الحريري متوتّر: حسابات القصير لم تطابق بيدر 14 آذار

من التقى الحريري بعد معركة القصير عاد بانطباع واحد : الرجل في أقصى حالات توتره

الرئيس سعد الحريري متوتّر. لا الرياضة تريح أعصابه ولا الحبوب المهدئة. أبواب بيته السعودي مقفلة أمام المشكوك في تحفّظهم الشديد عن نقل ما يدور خلفها. كلما ظنّ الرجل أنه يقترب من تحقيق انتصار، تراجع عشرات الخطوات. من أقنعه بربط مصيره وتياره السياسي بمصير النظام السوريّ؟ من أقنعه بقبول تأجيل الانتخابات للفوز غداً بما يعجز عن الظفر به اليوم؟ يواجه الحريري حزب الله متكلاً على حليف لا يضاهى في العمى الاستراتيجيّ.

ينقل أحد أصدقاء من زاروا رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، أخيراً، أن الزائر تجنّب إثارة الملف الذي ذهب الى المملكة العربية السعودية للبحث فيه مع الحريري. بدا الحريري، بحسب المصدر، متوتّراً وعصبيّاً الى حدّ كبير، بسبب تطورات الأوضاع منذ سقوط القصير في الخامس من الشهر الجاري. والسبب أن بين حلفاء رئيس الحكومة السابق واحداً فائق الذكاء الاستراتيجي أقنعه بوجوب التمديد للمجلس النيابي لأن الأحداث الميدانية تسير في سوريا لمصلحة المستقبل وحلفائه بما يمكّنهم، بعد عام ونصف عام، من الفوز بمقاعد لا يحلمون اليوم بترشيح أحد اليها، ليس في دوائر جبل لبنان فحسب، وإنما في بعلبك والهرمل والزهراني وبنت جبيل أيضاً.

كان الحريري، مستنداً الى تقديرات الحليف التي لم تصب يوماً، مقتنعاً بنظرية «مستنقع القصير» التي سيغرق حزب الله فيها وتستنزف النظام السوري كما كان يردّد نوابه في مقابلاتهم التلفزيونية. ولكن، لم يكد رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة يقود، بتوجيه من الحريري، كتلته إلى التمديد، حتى حصل ما لم يكن متوقعاً في حسابات أول «طالب لجوء سياسي» إلى السعودية: سقط المعقل الذي كان يفترض بأبناء النائب خالد ضاهر العقائديين أن ينطلقوا منه إلى حمص ودمشق لإرساء معادلة ميدانية جديدة. كان الحريري يعلم أن الأمور لم تعد إلى النقطة الصفر كما حاول بعض المحيطين به الإيحاء، بل إلى ما دون الصفر. أيقن زعيم تيار المستقبل أن ضرب نقطة ارتكاز فريقه السياسي في القصير، لا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه: الفارق بين سيطرة النظام السوري على مدنه اليوم وسيطرته الشكلية عليها قبل عامين، أنه كان فوق الأرض فيما المسلحون تحتها. أما اليوم فهو فوقها وتحتها، فيما المسلحون في السماء.

من التقى الحريري بعد «تحرير القصير من قبضة المسلحين» عاد بانطباع واحد: الرجل في أقصى حالات توتره. لو أجريت الانتخابات في موعدها، كان سيستفيد من التعبئة ضد التدخل العلني لحزب الله في سوريا، محاولاً الحفاظ على موازين القوى النيابية القائمة اليوم. أما تأجيلها، في ظل تهاوي معاقل أنصاره بالسرعة التي انهزموا فيها في القصير، فيعني أن الحزب سيجد المتسع الكافي من الوقت قبيل الانتخابات المقبلة لفعل ما لم يفعله محلياً من قبل، خصوصاً أن معطيات إعلامية وميدانية تؤكد تجاوز الحزب لحساباته المعقدة في ما يخص تفادي الفتنة السنية ــ الشيعية، وطريقة تعامله مع رهان كثيرين على رهابه من هذه الفتنة، وتغييره استراتيجيته. لكن الغريب أن «الاكتشافات» الحريرية، سواء المتعلقة بحزب الله أو بالتطورات السورية الميدانية التي تسير جميعها لمصلحة النظام، لا ينجم عنها تغيير في طريقة عمل تيار المستقبل.

فعلياً، ثمة فريق، يضمّ حزب الله والتيار الوطني الحر بشكل رئيسي، تعلّم من أخطائه السابقة الكثيرة، يقابله فريق يكتفي بترك المتغيرات الإقليمية تتلاعب به رغم دفعه مرة تلو المرة ثمناً باهظاً لهذه المتغيرات. فبدل استعادة تيار المستقبل سيطرته على مناطق نفوذه، اتهم إعلامه أمس النظام السوري بارتكاب جريمة عرسال. ويتوقع السنيورة أن يصفق الحاضرون في ندوته الأخيرة في البيال له حين يقول إن حزب الله يغذّي الجماعات المسلحة هنا وهناك. ولا يوضح منسق التيار أحمد الحريري هوية «الأيادي» التي يتحدث عنها حين يقول إن «أيادي خبيثة تلعب في عرسال وطرابلس وبيروت والإقليم وصيدا والعرقوب، وتسعى لنقل الفتنة السنية ــ الشيعية الى لبنان». يُنزل المسلحون في مناطق نفوذ المستقبل ما ينزلونه باستقرار تلك المناطق واقتصادها، ولا يفعل تيار المستقبل (في طرابلس مثلاً) أكثر من إزاحة ستارة عن نصب تذكاري للرئيس رفيق الحريري في إحدى ساحات المينا.

يبكي السنيورة على القصير ليس بوصفها معقل التكفيريين السوريين واللبنانيين والأفغان العرب والشيشانيين وكل المسلحين الذين تمكنوا من الوصول إليها للانطلاق إلى دمشق وحمص، وإنما بوصفها مدينة عربية سقطت في يد حزب الله. وفي جدول أعمال السنيورة بند وحيد هذه الأيام: عقد ندوات تثقيفية لإقناع جمهور المستقبل بأن ما ورد في «الإبراء المستحيل» العوني مجرد افتراء عليه. إنجاز تيار المستقبل التنظيمي أخيراً كان تكريم قطاع التربية والتعليم فيه منسقته في بيروت سيبال شميطلي لمناسبة مغادرتها لبنان أو تفضيلها الهجرة، في اليوم نفسه الذي كان الأمين العام للتيار أحمد الحريري فيه يرى بأن «سر أبيه» سيعود عندما تسنح الظروف ليعيد البلد إلى ما كان عليه أيام والده، وفي اعتقاده أن ذلك أمر عظيم يتشوّق له اللبنانيون. والأمين العام ينشغل منذ أسبوعين بتنظيم لقاءات تعارفية لناشطي المستقبل، كما تؤكد بيانات التيار الإعلامية، مؤكداً بذلك أن الانقطاع الطويل عن العمل أدى إلى تباعد الناشطين بحيث ما عادوا يعرفون بعضهم بعضاً.

توتر الحريري لا يقابله تعديل في خططه، خلافاً لخصومه. في أوساط حلفاء حزب الله الذين ساءهم تأجيل موعد الانتخابات، مشكّكين بإيجاد لحظة سياسية أكثر مناسبة لإجراء الانتخابات من اللحظة الآنية، يكتشفون أنهم كانوا على خطأ. ثمة فريق سياسي لا يكفّ عن الخسارة بحكم رهاناته الاقليمية منذ عام 2005، يقابله فريق سياسي لا يكف عن تضييع انتصاراته. مشكلة الحريري الرئيسية اليوم أن خصومه يظهرون تحولاً كبيراً على صعيد التعلم من أخطائهم، واحتراماً شديداً لإصراره على ربط مصيره ومستقبل تياره السياسي بمصير المسلحين بالحليب المقاتلين في سوريا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى