السلطة رسبت في امتحاناتها… أليسَ فيها رجلٌ رشيد؟

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

على قاعدة ″ضربني وبكى سبقني وإشتكى″ تتعامل السلطة الحاكمة مع اللبنانيين الذين بدأت آمالهم وطموحاتهم وأحلامهم وتطلعاتهم تتبدد وتتكسر على أزمات تتوالد من كل حدب وصوب لتغطي مساحة ″وطن الرسالة″.

″بلغ السيل الزبى″ في ما يواجهه اللبنانيون من مخاطر الانهيار، فالليرة فقدت 80 بالمئة من قيمتها الشرائية في ثمانية أشهر، وسعر الدولار قفز الى خمسة أضعاف ليلامس عتبة الثمانية آلاف ليرة والحبل على الجرار، والغلاء يتوحش ويفترس الرواتب والمدخرات، والمصارف والصرافون يتحكمون برقاب العباد، والبطالة تتنامى مع خسارة اللبنانيين أكثر من 200 ألف وظيفة منذ إندلاع ثورة تشرين، والبلد يتجه بخطى حثيثة نحو العتمة، والاتصالات والانترنت نحو التوقف، والمحروقات والخبز والدواء نحو الانقطاع، ما يعني أن اللبنانيين وخلال أسابيع مقبلة سيجدون أنفسهم عاجزين عن تأمين أبسط مقومات العيش الكريم.

بالأمس أعطى لقاء بعبدا الحواري نموذجا عن تعاطي السلطة مع هذه المخاطر، حيث فشلت في التواصل الايجابي مع سائر المكونات السياسية وفي جعل اللقاء وطنيا جامعا، فاجتمعت بمفردها ومع بعضها البعض، وصادقت على كلام أركانها وعلى رمي المسؤوليات وعلى بيان إنشائي لا يوجد فيه بند قابل للتنفيذ أو يساهم في الانقاذ.

يستغرب كثير من المتابعين هذه “البرودة” التي يتعاطى فيها العهد وحكومته مع واقع حال اللبنانيين وأزماتهم، حيث لم يبادر أحد الى إعلان حالة طوارئ مالية أو إقتصادية، أو طرح معالجات سريعة، أو إتخاذ إجراءات فورية للحد من نشاط السوق السوداء ومن الاحتكار الذي يرفع الأسعار، ولمواجهة الأزمات المعيشية التي تطال المواد الأساسية المتعلقة بتفاصيل الحياة اليومية، بل ثمة روتين قاتل يسيطر على كل اللقاءات والاجتماعات، فضلا عن المماطلة والتسويف في إيجاد الحلول من خلال طرح تشكيل لجان أو إجراء دراسات، في حين لم يعد أحد يمتلك ترف الوقت أمام الانهيار الكبير.

هذه “البرودة” ترجمت نفسها في لقاء بعبدا الذي نفض كل المشاركين فيه أيديهم من المسؤوليات التي من المفترض أن تكون ملقاة على عاتقهم كونهم أركان الحكم، فرئيس الجمهورية وجه الاتهامات الى “أطراف يسعون الى إستغلال وجع الناس وغضبهم لاشعال الفتنة والعودة الى الحرب الأهلية تنفيذا لأجندات خارجية”، وفي ذلك خيانة عظمى يجب أن تتحرك كل الأجهزة الأمنية والقضائية للتصدي لها ومواجهة المخططين لها، لكن المؤتمن على وحدة وإستقرار وأمن البلد إكتفى بهذا القدر من دون أن يحرك ساكنا.

في حين صادر رئيس الحكومة دور المواطنين الذين “لم يعد يهمهم سوى الدولار”، متناسيا أنه رئيس حكومة مواجهة التحديات التي من المفترض أن تقوم بخطوات إجرائية للجم الارتفاع الجنوني لسعر الدولار، لكنه عندما وصل الى “بيت القصيد” رمى بمسؤولية العملة الخضراء على مصرف لبنان، ما يدل على أن “فاقد الشيء لا يعطيه”، فيما وجد بعض المشاركين في اللقاء فرصة لتصفية حسابات شخصية مع الحكومة أو مع المعارضين الذين قاطعوا اللقاء.

هذا الواقع يفتح الباب على جملة من الأسئلة أبرزها:

أليس في هذه السلطة رجل رشيد يكون قادرا على إطلاق خطة إنقاذية توحي بالثقة وتساهم في حل الأزمات تدريجيا؟..

أليس في هذه السلطة رجل رشيد يبادر الى جمع كل المكونات السياسية من موالاة ومعارضة على طاولة واحدة للتوافق على آليات للحل بعيدا عن المصالح السياسية والشخصية؟..

أليس في هذه السلطة رجل رشيد يكون منسجما مع نفسه، فيبادر الى الاستقالة إذا ما أيقن أنه لا يمتلك الحل، ويفسح في المجال أمام آخرين لتولي المسؤولية؟..

من الواضح أن السلطة بكل مكوناتها رسبت في كل إمتحاناتها وفشلت في إيجاد أي من الحلول للأزمات الراهنة، لكن الأمل يبقى في أن يكون فيها رجل رشيد!..

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى