الراعي “ينتقد” الحريري… فكيف يردّ الأخير؟

“بدن يسمحوا لي فيها”… قالها البطريرك الماروني بشارة الراعي، بعد زيارته رئيس الجمهورية ميشال عون، في معرض “انتقاده” مسار تأليف الحكومة، الذي لا يزال الجمود يسيطر عليه، معطوفاً على “التخبّط” على أكثر من مستوى.





 

لعلّ ما بدا لافتاً هو أنّ “نيران” البطريرك الراعي هذه استهدفت “بالمباشر” رئيس الحكومة المكلَّف سعد الحريري، من دون مواربة أو التباس، حيث حمّله المسؤولية الأولى بالتأخير الحاصل في تأليف الحكومة، مشيراً إلى أنّه “يجب أن يقوم باستشاراته ويعود إلى رئيس الجمهورية لبتّ أمر التشكيلة”.

 

وذهب الراعي أبعد من ذلك بقوله صراحةً إنّ الحكومة لا تُشكَّل “بالتقسيط”، الأمر الذي فُسِّر تلقائياً نقداً صريحاً وواضحاً لفصل الحريري بين “الحصص” الطائفيّة لحكومته، بما يتقاطع بشكلٍ أو بآخر مع نظريّة “وحدة المعايير” التي يرفع “التيار الوطني الحر” لواءها منذ اليوم الأول لتكليف الحريري.

 

“لا للتقسيط”!

 

في قراءةٍ أولية لمواقف الراعي، التي وُصِفت في الأوساط السياسيّة بـ “المدوّية”، ثمّة من “ربط” بينها وبين التسريبات التي انتشرت في الأيام القليلة الماضية، حول أنّ عون رفض “الاستجابة” لمطلب الحريري “حسم” الحصّة المسيحية في الحكومة الموعودة، بمُعزَلٍ عن الحصص الأخرى، وفق قاعدة أنّ الأخيرة “في جيب” رئيس الحكومة المكلَّف.

 

ولأنّ الراعي كان يتحدّث من قصر بعبدا تحديداً، وبعد لقاء عون، هناك من رأى أنّ كلامه يعطي “مصداقية”، أو ربما “مشروعيّة” لمثل هذه التسريبات، خصوصاً أنّها أتبِعت بـ “شلل تام” على خطّ الحكومة، مع شبه “قطيعة” غير مُعلَنة بين عون والحريري اللذين لم يعقدا أيّ اجتماع منذ نحو 10 أيام، علماً أنّ كلام الراعي عن رفض “التقسيط” في هذا الإطار كافٍ ووافٍ برأي الأوساط السياسيّة المتابعة.

 

ولا يخفي العارفون وجود “امتعاض” من البطريرك الراعي، بوصفه المرجعيّة المسيحيّة الأولى، من طريقة تعاطي الحريري مع الملف الحكومي، في ضوء “تجاهله” الأصوات المسيحية المعترضة على أدائه، والتي تمثّل الغالبية المسيحيّة، إذ تشمل “القوات” و”الكتائب” وغيرهما، إضافة إلى “التيار”، معطوفاً على ما “أشيع” عن تعامله مع مختلف الأفرقاء بمعايير مزدوجة، ففي وقتٍ يمنح “الثنائي الشيعي” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” الحقّ بتسمية وزرائهم، يصرّ على أن يسمّي هو الوزراء المسيحيين، من دون العودة إلى الأحزاب.

 

الحريري “مظلوم”؟

 

وفي حين يرفض المحسوبون على الحريري أو المقرّبون منه الردّ على الراعي، أو حتى التعليق على كلامه، مؤكدين الاحترام المُطلق له ولما يمثّله، ثمّة بينهم من يتحدّث عن “ظلمٍ” يتعرّض له رئيس الحكومة المكلَّف عبر التركيز على نقطة “المعايير المزدوجة” بالتحديد، مشيرين إلى أنّ كلّ ما “يُشاع” عن أنّ أحزاباً تسمّي وزراء يفتقد إلى الدقّة، علماً أنّ الحريري كان واضحاً منذ اليوم الأول بإصراره على تشكيل حكومة اختصاصيّين “غير حزبيّين”.

 

وإذا كان هناك من يغمز من قناة إمكانية “تأثّر” الراعي بما سمعه من عون، باعتبار أنّ كلامه جاء من قصر بعبدا، فإنّ الأكيد، وفقاً للعارفين، أنّ أيّ ردٍّ “مباشرٍ” عليه لن يصدر عن الحريري، الذي يعتبر أنّ “المشكلة” مع عون تكمن، بخلاف كلّ ما يُروَّج ويُشاع، في إصرار الأخير على ضرورة “التشاور” مع الوزير السابق جبران باسيل، بوصفه “معبراً لا غنى عنه” للتأليف، وهو الأمر الذي يرفضه الحريري جملةً وتفصيلاً.

 

ويذكّر هؤلاء بما تسرّب حتى عن لقاء عون بالمبعوث الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل الذي زار لبنان أخيراً، والذي سمع من رئيس الجمهورية صراحةً أنّ المشكلة تبقى في “الجليد الذي لم يُكسَر” بين الحريري وباسيل، علماً أنّ الحريري يصرّ على “فصل المسائل”، وينفي أيّ “شخصنة” للملفّ الحكوميّ، وهو يحصر “التشاور” مع رئيس الجمهورية استناداً إلى الدستور، ولو أنّه يدرك أنّ أيّ حكومةٍ يشكّلها لن تستطيع الحكم من دون “مباركة” الكتل النيابية الأساسية.

 

ثمة من يعتبر أنّ “صرخة” الراعي قد تفضي إلى “تحوّل نوعي” في الملف الحكوميّ، بحيث “تحرّك” المياه الراكدة، وتفرض على الحريري “تليين” موقفه، لكن هناك في المقابل، من يرى أنّ مثل هذا “الأمل” يبقى صعب المنال، لأنّ “العقدة المسيحية” قد لا تكون أكثر من “تفصيل”، لتبرير “تقطيع الوقت” الحاصل، ليس إلا!

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى