السعودية : السجون لا تفتح للراقصات

فى السعودية و فى دول الخليج لا أحد يهتم بالمثقف و بأهل الفكر و الثقافة عموما فالتمييز الايجابى مسخر لصفقات السلاح على حساب التعليم و الثقافة كل ذلك من أجل تهميش المثقفين و أهل الفكر و الايحاء دائما بوجود خطر داهم يهدد الاستقرار و قد رأينا كيف واجه النظام السعودى و الخليجى عموما بداية الثورة فى تونس و ليبيا بكثير من علامات الاستفهام و الاتهام و الخشية من المجهول ، المثير فى السياسة الثقافية الخليجية هذا اذا أمكن الحديث عن وجود سياسة من الاصل أن القائمين على الحكم فى هذه الانظمة لا ينظرون بعين الرضا للطبقة المتعلمة المثقفة و بالذات الطبقة التى درست فى الخارج و تطبعت بطباع الديمقراطية الغربية و حقوق الانسان و التنافس المستمر على السلطة عبر الانتخابات التى تشرف عليها جهات رقابية مستقلة ، هذا معطى مهم لفهم عقلية الحاكم الخليجى المنغلق على نفسه و الكابت لأنفاس الشعب بحجة كونه العارف الوحيد بمصالحه و خوفه عليه من التقاط عدوى الديمقراطية الغربية ” الفاسدة ” التى تتعهد المؤسسة الدينية باتهامها بكل التهم المشينة حتى تجعلها بمثابة الطاعون المخيف الذى على الجميع تجنبه ، محاكمة الرأى فى السعودية أصبحت علامة سعودية مسجلة و حين نعلم أن العقوبات بالسجن تصل الى الاعوام بصرف النظر عما يتعرض اليه ” المتهم ” من تعــــذيب و اســــــتباحة لحقوقه المدنية و التنكيل بعائلته و التشهير به فمن الظاهر أن هذا النظام لا يعبأ بالرأى العام العالمى و يهو يلتقى هنا مع المزاج الصهيونى الخارج عن القانون الدولى .

هذا يجرنا للحديث عن الخبر المثير المنشورى فى الصحف السعودية بالذات حول اقامة منتجعات حديثة على شاطى البحر الاحمر بما يعنى أن تنقسم المساحة الجغرافية السعودية فى القريب العاجل الى نصفين نصف صحراوى متزمت و نصف بحرى متبرج و لعل انشاء هذا المنتجع على ساحل البحر يأتى فى نطاق ” تفتح ” الملك الجديد القادم على العالم الخارجى بعد أن تحولت السعودية الى ما يشبه البانيا زمن الزعيم أنور خوجه أو أكثر كما يقول المتابعون ، الامير محمد بن سلمان الحاكم الفعلى فى المملكة يريد ارسال اشارات ايجابية للعالم بعد أن أطلق الحرية للمرأة السعودية لسياقة السيارات و هو يظن أن انشاء مثل هذه المنتجعات بما فيها من راقصات و شراب و حرية مفرطة من شأنه أن يحفظ الاموال السعودية فى الداخل و ان يدر على المملكة أموال الخارج و القرار الملكى يريد من مواطنى المملكة أن يوفروا ” جهودهم ” البدنية و أموالهم النفطية فى هذه المنتجعات بدل استنزافها فى الخارج فى وقت تعانى فيه المملكة من سقوط مالى مريع نتيجة فشل حربها فى اليمن و سوريا و ما تكلف من اموال الشعب السعودى المغلوب على امره ، هذا التحرر السعودى القادم يقابله احتباس فكرى سلبى تجاه المثقفين و اهل الفكر و المعارضة للنظام بما يؤكد مرة أخرى أن قبول النظام بالراقصات أهون عليه بقبول الافكار المعارضة .

لم نسمع أن النظام سجن الراقصات و لا الغوانى و لكن بالمقابل سمعنا عــن سجن و تعذيب و قتل لأهل الفكر و السياسة و الابداع ، فى احدى اطلالاته الصحفية و للمرة الاولى تحدث الكاتب السعودى جمال خاشقجى عن قيام من سماهم ” رجال أمن ملثمين باقتحام المنازل وتصوير كل شيء ومصادرة كتب وأجهزة كمبيوتر من المنازل التى تعود لمفكرين ومرجعيات دينية ” …يستطرد الكاتب فى ما يمكن اعتباره من اكثر المقالات انتقادا للمملكة و هو المعروف بعلاقته الاثمة بالبلاط الملكى بل ما شبهه البعض بصحوة ضمير لن تتكرر و يقول بمنتهى الصراحة ” هناك ما يوحي بأن المملكة أمام مفترق كبير ..

و امريكا هى من وراء هذا التغيير وهي التي فرضت المناهج الجديدة وآليات التحديث ؟ هنا يمكنكم أن تستعملوا خيالكم دون أي خطوط حمراء !! ” يعنى بالعربى المشبرح أن انشاء هذا المنتج يأتى فى نطاق سياسة تغيير ” المناهج ” على الطريقة الامريكية و أمريكا اليوم تريد من النظام المنغلق طيلة عقود أن ” ينفتح ” فجأة و البداية بإنشاء المنتجعات التى يختلط فيها الحابل بالنابل و تفقد فيها القيم و تنهار فيها المبادئ على رأى المؤسسة الدينية السعودية فى السابق ، ليطرح السؤال كيف قبلت هذه المؤسسة الكهنوت بهكذا تغيير من النقيض الى النقيض و كيف ستفسر للعامة و لكل الذين عاشوا تحت الكبت كل هذه العقود منذ تأسيس المملكة هذا الانفتاح الملكى حسب المناهج الامريكية التى تحدث عنها الكاتب السعودى ، نفس الكاتب يقول ان ما سيحدث مستقبلا فى المملكة سيفوت كل تصور أو خيال و سيجاوز كل الخطوط الحمراء .

يقول المتابعون بكثير من التفاؤل المفرط ان دور الديناصورات فى المملكة قد انتهى ، يعنون بالطبع كهنوت المؤسسة الدينية السعودية التى كانت مهمتها منذ انشاء المملكة تامين ما يسمى بالتغطية الالهية أو الدينية للنظام و يقال أن الامير محمد بن سلمان الذى استطاع فى وقت وجيز و فى ما سمى بليلة السكاكين الطويلة ابعاد كل ” المشتبه فيهم ” ممن بإمكانهم احداث و التسبب فى قلاقل مختلفة للنظام الجديد سيلتفت أخيرا ليخصص بعض الوقت لضرب هذه المؤسسة و اضعافها حتى يمكنه التعاطى مع ” المناهج الامريكية ” التى رسمها الرئيس الامريكى الجديد كقواعد سير للنظام السعودى بعد أن الاتفاق بصورة واضحة لا رجعة فيها على ضرورة السير بخطى حثيثة لربط العلاقة و توثيقها مع الجانب الصهيونى كبوليصة تأمين وحيدة لاستمرار النظام ، يعنى أن النظام مقبل فى الفترة القادمة على كثير من التغييرات على كل المستويات و أن عهد الايديولوجيات الحمقاء قد ولى و لا مكان فى السعودية لمن يرفض هذا التمشى الجديد أو لمن يدعو فى خطبه الدينية الى تشتيت اليهود و النصارى مثلما تعودنا عليه من امام الحرم المكى منذ سنوات ، اليوم ” انفتح ” النظام على مصراعيه لخدمة المشروع الصهيونى الامريكى و من المنتظر ان تفتح السجون لمزيد من المعارضين و بالطبع لا مجال لفتحها امام الراقصات و المدمنين و المتيمين بالمعتق من النبيذ فى ظل حكم آل سعود .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى