الحملة الصليبية التي تمكنت من مصر 1997

منذ زمان بعيد في بلاد فارس كانت العادة إذا مات الملك أن يترك الناس خمسة أيام بدون ملك ولا قانون ، بحيث تعم الفوضى والإضطراب أنحاء البلاد . وكان الهدف من ذلك هو أنه بنهاية الأيام الخمسة ، وبعد أن يصل السلب والنهب والقتل والإغتصاب إلى أقصى مدى ، فإن من يبقى حياً بعد هذه الفوضى الطاحنة ، سوف يكون لديه ولاءً حقيقياً وصادقاً للملك الجديد ، وسيدعون الله ليل نهار بأن يمد في عمره ، وأن يجعل موته قبل موت الملك . وهذه مجرد عينة من الطغيان الذي ساد شرق الكرة الأرضية منذ آلاف السنين ، وجعل هيجل يقول عن أحد شعوبها ” إن الشعب الصيني لديه فكرة سيئة جدا عن نفسه ، فهو يظن أنه ما خُلق إلا ليجر عربة الإمبراطور” .

الحملة الصليبية التي تمكنت من مصر 1997
الحملة الصليبية التي تمكنت من مصر 1997

وفي كتابه”الجمهورية” يقول أفلاطون : “إن ظهور الطاغية يرتبط بوجود حالة من الفوضى أو التسيب في الدولة ، بحيث يكون هو المنقذ الذي يعيد النظام والأمن والإستقرار” . ويقول أندروز في كتابه طغاة الإغريق : “إنهم كانوا يظهرون في فترات الأزمات بحيث يكون المبرر العام هو التوترات الداخلية أو الضغوط الخارجية ، وعندما يحكم يكون هو نفسه كارثة أسوأ من الكارثة التي جاء ليعالجها ” .

  • من هو الطاغية :

هو حاكم يصل إلى الحكم بطريق غير مشروع كالمؤمرات و الإنقلابات و الإغتيالات ، وبإختصار فهو لم يكن ليحكم لو سارت الأمور بشكل طبيعي . وعادة ما يقفز إلى منصة الحكم بأسلوب غير شرعي سواء بإرغام الناس أو بخداعهم ، وبسبب هذا فهو يتحكم في شئون الناس بإرادته هو لا بإرادتهم هم . ويحاكمهم بهواه وليس بقانون أو شريعة . ويعلم عن نفسه أنه الغاصب والمعتدي فيكمم الأفواه ، وهو لايعترف بقانون أو دستور بل تصبح إرادته هي القانون ، وعلى الشعب السمع والطاعة . ويسخر كل موارد البلاد لإشباع رغباته وملذاته ومتعه ، وهو لايخضع لأي محاسبة أو مساءلة أو رقابة من أي نوع . ويقترب الطاغية من تأليه نفسه ، فهو يرهب الناس بالتعالي والتعاظم ويذلهم بالقهر والقوة ، وسلب المال حتى لا يجدوا إلا التزلف له وتملقه ، وليس للطاغية قيم أخلاقية يحافظ عليها ، فلا وفاء بوعد ولا كلمة شرف .

والتنظيم السياسي المفضل من الطاغية هو التنظيم الشمولي ، والشمولية تعني إذابة جميع الأفراد والمؤسسات والجماعات في شخصه . وهو ما عبر عنه موسوليني بقوله : “الكل في الدولة ، ولا قيمة لشئ إنساني أو روحي خارج الدولة” علما بأنه هو نفسه الدولة ، فهو يقدس الدولة ويجعل من نفسه الكاهن الأعظم الذي يرعى قداستها ويفسر رغبة جلالتها ويترجم إرادتها السامية .

وعليه فالدولة الشمولية كتلة واحدة لا تقبل بمبدأ الفصل بين السلطات ، ولا بأي شكل من أشكال الديمقراطية ، وأي معارضة لهذا الكل يتم تحطيمها فورا ، فلا رأي ولا تنظيم إلا الدولة . ويلجأ الطاغية لمخاطبة مشاعر الناس وليس عقولهم ، فيكتسب التأييد من خلال تعطيل العقل وإلهاب المشاعر وإثارة الناس .

ويواصل أفلاطون في كتابه الجمهورية : “إن الطاغية يبدأ حكمه بالتقرب من الناس ، ويتواضع ويتباسط ويستنكر الطغيان ويجزل الوعود ، ويتصنع الطيبة والود مع الجميع (كأن يقول للجماهير أنهم نور عينيه) ، وفي الوقت ذاته يعمل على تكوين حرسه وجيوشه التي تلتف حوله وتؤمن وجوده . وبعدها يبدأ في التخلص من المحيطين به ويظهر وجهه الكريه للشعب ، ويبدد ثروة البلاد ويزيد من الضرائب لينشغل المواطن طوال يومه بكسب نفقاته المعيشية ولا يتبقى له وقت لمناقشة الأمور العامة . وعندما يستتب له الحكم فإنه لا يجد غضاضة في سفك دماء أهله ، ويسوقهم للمحاكمة بتهم باطلة فهو لا يعرف قضاء ولا يحترم القانون ، وبهذا يتحول الطاغية إلى ذئب ” . – وأفلاطون يعتمد هنا على أسطورة يونانية تقول أن المرء إذا أكل لحم أخيه الإنسان تحول إلى ذئب ، والمؤسف لدينا في مصر أن طاغيتنا يأكل لحم أخيه الإنسان من خلال منصة القضاء . حيث حول السلطة الثالثة في البلاد إلي تابع للأجهزة الأمنية تُعلي تقاريرها على الأدلة ، وتوجه التهمة والعقوبة التي يأمر بها الأمن . وبهذا فإن عبد الفتاح لم يتورع عن تحويل القضاء إلى عبدٍ مأمور ، أو بمعنى أخر فقد حول القضاء المصري إلى “زكي قدره” بتاع الأمن الوطني :

  • إعدم يا زكي .. يعدم زكي
  • إسجن يا زكي .. يسجن زكي

وأتحدى من يقول أن هذا أمرا إستثنائيا سينتهي قريبا فلم يحدث أبدا أن تنازل نظام طواعية عن إحدي السلطات التي إغتصبها . وما يزيد الأمر خطورة أن هناك حملة صليبية تمكنت من مصر منذ أواخر القرن الماضي ، وما نحن على يقين منه أن هذه القوى قد إنعقدت لها القيادة والسيطرة في البلاد منذ 23 سنة بالضبط . وعندما حاول عبد الفتاح السيسي وولده محمود إنتزاع القيادة والسيطرة منها ظهر المقاول محمد علي ليهز الحكم بعنف . وهذه القوى هي من تقوم الآن بتصفية المعارضة الدينية .

ونعود إلى أفلاطون الذي يواصل وصف حالنا فيقول : “والطاغية دائم الغدر حتى بالمقربين منه ، وهو في حرب دائمة مع الجميع وهو يستهدف كل من يرفض منافقته وكل شريف و نزيه وصاحب فضيلة أو فكر وكل وطني حر ، وبهذا فهو بإستمرار يخلص الوطن من أجمل وأرقى ما فيه . وهذا الآداء يثير مزيدا من الكراهية والسخط في نفوس مواطنيه ، فيزيد الطاغية من حراسه ويغدق عليهم الأموال . كما يقرب الكتاب والشعراء منه ويمنحهم المكافآت ليمدحونه . والطاغية يصل بالدولة إلى الإفلاس حتى لو كانت تملك الكنوز “.

غير أن أفلاطون يتنبأ بأن الشعب سيدرك مدى الكارثة التي جلبها لنفسه يوم ساند الطاغية وإرتضى حكمه : ” إن الشعب سيدرك بحق مدى الحماقة التي إرتكبها حين أنجب مثل هذا المخلوق و رعاه و رباه حتى إستعبدهم وأصبح غير قابل للعزل “. والطاغية مجنون ومتطرف وهمجي لا يتورع عن قتل والديه ، وهو شخصية بهيمية كما يقول أفلاطون فيسميه الحيوان الأكبر . ومثل هذه الشخصية تختار أصدقاء و معاونين يكونوا بنفس مستوى الإنحطاط والتدني ، فيسرقون ويرتشون وينهبون المال العام تحت حماية حيوانهم الأكبر . ويوضح أفلاطون أن الطاغية ليس لديه سلوك وسطي فهو متطرف دائما فبدون السلطة يكون عبدا ذليلا ، وإذا إمتلك السلطة تحول إلى ذئب وأظهر تعطشه للدماء وكشف عن نفسه الوضيعة .

  • كيف يحتفظ الطاغية بالسلطة :

يقول أرسطو في كتابه السياسة أن الطاغية يحتفظ بالسلطة بوسائل معروفة يتوارثها الطغاة وهي :

  1. تدمير الروح المعنوية للمواطنين (كأن يقول للجماهير أنهم فقرا أوي .. فقرا أوي) كما يزرع الشك بينهم ويجعلهم عاجزين عن فعل شئ . ويحرص الطاغية على تعويد الناس على الخسة والوضاعة ، والعيش بلا كرامة ، بحيث يسهل عليهم أن يعتادوا الذل والهوان .
  2. القضاء على البارزين من الرجال وأصحاب العقول الناضجة ، وإستئصال كل من يحاول رفع رأسه .
  3. منع الإجتماعات والنوادي وحظر التعليم و التحقير من شأنه (كأن يقول للناس : ح يعمل إيه التعليم في وطن ضايع) وهو يحجب كل ما يعمل على تنوير النفوس أو بث الشجاعة والأمل والثقة بالنفس .
  4. إتخاذ كافة السبل التي تغرس في المواطن شعورا بأنه غريبا في بلده أي قطع الحبل الصري بين المواطن ووطنه . وجميع هذه الأساليب مصدرها البرابرة وفارس القديمة .
  5. زرع الخوف من إنتقاد النظام وإجبار الناس على كتم آرائهم بداخلهم ليشعروا بالقهر .
  6. إفقار شعبه لينشغل بالبحث عن ما يسد به رمقه

ثم يذكر أرسطو صفات الطاغية فيقول أنه لا يعرف ولا يستخدم إلا الفاسدين من البشر ، وهو ينتشي بنفاقهم وتملقهم له ، وهو لايحب رجلا ذا كرامة أو رجلا شريفا أو صاحب شخصية مستقلة و روحا عالية لآن الطاغية يدعي أنه يحتكر لنفسه هذه الصفات (مثل قوله لعنه الله : أنا صادق أوي وشريف أوي وآمين أوي) . وعادة يفضل صحبة الأجانب والغرباء على صحبة مواطنيه ، ذلك أن الغرباء لا خطر منهم بينما المواطن عدو له ” . ويعود أرسطو ليلخص هذه الأساليب في 3 غايات قديمة قدم الشر كما يقول :

  • الغاية الأولى ــ تدمير روح المواطن لأن المواطن الذليل لن يثور عليه أبدا .
  • الغاية الثانية ــ التفريق بين المواطنين لأن الثورة عليه تحتاج تكاتف الشعب كله ، وكذلك مطاردة الأخيار من الناس لأنهم خطر عليه من ناحيتين اولهما أنهم يأنفون من أن يحكموا كما يحكم العبيد ، وثانيهما إنهم يثقون في بعضهم البعض ولا يشي أحدهم بما قاله الأخر .
  • الغاية الثالثة ــ يحرص الطاغية على جعل مواطنيه عاجزين عجزا تاما عن فعل أي شئ فيصبح خلعه ضربا من المستحيل .

ويختتم أرسطو بأن الطاغية يحرص دائما على إظهار أنه محتفظا بالسلطة رغم أنف الجماهير وليس برضائهم لأن تنازله عن هذا الغصب يعني تنازله عن الطغيان ” . وهو ما قاله السيسي بكل صراحة ووقاحة ، ثم نفذه بإنتخابات وهمية إختار فيها منافسه وهو مواطن يدعى / موسى مسخره موسى .

وفي النهاية فإن محاولة إستعباد الشعب محاولة مجنونة لا تصدر إلا عن صعلوك موتور فقد توازنه أمام السلطة ، فالمحاولة شديدة الخطورة عليه وعلى أسرته وملئه وعصابة اللصوص التي يحيط نفسه بها . فالسلطان كراكب أسد يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب حسبما يقول الإمام جعفر الصادق (ع) ، وعندما يغضب الشعب ويهب ليثأر لكرامته فإنها لحظات بشعة سجل التاريخ أهوالها من قبل ، وأورد تجارب لشعوب إفترست طاغيتها الذي حاول كسر إرادتها وإنا لمنتظرون .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى