذه الاحداث أظهرت مرة اخرى مدى التعاون الكبير بين الحلفاء الروسي والإيراني والسوري، فضلاً عن انضمام حلفاء جدد إلى هذا المحور، وهو نتاج طبيعي ومنطقي لتداعيات الحرب على سوريا، خاصة أن واشنطن باتت في طور التراجع والتقهقر، ولا بد لأدوات واشنطن من البحث عن منظومات استراتيجية متفوقة سياسياً وعسكرياً، لمواجهة التطورات القادمة.

في المحصلة، المعركة في سوريا لم تنتهي، وسوريا وحلفاؤها عازمون على المضي قدماً في مواصلة حركة الحل السياسي، عطفً على أبجديات الحل العسكري، ومع الاستمرار بإنتهاج سياسات رادعة لواشنطن وخُططها في سوريا والمنطقة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى