الدولة الحضارية دولة طاردة للاستبداد

تختلف الدول اختلافا كبيرا في تعاطيها مع الاستبداد ، فهناك دول تحتضن الاستبداد وتغذيه ، وترعاه ؛ لان المستبدين لايملكون رصيدا شعبيا عند شعوبهم يمكنهم من البقاء ؛ وبالتالي ، هم يتمترسون بكل مايمتلكونه من قوة ضد شعوبهم ، وهذه الدول التي تحتضن الاستبداد هي الدول الدكتاتورية ، كدول الفراعنة في التاريخ والامبراطوريات المستبدة التي قرأنا عنها في التاريخ. ففي دول الفراعنة هناك تحديث ، وهناك بناء ، ولكن هذا التحديث لايلغي الاستبداد السياسي ، والاقصاء الثقافي .

نابليون بونابرت ، امبراطور وعسكري ، استطاع ان يبني فرنسا ، ويجعل منها دولة حديثة ، ولكنه ليس ديمقراطيا ، هو امبراطور عسكري مستبد ؛ فالتحديث يمكن ان يتعايش مع استبداد الدول . واتاتورك في تركيا يعدونه ابا الاتراك ، وباني تركيا الحديثة ، ولكن اتاتورك لم يكن ديمقراطيا ، بل كان علمانيا متطرفا ؛ فالعلمانيّة يمكنها التعايش مع الاستبداد السياسي.

وحتى الدولة المدنيّة ، اذا اخذنا الدولة المدنيّة في مقابل الدولة الدينيّة ، الدولة المدنيّة تعتمد على التخلص من الدين ، واقصائه من المجال العام ؛ وهذا وحده لايكفي للتخلص من الاستبداد ، فانظمة القمع الالحادية في الاتحاد السوفياتي واروبا الشرقيّة ، كانت من اسوا الانظمة الاستبداديّة .

واذا اخذنا المعنى الاخر للدولة المدنية ، وانها مايقابل عسكرة الدولة …. ازالة مظاهر العسكرة من الدولة لايكفي لالغاء الاستبداد السياسي ؛ لان جذور الاستبداد السياسيّة قابعة في اعماق النفس الانسانيّة ، يقول الله تعالى : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ، ويقول الله تعالى : ﴿ .. إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴾ .

الدولة المدنيّة تهتم بتغيير اطر الدولة وهياكلها ، ولاتهتم بمعالجة جذور المشكلة .

مقالات ذات صلة

قابيل قتل اخاه هابيل ، ولم تكن قد وجدت مؤثرات مجتمعية ، وثقافة سائدة تحرضه على العنف ، بل كانت في اعماقه رغبة جامحة للسيطرة ، ونزعة قوية للاستبداد .

الدولة الحضارية هي الدولة الطاردة للاستبداد ؛ لانها تعمل على بناء الانسان وتغييره من داخله ، وتعمل على تغيير المحتوى الداخلي للانسان ؛ وبالتالي لايمكن ان يتعايش الاستبداد مع الدولة الحضارية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى