الدول الأفريقية أمام الإختيار بين إنقاذ شعوبها وخدمة ديونها!

ديون البلدان الأفريقية بلغت أرقاماً غير مسبوقة

قالت جيتا جوبيناث كبير الخبراء الاقتصاديين بـ صندوق النقد الدولي ، إن دولًا كثيرة قد تحتاج إلى إعادة هيكلة للديون في أعقاب الجائحة وتداعياتها الاقتصادية. وذكرت جوبيناث في ندوة عبر الإنترنت استضافتها جامعة أوكسفورد، أنه لا توجد أزمة ديون في الوقت الحالي لكن ستكون هناك حاجة مُلحة بشكل أكبر إلى تخفيف أعباء ديون الدول الأكثر فقرا، بالنظر إلى الجائحة. وأشارت إلى أن حوالي 40 بالمائة من الدول المنخفضة الدخل تعُاني بالفعل من ضائقة بشأن الديون أو تواجه خطرا مرتفعا وقد تكون هناك حاجة إلى إعادة هيكلة الديون في دول كثيرة.

لقد تسبَّب كوفيد-19 في ظهور إحدى أخطر الأزمات الصحية والاقتصادية في جميع أنحاء العالم على مرّ التاريخ معزِّزة بذلك الصعوبات الكبيرة التي تواجهها البلدان الهشَّة عموما، والقارة الإفريقية على وجه الخصوص، نظرا لأن الأزمة طرأت في الوقت الذي كانت ميزانيات البلدان العديدة تعاني فيه من التداعيات الرهيبة للتحدّي الأمني ​​وتغيُّر المناخ. في هذا السياق من الانخفاض الكبير القاسي في إيرادات الميزانية لا تزال العديد من النفقات غير قابلة للتحمُّل مثل تلك المرتبطة بتسيير المؤسسات الحكومية، ومكافحة العديد من الأمراض المزمنة، والسعي إلى الإنفاق الاجتماعي ذي الأولوية الأخرى، والوفاء بالالتزامات المالية.

وتشير التقديرات إلى أن الإيرادات الحكومية في أفريقيا ستنخفض في عام 2020 بمقدار 45 مليار دولار أمريكي من توقعات ما قبل COVID ، أما الإنفاق على الصحة العامة والخاصة سينخفض ​​بمقدار 3.7 مليار دولار أمريكي، وسيتفاقم الانكماش الاقتصادي بسبب الانهيار المتوقع في عائدات الضرائب وانخفاض معدلات التوظيف ودخل الأسرة. ومما يضاعف الانكماش الاقتصادي ارتفاع مستويات الديون في العديد من البلدان الأفريقية، حيث زادت تكاليف خدمة الديون إلى ما يقرب من 40 مليار دولار أمريكي سنويا، بسبب انخفاض العديد من العملات الأفريقية في عام 2020. وبالتالي، من المرجح أن يؤدي COVID-19 إلى أزمة ديون وربما تخلف بعض الدول عن السداد. وفي المتوسط ​​، من المتوقع أن يرتفع الدين بنحو 4.4 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.

إنّ تأثير COVID-19 على الفقر المدقع شديد بشكل خاص، و بالفعل في عام 2020، دخل 12 مليون أفريقي إضافي أقل من عتبة الفقر المدقع عند 1.90 دولارًا أمريكيا، وسيرتفع إلى 26 مليون شخص في عام 2021. وكان من المتوقع أن يعيش حوالي 570 مليون أفريقي في فقر مدقع بحلول عام 2030 ، ولكن يمكن أن يدفعه الكوفيد 19 إلى 631 مليون. ومن المتوقع أن ترتفع نسبة السكان الذين يعانون من نقص التغذية في إفريقيا، وستكون وفيات الرضع بحلول عام 2030 أعلى بثلاث مرات من هدف الأمم المتحدة لعام 2030 في أهداف التنمية المستدامة.

إن حجم الديون المتراكمة في الكثير من البلدان الأفريقية قد بلغ أرقاماً غير مسبوقة، وقد أعلن صندوق النقد الدولي عن “حزمة إنقاذ” للدول الأفريقية المثقلة بالديون، وفي الحقيقة فإن قروض الصندوق تهدف إلى زيادة الدين الخارجي وسيقوم الدائنون بفرض “إصلاحات” اقتصادية ضخمة على هذه الدول ومن ضمنها خصخصة قطاعات الصحة والتعليم وتجميد الأجور، ما يؤدي إلى المزيد من الفقر والبطالة. بالنسبة إلى الدول الأكثر فقراً في العالم، القصة مُختلفة جداً. إنها بحاجة إلى الإقتراض والإنفاق للتخفيف من حدّة الأزمة – في كثيرٍ من الحالات، أكثر من الدول الغنية. لكنها لا ترى في أيّ مكان المستوى ذاته من الحماس لسنداتها والإقبال على شرائها بين المستثمرين في القطاع الخاص.

ونتيجة لذلك، إضطرّت أكثر من 100 دولة إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات طارئة. وقد وافق الصندوق بالفعل على 25 منحة لبعض أفقر البلدان، لكنه لن يكون قادراً على تلبية احتياجات التمويل غير العادية للدول الأفريقية، والتي يتوقع الصندوق نفسه أن يتجاوز 2.5 تريليوني دولار. وفي هذا السياق، حثّ رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس مجموعة العشرين للاقتصادات الكبرى على تمديد تجميد مدفوعات خدمة الديون الرسمية بالنسبة للدول الأشد فقراً حتى نهاية 2021، وقال إنه ينبغي لأعضاء المجموعة البدء في محادثات بشأن تخفيض ديون بعض الدول. وأبلغ مالباس اجتماعاً افتراضياً لمسؤولي المالية بمجموعة العشرين أن بعض الدائنين الكبار لا يشاركون في مبادرة تجميد الديون بشكل كامل، مضيفاً أنه ينبغي للدائنين من القطاع الخاص وقف جمع المدفوعات من الدول الأشد فقراً. وأضاف قائلاً: “أدعو مجموعة العشرين إلى فتح الباب أمام مشاورات بشأن تراكم الديون ذاتها والوسائل الفعّالة لخفض صافي القيمة الحالية سواء للديون الثنائية أو الديون التجارية على الدول الأشد فقراً”.

ولابد من الإقرار أنّ نظرية الديون المتعلقة بأزمة جائحة فيروس كورونا تعتمد على فكرة أنه: كلما انتشر هذا الفيروس، زادت حاجة الدول إلى السيولة النقدية لمواجهته والتصدي له، الأمر الذي بلا شك سيخلف وراءه العديد من الدول التي ستضطر إلى اللجوء والبحث عن مصادر تمويل لتغطية ذلك العجز، وكما نعلم أن أبرز مصادر ذلك التمويل عالميا هو صندوق النقد الدولي بشكل رئيسي وبعض الدول التي تملك السيولة النقدية في الغالب، وهو ما سيؤدي بشكل طبيعي في نهاية المطاف إلى أن ترزح بعض تلك الدول تحت رحمة السياسات النقدية لصندوق النقد الدولي التي كانت تهرب منها قبل هذه الجائحة العالمية، أو هي في الأصل غارقة في ديون وسياسات البنك الدولي.

هناك مسألة أخرى، ولعلها تكون الأهم والأخطر ويجب تسليط الضوء عليها في هذا السياق وهي، أنه في العادة أن تلك الدول عندما تلجأ إلى صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي للإعمار فإنها تستدين مضطرة لتلبية احتياجاتها التنموية وللقيام بمشاريع اقتصادية من المفترض أنها ستعود عليها بمنافع ومردود مالي طويل المدى سيغطي ذلك الدين، على أن المشكلة في مسألة الاستدانة من أجل التصدي لجائحة فيروس كورونا أو أي مسألة أخرى ليس لها عائد مادي تكمن في أن عائد الدين يساوي صفرا في الغالب، وهو ما يعني بمعنى آخر أن الدين قد يؤدي إلى ديون أخرى لتغطية الدين الأول وهكذا.

إذًا، لنتصور معا ماذا سيحدث على المستوى الاقتصادي بعد انتهاء هذا الفيروس على صعيد تلك الدول التي قامت بالاستدانة؟ لنتصور تحديات وعقبات إعادة التفاوض على سبيل المثال حول الديون لصندوق النقد الدولي أو غيره من الدائنين الكبار حول العالم…؟ لنتصور النتائج الوخيمة للدول التي سينهار اقتصادها الداخلي نتيجة ارتفاع الدين العام، وعجزها عن تلبية متطلبات الداخل الوطني، الأمر الذي سينتج عنه بلا شك أخطر المشاكل السياسية والأمنية، على رأسها سقوط العديد من الأنظمة السياسية، ارتفاع نسبة الجرائم، والنزوع إلى العنف والتطرف واستفحال الفقر وانعدام فرص العمل وغيرها من النتائج الطبيعية لانهيار اقتصاد أي دولة بسبب ارتفاع وتراكم الديون والتدخلات الخارجية. هذا إذا ما أضفنا إلى كل ذلك النتائج المترتبة عن انهيار النظام الاقتصادي الداخلي وارتفاع نسبة الدين العام والتي يمكن أن تؤدي بدورها إلى تراجع الاستثمارات الخارجية وانتشار الفساد المؤسسي المنظم، ونهب المال العام وصولا إلى تهريب ثروات البلد.

إذًا من المؤكد أن هناك دولا وجهات سياسية واقتصادية استفادت وأخرى ستستفيد كثيرا مع الوقت من انتشار وباء كورونا، وكذلك انخفاض أسعار النفط الموازية لانتشار هذا الوباء، ومن أبرز تلك الجهات هي الجهات الاقتصادية ومؤسسات التمويل النقدي العالمي، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، ومن المؤكد ـ وللأسف الشديد ـ أن استمرار هذا الوباء يعني المزيد من الديون والمزيد من الغرق في قيود الدائنين، والمزيد من البيع والرهن لتلك الصناديق، خصوصا أنها غالبا ما تكون بالعملة الصعبة، وبالأخص بالدولار الأميركي، لذلك فإن قياس الدين الخارجي يُعدّ مؤشرا آخر على حجم المخاطر الناتجة من الديون وفي النهاية وبشكل موجز تحويل الدول إلى ملكية اقتصادية عالمية لصندوق النقد الدولي.

لكن في النهاية لابد من حل، والواضح حتى الآن أنه سيعرض على الدول قروض إنقاذ من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لكن “إنقاذ” هذه البلدان عبر الديون سيكون أشبه بالعبودية حتى لو كانت الفائدة منخفضة، لأنه يفرض على تلك البلدان سداد الديون. أما الضمانات فلاشك أنها ستكون خصخصة الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية والامتيازات للشركات الأجنبية لاستغلال موارد تلك الدول الطبيعية (النفط ـ الغازـ الغابات ـ الماء ـ المعادن)، وهكذا سيحدث خلط آخر للأموال من القاعدة الشعبية إلى القمة والمزيد من الاستعباد لأمم بأكملها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى