السياسة الأميركيّة القادمة، خطوات تكتيكيّة نحو هدف إستراتيجي

في جميع الأحوال، فأصدقاء موسكو الذين وصلوا معها لدرجة عالية من الثقة ومن التنسيق، لن يُخدعوا بهذه المناورات الأميركيّة، ويدركون أنّ جميعهم إن لم يتمسكوا بصداقاتهم سيكونوا أهدافاً أميركيّة في وقتٍ من الأوقات.

السياسة الأميركيّة القادمة، خطوات تكتيكيّة نحو هدف إستراتيجي

غسان الإستانبولي

لم تنتظر الإدارة الأميركيّة الجديدة كثيراً لتُعلن عن هدفها الاستراتيجي خلال السنوات القادمة، ولم تهدر وقتها في المناورات وجسّ النبض، لأنّها مُضطرّةٌ لمسابقة الزمن، لعلّها تستطيع أن تُصلح ما أفسدته الإدارة السابقة، ولذلك لم يكد مسؤولو الإدارة الجديدة يستلمون مهامّهم بشكلٍ فعلي، حتى بدأوا بعدّة خطواتٍ تكتيكيّةٍ تلتقي على هدفٍ استراتيجيٍ واحدٍ، هو إعادة روسيا إلى حجمها الذي كَبر بشكلٍ مُقلقٍ في زمن الرئيس دولاند ترامب.

الخطوة الأولى كانت باتجاه السعودية، والتي ترجمها شطب حركة أنصار الله اليمنية من لوائح الإرهاب، كذلك التصريحات الكثيرة الصادرة عن بعض أركان الإدارة الأميركيّة، من أن الحرب على اليمن يجب أن تتوقّف، ويرافق هذه التصريحات قرار تجميد بيع الأسلحة للمملكة، كذلك إعادة فتح ملف اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي تحت ذريعة انتهاك حقوق الإنسان، ولو دقّقنا بهذه الخطوة المُتجهة نحو السعودية لتبيّن لنا أنّها خطوةٌ تحمل هدفاً تكتيكيّاً مُركّباً، فمن ناحيةٍ يضع حدّاً للفشل السعودي في المنطقة، ويُقلل من التورّم الذي أوصلها لمرحلة المطالبة بأن تكون عضواً في أيّ اتفاقٍ نوويٍ آخر مع إيران، ومن ناحيةٍ أخرى ليكون دليل حُسن نيّةٍ أميركيّةٍ نحو إيران وخاصّة فيما يتعلق بالملف اليمني، وقد تكون الولايات المتحدة وصلت إلى قناعة بأن ولي العهد الحالي قد فشل في تقديم نفسه كملك قادم وربّما تكون بصدد تقديم ولي عهد أكثر عقلانيّة.

الخطوة الثانية كانت وجهتها إيران، وذلك من خلال الإشارات الايجابيّة التي وصلتها، ومن أهمّها إعلان البيت الأبيض أنّ الولايات المتّحدة ستعود للاتفاق النووي في حال عودة إيران إليه، ومن المعروف أن هذا المطلب هو إيرانيٌّ بالأساس، ويبدو واضحاً أن أحد الأهداف الأساسيّة الأميركيّة من هذه الإشارات الإيجابية، هو قطع الطريق على المزيد من التنسيق بين روسيا وإيران.

الخطوة الثالثة هدفها الدور التركي في المنطقة، وهنا يُلاحظ أن الموضوع الصعب في عهد ترامب، المتمثل بالتفاهم التركي المصري على تشكيل حكومةٍ ليبيةٍ تُنهي الحرب هناك، قد أصبح موضوعاً قابلاً لأن يتحقق، وقد تكون نتيجته إنهاء النفوذ الروسيّ في ليبيا أو التقليل منه قدر الإمكان.

وهنا لا بدّ من التوضيح أن التهديد الأميركي بعقوبات اقتصاديّة وعسكريّة على تركيا ما هو إلّا عَصاً لتأديب الرئيس التركي، ومنعه من متابعة الرقص على الحبال، ما يُجبره على التخلّي قدر الإمكان عن التنسيق مع روسيا والعودة الكاملة إلى الحظيرة الأميركيّة، لأنّ الرهان الأميركي كبيرٌ بأن تكون تركيا هي اليد الأميركيّة، التي ستضرب بها على الحدود الروسيّة وخاصّة في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.

ويستطيع المراقب رصد الكثير من الرسائل الأميركيّة لأصدقاء موسكو، فالرسالة للصين بإعلان بايدن أن روسيا هي العدو الاستراتيجي للولايات المتّحدة ولم يأتِ على ذكر الصين، ما يعني أنّ الإدارة الأميركيّة الحاليّة قدّمت العدو العسكري المتمثل بروسيا، على العدو الاقتصادي المتمثل بالصين، وذلك بعكس الإدارة السابقة.

كذلك عدّة رسائل إلى سوريا، منها الرسالة التي نقلتها صحيفة الشرق الأوسط عن لسان روبرت روباك، وهو المبعوث الأميركي السابق للمناطق الشماليّة الشرقيّة من سوريا، حيث يقول أنّ واشنطن لا تدعم قيام دولةٍ كرديّةٍ في سوريا، وأنّ المصلحة الأميركيّة هي بوجود حكومةٍ سوريّةٍ في دمشق تسيطر على كلّ البلاد. كذلك تصريح البنتاغون بأنّ حماية النفط لم يعد هدفاً للقوات الأميركيّة في سوريا، وليُكمل وزير الخارجيّة الأميركي تلك الرسائل بقوله أن الإدارة الأميركيّة لا تؤيد قرار إدارة ترامب بسيادة “إسرائيل” على الجولان.

وبمقاربةٍ بسيطةٍ، نجد أن الخطوات السابقة تتلاقى مع خطواتٍ اتجهت مباشرةً ضدّ روسيا، مثل وصفها بالخطر الاستراتيجيّ، كذلك مطالبتها بالتوقف عن زعزعة الاستقرار العالمي، واتهامها بتمويل عمليات قتل جنودٍ أميركيين في أفغانستان، واتهامها أيضاً بالقرصنة الإلكترونيّة لمواقع أميركيّة حسّاسة، والأهمّ من ذلك هو مطالبتها باحترام حقوق الإنسان، وخاصّة أثناء التعامل مع المعارض الروسي المُعتقل أليكسي نافالني ومع المتظاهرين الروس، وما إلى ذلك.

في جميع الأحوال، فأصدقاء موسكو الذين وصلوا معها لدرجة عالية من الثقة ومن التنسيق، لن يُخدعوا بهذه المناورات الأميركيّة، ويدركون أنّ جميعهم إن لم يتمسكوا بصداقاتهم سيكونوا أهدافاً أميركيّة في وقتٍ من الأوقات.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى