الحركات التكفيرية.. خارج أيّ سياق إنسانيّ (2/2)

حركات التكفير الإرهابيّة… لا أصل ولا مثيل ولا سابق لها (2/2)

قلنا أن حركات الإرهاب التكفيري لا أصل ولا شبيه ولا سابق لها، وأن التاريخ الإسلامي، رغم ما شهده من صراعات وحروب، لا يشكل مرجعاً لفهم ما تقوم به هذه الحركات، وأن تطور الفكر الإسلامي في مدارسه ومذهبه المتعددة، لا نجد فيه سلفاً له، يمكن أن نحفر في مناحي تفكره للوصول إلى معرفة غرائب ما يجري من تكفير وإرهاب، وانحراف وقتل وفساد وإفساد في الأرض.

قد يعترض كثيرون بالقول أنه في هذا التاريخ من الحروب الداخلية، والاستبداد السلطاني، وفي إنتاج بعض المدارس الفكرية التي انحرفت من عقائد الإسلام ومقاصده، وأخلاقه وآدابه، ما يشكل أصلاً صريحاً، للفكر التكفيري والإرهاب الذي تقوم به جماعات تنسب نفسها إلى الإسلام.

وأكثر من ذلك، إن هذه الحركات تدّعي فيما تدّعي زوراً، أنها تسير على سنّة السلف الصالح عندها وتنقل عنهم روايات وأخبار، وتسير على طريقته في أعمال الحروب وممارسة الحكم، وإنفاذ قواعد الشريعة، ومعاقبة المخالفين وهداية الضالين، أو الإسراع في إرسالهم إلى جهنم، بعد إنزال حكم القتل فيهم، مستندين إلى ما أصله الأسلاف في مسائل مشابهة.

هذا من الناحية الفكرية، من ناحية الممارسات العملية، وإدارة حياة الناس، فإن مرجعية هذه الحركات يمكن أن نجد مثيلاتها في حكم الأمويين والعباسيين والمماليك، والعثمانيين، وأن الثورات الإسلامية على الحكم الأموي وأهمها ثورة الإمام الحسين (ع) ومن بعده ثورة حفيده زيد بن علي، وثورات عديدة كانت في مواجهة سلطات ظالمة، أمعنت في ممارسة أشكال تقترب من اتجاهات التكفير والإرهاب المعاصرة، وعليه هل تكون هذه الأفكار الفاسدة والسلطات الظالمة مرجعاً معتبراً وسلفاً لحركات التكفير والإرهاب المعاصرة.

أقول، أنه وعلى الرغم من وجاهة قول المعترضين، وانساب الفساد والظلم المبثوثة، في مطارح خفيّة من حركة التاريخ الإسلامي، فإن الحركات التكفيريّة الإرهابية، لا أصل ولا سلف لها في الإسلام.

كيف نثبت ذلك مرة أخرى؟

من الواضح الذي لا يحتاج إلى بيان أن هذه الحركات ليس لها علاقة على الإطلاق بالمذاهب الأربعة عند أهل السنة، الحنفية، والحنبلية، والشافعية، والمالكية، لا هي منهم ولا هم منها، أقول ذلك وفق النظر العقلي الذي أستند إليه، كمشتغل في الفلسفة العامة والفلسفة الإسلامية. يدعي أصحاب الإرهاب والتكفير انتماءهم إلى أهل السنّة، ولكنهم وفق النظر العقلي السليم، هم أبعد ما يكون عن أهل السنّة، وعن المذاهب الإسلامية السنيّة المعتبرة، إضافة على الوجه اليقيني والذي لا يحتاج إلى دليل أنهم أبعد ما يكون عن المذاهب الإسلامية الأخرى، من المسلمين الشيعة أو التيارات الإسلامية القريبة من ما يمكن تسميته المعتزلة الجدد من التنويريين والعقلانيين…وكذلك الصوفية.

عادة ما تستخدم العامة مصطلح “خوارج العصر” ناسبة هؤلاء التكفيريين الإرهابيين إلى فرقة الخوارج، وعند النظر في هذا القياس غير الدقيق في مجمله أذكر ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن الخوارج، “لا تقاتلوا الخوارج من بعدي، فإن من طلب الحق فأخطأه ليس مثل من طلب الباطل فأصابه”. حتى الخوارج لو كانوا في هذا العصر، لرفعوا سيوفهم في وجه حركات الإرهاب والتكفير.

لماذا أذهب إلى أبعد ما يمكن في هذا الرأي؟

أقول، تأمل في تطور حركة الفساد والإفساد في الأرض، أو تفاقم مستوى البشر، تجد أن هذا النمو ذو الطابع السلبي يحسب في حساب الطرد السالب وعليه يكون (5-) أكبر من (10-) – لأنه عد تنازلي إن، ولكن في حساب الطرد الإيجابي تكون (10+) أعلى من (5+) ما الذي يعنيه ذلك هو التالي:

الشر عدم محض، وهذا النوع من الوجود يقوم على حساب وجود الشر. لأن الشر عدم محض على ما ذكرت، وفيه تكون نسبة (10-) أقل (خيرية) من نسبة (5 –أنه نمو في مستوى الشر، نزول إلى جحيم أسفل مراتب الوجود المعنوي. وعليه لو كان لهؤلاء أصلاً، فإن مقالاتهم في الإيغال على طريق الشر، تبعدهم عن كل مواطن أخرى، لأن الشر لا تمسكه وحدة، ولا يستقر له حال أو مكان. هؤلاء في غلوّهم وإيغالهم بالفساد والإفساد في الأرض وصلوا إلى مواطن سافلة أكثر ظلاماً، لا حق ولا حقيقة ولا نور فيها ولا أصل لها، وما شمت رائحة الوجود… فتأمّل.

د. طراد حمادة | العهد

لقرائة الجزء الأول

اضغط هنا

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى