الراكب الحادي عشر

كنت جالساً على متن سيّارة عامّة،محرّكها متوقّف عن الدوران ،تَسَعُ مقاعدُها المتواضعة أحدَ عشرَ راكباً ،بمفردي ،منتظراً أن يصعد ركّابها جميعهم ،كي ينطلق بنا السائق من الريف إلى المدينة، وكان الوقت صباح يوم عطلة والهدوء يخيّم على الكراج، وخطوات أيّ إنسانٍ ماشٍ في ساحته تُسمَع .

الراكب الحادي عشر

وبعد دقائق صعد راكبٌ بعد أن استفسر عن وجهة السيرفيس متأكّداً ،وقال صباح الخير أخي الكريم، ثمّ تبعه ثانٍ وثالث هكذا …حتّى كادت المقاعد أن تمتلئ بركّابها ، وكلّ راكب منهم كان يفعل كما فعل الأوّل فيسأل عن وجهة السيّارة ،ويلقي السلام الصباحيّ، والكل كانّ يردّ التحيّة بصوت جماعيّ مسموع، ولم يبقَ إلّا مقعداً متحرّكاً بجانبي الأيمن ،ورحنا جميعنا ننتظر ليأتي الراكب الحاديَ عشرَ محدّقين بباب السيرفيس- الذي فُتِحَ قسماً منه وليس على مصراعيه، وذلك بسبب برودة الطقس – منتظرين قدوم آخر العنقود من المسافرين بشوق المُحبّ للمحبوب.

وبعد عشر دقائق تحقّق هدفنا وانفرجت غمّتنا ،فهلّ علينا الراكب المُنتظر سائلاً السائق – الذي وقف بجانب سيّارته – بفوقيّة وعجرفة وهو يمدّ سبّابته باتجاه السيرفيس ويُلقي بنظراته العابسة المُتكبّرة، قائلاً: (هاي لوين ..بتوصّل علبلد…؟)…فأجابه السائق وهو مبتسم نعم ياأستاذ تفضّل خود محلّك بالسيّارة علمقعد المتحرّك عند الأخ أبو النضارة…بسرعة إذا بتريد…خلينا نمشي)…فصعد هذا الأستاذ العظيم، الذي يشمخ بهامته إلى السماء مضطرّاً أن يحنيها قليلاً ليصعد السيرفيس ،وقمت أنا بعفويّتي بفتح المقعد المتحرّك بجانبي ليجلس عليه، والكلّ يتأمّل حركات هذا الأستاذ الموقّر العابس وينتظر تحيّته وسلامه كما فعل جميع الركّاب قبله ، لكنّه صعد السيّارة، قسماً بالله، ولم يتفوّه بكلمة واحدة ، لاسلامَ ولا كلامَ، وكأنّ المسافرين الذين يعرفُ أغلبهم ويعرفونه – فهو مسؤول مشهور كما يُسمّى يُلقي المحاضرات في التربية والأدب والقانون، ويتظاهر على المنابر والمراكز الثقافيّة وسواها بحرصه على الوطن والمواطن وبإنسانيّته المُبالغ فيها- وكأنّهم وأعينهم ترمقه ليسوا بشراً مثله ولا يستحقّون منه جملة صباح الخير أو مرحباً أو ابتسامةً، وأنا بدوري لم أسمع منه كلمة شكراً ،بل داس على حذائي بلا مبالاة وبلا اعتذار…

وعندما أراد من السائق أن يوقف السيارة لينزلَ فخامته منها في وسط المدينة صرخ بأعلى صوته: نزّلني، ثمّ امتعض – متمتماً بكلمات توحي بذلك- من السائق لأنّه لم يكبح جماح سيّارته فوراً كما يرغب في مكان يُمنَعُ الوقوف فيه للسيّارات وينزل جنابه منها كي لايمشي خطوات قليلة ،وهو الذي تعوّد على سيّارته الخاصّة الطاووسيّة ،التي أظنّها ملّت منه ومن ثقله فانتحرت وتعطّلت بحادث أو بغيره.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى