الحريرية السياسية تدفع جعجع لترشيح عون و تضربٌ وحدة 14 آذار

شكلت الصورة الجديدة التي برزت على الساحة اللبنانية أمس والتي جمعت العماد “ميشال عون” ورئيس حزب القوات اللبنانية “سمير جعجع”، صفحةً جديدة في السياسة اللبنانية.

الوقتولعل قراءة الحدث لا يجب أن تكون مفصولةً عن التاريخ الذي سبقه. فالأحداث مرتبطة، وما حصل بالأمس يعتبر نتيجةً للكثير من الترسبات السياسية العالقة لا سيما بين مكونات 14 آذار وتحديداً بين القوات اللبنانية وتيار المستقبل. فكيف يمكن توصيف الحدث اللبناني؟ وما هي أسبابه ودلالاته السياسية؟

توصيف المشهد بدقة:

عاد العماد “ميشال عون” المرشح الرئيسي على الساحة اللبنانية لمنصب رئاسة الجمهورية. ولعل ما قام به بالأمس رئيس القوات اللبنانية “سمير جعجع”، محاولةُ لإظهار نفسه أحد المُتحكمين بمجريات الساحة المسيحية، لا سيما بعد أن أدرك “جعجع” أنه أبعد ما يكون عن الرئاسة. لذلك قرَّر العمل بعيداً عن التحالفات التي طالما كانت تُقيده، لا سيما من حليفه اللبناني تيار المستقبل، وبالتالي فك ارتباطه الوثيق بحليفه الإقليمي السعودية.

ولعل القول بأن “جعجع” نجح هذه المرة في قراءة الواقع الإقليمي، هو توصيفٌ صحيح للخطوة التي قام بها. فالرياض أصبحت في حالة الطرف الواقع ضمن ردات الفعل السياسية في المنطقة وليست طرفاً فاعلاً. وهو الأمر الذي شجع “جعجع” على اغتنام الفرصة، ومحاولة تغيير المشهد الذي طغى على السنوات العشر الأخيرة للقوات اللبنانية، والتي جعلت حزب القوات طرفاً مُهمشاً لأسبابٍ سنشرحها في الفقرة التالية.

أما على صعيد الجنرال “عون”، فقد حصل الرجل على حلفٍ جديدٍ كان فيما سبق من الأيام شبه مستحيل. ولعل الرجل الذي استطاع التقارب مع حزب الله اللبناني مُخترقاً الإصطفافات الطائفية التي تتميز بها الساحة اللبنانية، لم يجد صعوبة في التقارب مع طرفٍ مسيحيٍ كان خصم الأمس، فيما تجمعه به مصلحة المسيحيين الكبرى.

إذن يمكن القول أن المشهد الدقيق الذي رأيناه أمس، كان لأسبابٍ عديدة، أهمها على الصعيد العام، محاولة تهميش المكون اللبناني المسيحي منذ 2005. فيما يمكن تحديد العديد من الأسباب التفصيلية والتي سنذكرها تالياً.

قراءة في الأسباب والدلالات:

لا شك أن طرح الأسباب يحتاج لرؤيةٍ شاملة للواقع اللبناني. ولعل المتابع لخفايا السياسة اللبنانية، يعرف حقيقة الواقع اللبناني. وهنا نقول التالي:

منذ سنوات والعلاقة بين أطراف 14 آذار علاقة يمكن وصفها بوليدة المصالح السياسية. فلا يوجد ما يجمع أهم حزبين في هذا الحلف وهما القوات اللبنانية وتيار المستقبل، إلا المصالح السياسية. وهنا فإن البعض يمكن أن يقولوا أن السياسة مصالح، لكن الكثير من التحالفات يمكن أن تقوم على المصالح التي تنطلق من التقارب المبدئي. وهو الأمر الذي يفتقد له حلف المستقبل والقوات.

فقد جرت العادة وتحديداً في السنوات العشر الأخيرة أن يكون تيار المستقبل حاجةً للقوات اللبنانية، لا سيما على الصعيد الإنتخابي. وهو الأمر الذي بدا واضحاً، من خلال العلاقة التي جمعت “الحريري” و”جعجع” طول تلك الفترة. لكن الأمر الأهم هو أن الكثير من الخطوات التي قام بها “الحريري”، لم تكن تنُمُّ عن إيمان حقيقيٍ منه بالحليف المسيحي. بل إنه وفي كثيرٍ من الأحيان قام ببيع حلفائه ومنهم القوات من أجل مصالحه السياسية. وهو الأمر الذي جعل “جعجع” يُقدِّر نموذج التعاطي السياسي لحزب الله، والذي وصفه بأنه لا يبيع حليفه السياسي في إشارة الى إلتزام الحزب بترشيح العماد “عون” للرئاسة.

ومن هذا المنطلق، فإن الخطوة الأخيرة التي قام بها الرئيس “الحريري” بترشيحه الوزير “سليمان فرنجية” للرئاسة، في محاولةٍ لتحضير الأرضية لنفسه فقط، من أجل العودة الى الساحة السياسية اللبنانية، لم تلقَ أي ترحيبٍ أو تجاوبٍ إيجابيٍ من الحليف المسيحي أي القوات. خصوصاً أنه كان آخر العارفين بما يجري في الصالونات المغلقة، ناهيك عن عدم التفات تيار المستقبل لحساسية العلاقة بين الطرفين “جعجع” و”فرنجية”.

من هنا فإن خطوة “الحريري” والتي باع فيها تحالفه مع القوات، وضرب وحدة 14 آذار، كانت السبب الأساسي الذي جعل زعيم القوات المسيحي، يخطو نحو الخصوم السياسيين، من أجل البحث عن إعادة تموضعٍ سياسي. وبالتالي نجح “جعجع” في تأمين شبه الإجماع المسيحي على العماد “عون” كمرشحٍ للرئاسة، الأمر الذي يحرج “الحريري” سياسياً.

من جهةٍ أخرى استطاع “جعجع” الخروج من الحاجة الضرورية للرياض. فقد استغنى عن حاجته للحريري اليوم، بتحالفه مع العماد عون. لتصبح الأرضية التي خسرها “جعجع” من حليفه المستقبلي، مؤمنة من حليفه المسيحي الجديد. وبالتالي فقد أصبح “جعجع” حاجةً للحريري، لتنقلب المعادلة السابقة.

إذن وبموضوعية، أعاد “سمير جعجع” لنفسه بعضاً من الإعتبار الذي أفقدته إياه الحريرية السياسية. فيما أكمل “جعجع” على فريق 14 آذار، بضربةٍ قاضية كانت أقوى من ضربة “الحريري”. لنقول أن المسيحيين استطاعوا تحقيق المشهد الوحدوي الذي طالما حلموا به. فيما ينتظر الجميع مواقف الأطراف الأخرى على الساحة المسيحية اللبنانية لا سيما الكتائب وتيار المردة الى جانب البطريركية المارونية. ولعل الجميع يؤمن بأن الترحيب بالتقارب بين الأفرقاء المسيحيين سيكون اللغة الطاغية على الخطاب السياسي اللبناني حالياً. فيما سينتظر الجميع وضوح المشهد بكل أبعاده على الساحة اللبنانية كافة.

يمكن القول أن تسوية “الحريري” أصبحت من الماضي أو على الأغلب مُجمدة. فقد حصل المحظور ورشَّحت القوات اللبنانية خصم البارحة “عون” للرئاسة، فيما يمكن التأكيد على أن مستقبل الأيام وحده سيحدد مصير الملف الرئاسي. فالأمر رهن الإصطفافات السياسية التي سيُنتجها هذا الحلف الجديد.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى