الدولار يحّلق في سماء الفقراء… الحالة لم تعد تُطاق

أذكر أنه قبل سنة من الآن تقريبًا كتبت مقالًا حذّرت فيه من أن التسيّب والفلتان سيؤديان إلى إرتفاع سعر الدولار في السوق الموازية إلى حدود الـ 5000 ليرة، وكان سعره في تلك الفترة يتراوح بين الـ 2500 والـ 3000، أتصل بي أحد الأصدقاء معاتبًا ومستهجنًا هذا الأسلوب التخويفي والتيئيسي، “لأن الناس مش ناقصها مين يحبطلا من معنوياتا”.





أجبت صديقي يومها، ولم أكن آخذ دور ميشال حايك أو ليلى عبد اللطيف، على رغم عدم إيماني بما يتوقعان حصوله في المستقبل، الذي هو ملك للعلي القدير، “يا صديقي سأذكرك بأنك ستتصل بي بعد أن أكتب في يوم من الأيام بأن سعر الدولار سيتخطّى في السوق الموازية العشرة الآف ليرة، وقد يصل إلى سقوف مخيفة ومحبطة.

وهذا ما حصل لأن القيمين على البلد غير مهتمين بتشكيل حكومة “المهمة”، التي من شأنها، على الأقل الإيحاء بشيء من الثقة لدى الرأي العام، واعطاء المواطنين بعضًا من الطمأنينة بأن هناك من يهتمّ بأمورهم ومن يتحسّس بمعاناتهم، ويحاول التقليل من الأضرار قدر الإمكان، لأن الأمر يحتاج إلى أكثر من النوايا الطيبة، بإعتبار أن الحلّ يتطلب بعد تشكيل الحكومة الكثير من الخطوات المتلاحقة والمتلازمة من أجل تحقيق بعض الإنجازات المطلوبة على صعيد الإصلاحات المالية والإقتصادية والإدارية وحتى السياسية.

فبعدما لامس سعر صرف الدولار في السوق المتفلتة من أي ضبط أو رقابة حدودًا مخيفة ومقلقة، فإن أسعار السلع الإستهلاكية الضرورية بحدّها الأدنى ستحّلق هي بدورها من دون حسيب أو رقيب، وستجعل حياة المواطن الساعي وراء لقمة العيش بشق النفس أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وستجعل من الفقير أكثر فقرًا وأكثر تعاسة وقنوطًا.

في رأي بعض المراجع المالية فإن الدولار متى تخطّى سعره عتبة العشرة الآف ليرة لن يستطيع أحد، ومهما حاول المحاولون، أن يلجمه وأن يضبط حركته التصاعدية الصاروخية، لأن المؤشرات الحالية لا توحي بكثير من الثقة على أكثر من صعيد، ولذلك فقد بات مطلب تشكيل الحكومة اليوم قبل الغد أكثر من ضرورة وطنية، لأن أي تأخير في هذا الأمر سيزيد من تعقيد الأمور، بحيث يصبح الممكن اليوم مستحيلًا في الغد، خصوصًا أن الدول التي ابدت إستعدادها لمساعدة لبنان قد بدأت تفقد الأمل في إمكانية مدّ يد العون لكي ينهض هذا البلد المتروك من جديد، مع ما يعني ذلك من ترك الأمور تفلت من عقالها، وبالتالي لا تعود إمكانات الضبط متاحة في حال إستمرّت المواقف السياسية على حالها، وفي حال الإصرار على التعنت.

ولأن الحالة لم تعد تُطاق نزل المواطنون بالأمس إلى الشوارع. أحرقوا الإطارات. قطعوا الطرقات. أطلقوا العنان لوابل من الشائم التي تعبّر، بطريقة عفوية وسجية، عن غضبهم ووجعهم ورفضهم هذا الواقع المأزوم، الذي وصلوا إليه بفعل قلّة مسؤولية من يعتبرون أنفسهم عن جدّ مسؤولين.

الثورة التي ستأخذ بطريقها الكبير والصغير من المسؤولين لن تتوقف هذه المرّة، ولن يستطيع أحد الوقوف في وجهها وإهماد جذوتها وإندفاعها.
أعذر من أنذر.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى