الخلافة الإسلامية الحديثة

يحلم كثيرين في العالم الإسلامي بإعادة التاريخ إلى الوراء لتعود إليهم الخلافة الإسلامية ممثلة في الدولة العثمانية . وإذا كان من حق الجمهور أن يحلم وأن يعيش أوهامه ، إلا أنه لا يحق لدولة أن تستسلم كالمراهقين لأحلام اليقظة . وهو ما تفعله حاليا الدولة التركية بقيادة أردوغان و دولة الملالي في إيران . فلا يليق بمن يصنع التاريخ أن يتوهم أن بمقدوره السفر في الزمان وإعادة مجده القديم ، فالتاريخ يقطع بأن الدول مثل الأفراد تولد ثم تقوى وتزدهر ثم تموت . وأن تداول الأيام بين الناس هو سنة الله في خلقه منذ نشأة المجتمعات والدول وحتى الأن . وأنه لا توجد إمبراطورية أفلت ثم عادت ، كما لا يوجد إنسان مات ثم عاد للحياة .

الخلافة الإسلامية الحديثة

  • تركيا وإيران في قلب الخطر :

وفي الوقت الذي نخشى فيه على تركيا وإيران من الحملة الصليبية الحالية ، والتي تستهدف تفكيك الدول الإسلامية تتوجه القيادة في البلدين إلى مهمة أخرى غير إنقاذ نفسها ، وهي مهمة بعث الميت من مرقده في كتب التاريخ . والأمر يشبه بالضبط حالة جماعة الإخوان المسلمين حين خاضت في شرك كانت فيه السلطة هي الطُعم الذي يجلب الفريسة ، وبينما هي في قلب الخطر كان منتسبيها يقولون أنهم في زمن التمكين .

وتبدأ القصة بتلاعب الولايات المتحدة الأمريكية بالحالمين بإعادة مجدهم القديم فأسالت لعابهم بتفكيك عدة دول عربية ، بل وتصعيد التيار الإسلامي في معظم هذه البلاد ، ثم إفشاله وإثارة الناس ضده . ثم توسيع نطاق الحرب على الإسلام لتنتقل إلى داخل هذه الدول ، من خلال الخلط بين الإسلام السياسي والدين الإسلامي نفسه ، معتبرة أن الناس أنما رفضت الدين الإسلامي برفضها لحكم التيار الإسلامي .

وتستهدف أمريكا التخلص من الأسلام نهائيا حتى 2030 حيث هو على رأس أولوياتها في تصفية الحضارات : الإسلامية – الصينية – اليابانية – الهندية – الغربية – الإفريقية – أمريكا الاتينية .

وخلال العقد القادم ستشعل أمريكا محرقة إثنية في وسط آسيا لإغراق الدول الإسلامية في فوضى عارمة تقضى عليها نهائيا ، وستصل كرة اللهب إلى روسيا و الصين . ولحين بلوغ هذه اللحظة تحرص أمريكا على تقييد الجميع عن الحركة والمناورة لتفادي هذا المصير ، وذلك من خلال العقوبات التي تفرض من آن لأخر على روسيا أو إيران أوالصين . وتحرص أيضا على عزل تركيا وإيران وسجنهما في حدودهما .

في هذا الخضم الشرس وأمواجه المتلاطمة التي أزالت دولاً بأكملها من خريطة العالم تصرفت تركيا وإيران بنوع من الطيش والخفة السياسية . وكلتاهما سال لعابها وهي ترى الفرائس العربية تسقط واحدة تلو الأخرى ، وعاشت لحظة من الهوس الإمبراطوري ، وراحت تمد نفوذها إلى هذه الفرائس وتنسى في غمرة النشوة الإمبراطورية أنها تلقفت هذه الفرائس من تحت خط الإنتاج الأمريكي . وأن الكلب الصهيوني على وشك أن يأتي لإلتقاطها ليعيد رصها فيشكل منها إسرائيل الكبرى .

وفي هذه اللحظات العصيبة وأمام هذا الخطر الوجودي ، تعيش بعض الجماهير من السنة والشيعة على السواء حلمها الإمبراطوري تأثرا بما تنتجه الدولتين من تصريحات عن قرب عودة الماضي التليد.

وأمام عبثية هذا الطرح نجد أنفسنا مطالبين كأهل ذكر بتشريح الجثة التاريخية المسماة بالخلافة العثمانية .

  • الخلافة شكل قديم لدولة إستعمارية :

وبداية فقد كانت دولة إمبراطورية رأسها تركيا وتبسط نفوذها على محيطها كله في آسيا وإفريقيا وأوروبا . وبإستثناء حالات قليلة كالإمبراطورية الأمريكية فإن الدولة لا تتحول لإمبراطورية إلا من خلال إستعمارها لعدة دول ، فتعتصر خيرات الأرض وطاقات البشر ليصب العائد في دولة المركز . فتضاعف ميزانية البحث العلمي والتعليم إلى جانب ميزانية هائلة لأجهزة الأمن والمخابرات والجيوش لممارسة الغزو والإستعمار . وطبعا هذا إلإنفاق الحكومي الهائل إنما يعود على مواطنيها هي في المركز . وهكذا فإن الشكل الإمبراطوري هو حتما شكلا إستعماريا يمتص دم الشعوب في كل الدول المستعمرة لصالح دولة المركز . و لا يتبقى للمسحوقين في المستعمرات إلا أن يفخروا بدولتهم العظمى وهم يتضورون جوعا ، وهذا هو ما أنهى الإمبراطورية السوفيتية . وهو يشبه ما يقوله عبد الفتاح السيسي و زبانيته من أن المواطن عليه ألا يأكل وأن يكتفي بوجود الدولة نفسها وعدم تفسخها مثل سوريا والعراق . هذا عن نصيب المواطن من إقتصاد الخلافة ، أما عن الحياة الإجتماعية والسياسية ، فشعوب المستعمرات تتحول إلى بشر من الدرجة ثانية وكذلك ثقافتهم ولغتهم وعاداتهم (سلطات الإستعمار العثماني جعلت اللغة العربية في المرتبة الثالثة بعد التركية والفارسية) كما أن سكان المستعمرات يسند إليهم الأعمال المتدنية والحقيرة ولا يحكمون أنفسهم أبداً . فهم مثل الصبية يحتاجون إلى وصي أو كالمجانين بحاجة إلى قيم عليهم . وعادة يهمل المستعمر التعليم حتى لا ينتج علماء وسياسيين وقادة يستطيعون الإستقلال ببلادهم .

ويسود المستعمرات طبقة حاكمة عبارة عن أوليجاركية إستعماري . والأوليجاركية هو أقلية منظمة تربطها ببعضها علاقات قوية وهو أما أوليجاركيه عسكري كمصر وسوريا أو أوليجاركيه عشائري كالقبائل الحاكمة في الخليج وقد يكون أقلية دينية كما قد يكون أوليجاركيه إستعماري يعتمد على نفوذ المستعمر، وهذه الأقلية توجه الحكم لمصلحتها فقط وتتكون أساساً من الأجانب المحتلين الأتراك ، فهم الطبقة الأولى التي تتصدر السلم الإجتماعي والسياسي ، يليها أعوانهم ومنافقيهم ومساعديهم من سكان المستعمرة ، يليهم أفراد الشعب وهم غارقون في الفقر . وطبعا لن يسمح للشعب بممارسة حرياته السياسية من تأسيس الأحزاب والجمعيات أو حق التظاهر والإضراب و حرية الرأي والفكر ، ذلك أنه شعب من العبيد لا يستطيع أن يتحمل مسئولية الحرية كالأحرار . وبمرور الوقت تتحول شعوب المستعمرات إلى عبيد فعلا غير قادرين على حكم دولتهم ، بل ولا حكم ذواتهم وضبط سلوكهم إلا بالكرباج . وهو نظام لا يختلف عن الأوليجاركيه العسكري الذي يستعبدنا منذ 1952 . بل سيكون أسوأ لكونه أجنبيا ولكونه إستعبادا بإسم الدين يضع طالب الحرية في منزلة الكافر ويحكم بإعدامه .

  • إسألوا أهل الذكر :

ويقينا فإن الإسلام لا علاقة له بإستعباد البشر بعضهم لبعض ، وأن الإسلام لم يعرف سوى العبودية لله سبحانه وتعالى والتي هي الحرية الكاملة .

ويكفي مصر ما عاشته وتقلبت فيه من قهر ونهب تجرعت مرارته على مدى القرون العثمانية الشديدة الوطأة .

وليفهم جميع من يرموننا بالكفر أن رجل الدين ليس هو المرجع في هذا الأمر ، وأن أهل الذكر في مسائل السياسة وتكوين الدول هو نحن وليس الفقهاء . وإذا كان تناولنا بالنقد السياسي للخلافة العثمانية مرفوض لدى بعض المتحمسين لها ، فإن ذلك لا يعني أن أصمت وأنا المعني بالفتوى.

والأولى أن تراجعوا أنتم منطلقاتكم وأستراتيجيتكم لتتفق مع علم السياسة ومع حركة التاريخ ، علما بأنها تسير دائما نحو الأمام ولم يحدث أبدا أن عاد التاريخ للوراء . فما تطرحونه من دولة الخلافة والحاكم العادل يعد نوعا من الأنتيكات لا وجود لها إلا في المتاحف وكتب التاريخ ، فالدولة الحديثة هي ديمقراطية ليبرالية لا سيد فيها إلا الشعب ، كما أن العلوم السياسية لا تعرف شئ إسمه حاكم عادل ، بل حاكم مقيد بقوانين ودستور ورقابة شعبية ، ولم يعد بمقدروه أصلا أن يكون ظالما ، بل هو مجرد شخص بائس لا يملك غير مرتبه وفي حالة خضوع دائم لسيده و مخدومه وهو الشعب .

  • هكذا تكون الخلافة :

في 1998 أجريت حوارا مع المهندس إبراهيم شكري رئيس حزب العمل المعارض ، وسألته عن مستقبل المنطقة في ظل تعثر عملية السلام وفقدان العرب لأدوات الضغط . فتحفظ زعيم المعارضة المصرية على هذا وقال : “لو تكتل العرب وقاطعوا السجائر الأمريكية فقط وليس جميع المنتجات ، سيسقط الرئيس الأمريكي وترحل حكومته إلى غير رجعة ، وسيأتي رئيس لا يعتبر العرب هم الحائط المائل” . ولنبدأ من كلام الراحل الكبير ونبني خلافة إسلامية عصرية من خلال الأحلاف والتكتلات . خلافة تحترم الشعوب ولا تتصادم مع كرامة الأوطان ، ولا تسمح لدولة بركوب دولة أخرى فتمحيها من الوجود ، وتحولها إلى محافظة أو ولاية في دولة الخلافة ، وتنهي إسمها وتغلق سفاراتها في العالم وفي الأمم المتحدة لتفنى في الذات التركية.

الخلافة الحديثة تتجسد في إتحاد كونفيدرالي يضم جميع الدول الإسلامية (56 دولة) كدول مستقلة ترتبط فيما بينها باتفاقيات دفاع مشترك وخارجية مشتركة وعملة واحدة و سوق مشتركة…الخ على غرار الإتحاد الأوروبي . وهنا سيشكل المسلمون قوة ضغط هائلة في المنظمات الدولية ، وفي التجارة والأسواق فيكفي مثلا أن تقاطع منتجاً صينيا واحدا وستكف الصين عن تعذيب مسلمي الإيجور . كما يمكن فرض عقوبات على ميانمار وكل من يضطهد المسلمين ويشوه سمعة دينهم ونبيهم حتى لو كانت أمريكا نفسها . وفي هذه الحالة لا مانع من أن تكون تركيا هي مقر الخلافة ، ويمكنها الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن يمثل المسلمين . كما أن التجارة البينية بين دول هذا الحلف الإسلامي سوف تكون لها الأولوية ، وسيعود ذلك على الأعضاء بتحررهم من أمريكا والبنك والصندوق الدوليين ، كما يتم تبادل الخبرات في كل المجالات العلمية والمعرفية . والحكومة المركزية في هذا الإتحاد تنتخب من جميع الدول الأعضاء حتى لا تسعى لمصالح دولتها على حساب باقي الدول والشعوب . ويتعين عليها تقديم الدعم والمساعدة لجميع الأعضاء .

هذا فقط هو الشكل الوحيد المقبول والذي يسمح به العصر ، أقول هذا كأهل ذكر يتوجب عليكم أن تستمعوا له لا أن توجهوا له إتهامات بالكفر . فالخلاف بيننا وبينكم ليس هو الإيمان تملكونه ونفتقده نحن ، بل هو العلم الذي نملكه بحمد الله وتجهلونه فإسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى