الشقاء وَجَريمةُ الإغتِيالِ الآثِمَةِ

نعيشُ هذهِ الأيامَ الذكرى الفاجِعَةَ لإستِشهادِ أميرِ المؤمِنينَ عليه السلام بِضَربَةٍ غادِرةٍ من عبدالرحمن بن ملجم المرادي الذي وَصَفَهُ النبيُّ صلى الله عليه واله وسلم بأشقى الاشقياء. والجَرائمُ الكُبرى في التأريخِ ارتَكَبَها اشقياء تجاوزوا فيها كل الحدود .

الحربان العالَمِيَّتانِ صنَعَهُما الاشقياءُ على مسرحِ التأريخ ، والحروب الكثيرةُ هنا وهناك ، والمآسي والجرائم هي ماركاتٌ مُسَجَّلَةٌ باسماءِ اشقياء. فما هو مفهومُ الشقاء ؟ والطغاةُ المستبدونَ الذينَ مَلَؤُوا الارضَ ظلماً وجوراً وقتلاً وسجوناً ورعباً هم اشقياءُ .فما هو مفهومُ السَّعادَةِ ؟ وماهوَ مفهومُ الشقاء ؟

الشقاء في اللغة يأتي بمعنى العُسرِ والتَّعَبِ ، ويأتي بمعنى الشِّدَّةِ والمِحنَةِ ، ويأتي بمعنى الضَّلالِ ، ويقابلُهُ السعادةُ والتي هي : كلُّ مايُعَبِّرُ عن الفرحِ والابتهاجِ ، ويدخل السرورَ على النفسِ البشرية.

  • مفهومُ الشقاء ومفهومُ السَّعادةِ عند اغلبِ الناسِ

السعادةُ عندَ غالبيةِ الناس مقصورةٌ على الامورِ المادِّيَّةِ ؛ فالسَّعيدُ عندهم من يملك العقارات ، ويجمعُ القناطيرَ المُقَنطَرةَ من الذهب والفضةِ ، ويعيشُ حياةً مُرَفَهَةً في قُصُورٍ فخمةٍ ، وعيشةٍ فارهةٍ . وامّا الشَّقِيُّ فهو من حُرِمَ هذا العيش الرغيد.

امّا الفلاسفة فلايَرَونَ السعادة في اللذائذِ الحسِّيَّةِ ، بل يرونها في اللذائذِ العقليّة ، وافلاطون يراها في فضائل الاخلاق ، وعلماءُ النفس يرون السعادة في اعتدالِ الامزجةِ ، والشقاء في اضطرابِ الامزجة .والمتصوفة يرون السعادة في اللذةِ الروحية ، والشقاء في الحرمان منها .

والسعادةُ ليست معادِلَةً لِلَذَّةِ ، نعم ، اللذة مطلوبةٌ ، وقد تكونُ اللذائذُ شروطاً ضروريةً لتحيق السَّعادَةِ ، ولكنَّ السعادةَ معنىً يختلفُ تماماً عن اللذَّةِ .

  • المفهومُ القُرآنيُّ لِِلشَقاءِ والسَّعادةِ

القرآنُ الكريمُ طَرَحَ مفهوماً مُختَلِفاً لِلشّقاءِ والسَّعادةِ ، عن المفهوم السائدِ ، وعن تصوراتِ الفلاسفةِ وعلماء النفس . الشقاءُ في المفهومِ القُرآنيِّ هوَ كُلُّ مايُبعِدُ العبدُ عن رَبِّهِ ويبعده عن الخير والهدى، والسعادة هي كل مايُقَرّبُ العبدَ من ربهِ ويقربه من الخير والصلاح. والاياتُ الكريمةُ تشيرُ لهذا المعنى منها :

{ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } ؛ هود:الاية: 106.

وامّا السعداء فاللهُ تعالى يقولُ عنهم : { ۞ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } ؛ هود: الاية: 108

وفي سورة طه أَنَّ القرانَ أنزلَهُ اللهُ تعالى ليسعد به الناس ولم ينزل لشقائهم ؛ فالايةُ تقول للنبيِّ صلى الله عليه واله وسلم لاتتعب نفسك فالله لايريد شقاءكَ وتعبك : { طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى* إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى } ؛ طه: الايات:1-3.

{ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ } ؛ طه: الاية: 123، 124. الايةُ تقولُ :” ان من يتبع هدى الله في حصانةٍ ومنعةٍ من الشقاء والضلال ، ولازمُ ذلك انَّ من يتبع الهدى الالهي يكونُ سعيداً.

{ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } ؛ الاعلى : الايات: 11-12.

ثم ذكرت الاية التي بعدها ان الاشقى لايموتُ في النار ولايحيى: { ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ } ؛ الاعلى: الاية: 13.

نفت الاية عن الاشقى الحياة رغم انه يأكل الضريعَ ويشربُ الصديد ؛ ولكن هذه الحياة الحيوانية التي تتضمن الطعام والشراب لايسميها القرآنُ حياةً بل يُطلقُ عليها معيشةً ، كما في قولِهِ تعالى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ } ؛ طه: الاية:124.

الاشقى ليس لهُ حياة ، بل لهُ معيشة فقط ، له حياة بيولوجيَّةٌ قوامها الطعام والشراب والشهيق والزفير. وعبر عن المستجيب لله ورسوله انَّ له حياةً ، كما في قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ؛ الانفال: الاية:24.

والقرآنُ يُحدد لنا بأنَّ الاشقى هو المُكَذِّبُ المُعرضُ ، والاتقى هو السعيد المصدق المطيع كما في قوله تعالى: { فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لَا يَصْلَاهَا إِلاَّ الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى } ؛ الليل : الايات: 14-21.

وفي يومِ القيامة الناس صنفان ، شقيٌّ وسعيدٌ : { يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } ؛ هود: الاية: 105.

  • الشقاءُ وقتلُ الحُجَجِ الالهيَّةِ

عَبَرَ القُرآنُ الكريمُ عن عاقرِ ناقةِ صالح عليه السلام بأنَّهُ أَشقاها : { إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } ؛ الشمس: الاية: 12 . وعبر الرسول عن قاتل امير المؤمنين عليه السلام بأنهُ اشقى الاخرين ، لماذا هل هناك مجالٌ للمُقارَنةِ بينَ قتلِ حجةِ الله في أرضه وبين قتل ناقةٍ . عاقرُ الناقةٍ لم يستحق وصف الاشقى لمجرد أَنَّهُ عقر ناقةً ، وانما لانه عقر آيةً من آيات الله كما في قوله تعالى : { وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } ؛ هود: الاية: 64. وقاتلُ امير المؤمنينَ قتلَ حجة الله ، وامين الله في ارضه .

قتلةُ الانبياء اشقياءُ بعيدونَ عن اللهِ ، شقاؤهم حدد مصيرَهم الاخروي في جهنم . وقاتل امير المؤمنين عليه السلام بل قتلته ؛ لان قتل الامام عليه السلام مخطط جهنمي ساهم فيه كلُّ الاشقياء ، وابن ملجم مجرد اداة في هذا المخطط . الذين خرجوا لقتل سيد الشهداء اشقياء رغم صلاتهم وصومهم . ولكنّ علياً عليه السلام هو الفائز السعيد في هذا الاغتيال الاثم وابن ملجم وكل القتلة كانوا هم الاشقياء .

امير المؤمنين عليه السلام حينما اصابته الضربة قال: ( فزتُ وربِّ الكعبة ) ؛ ليفهمنا انَّ الشهادة فوز ، وانّ الانتصاراتٍ الموهومةَ خسرانٌ مبينٌ وشقاء ابدي .فاز عليٌّ عليه السلام ؛ لانَّهُ وَفَّى بكلِّ عهوده مع الله تعالى ، كما في قولهِ تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ؛ التوبة: الاية:(111)

فازَ اميرُ المؤمنين (ع) ؛ لانه وفى بعهوده مع الله كما في خاتمة الاية : ( ذلك هو الفوزُ العظيم . والاّ في منطق غالبية البشر علي عليه السلام ليس فائزاً ؛ لانه قضى عمره مجاهداً وتكافئه الامة بهذا الجزاء ، ولكنّ مفهومَ عليٍّ عليه السلام للفوز والسعادة يختلف عن تصورات البشر وينسجم مع المفهوم الالهي للفوز والسعادةِ.

سلام الله عليك ياأمير المؤمنين يوم ولدت ، ويوم اعطيت كل شيءٍ لوجه الله ، ويوم استشهدت مضمخاً بدمائك في محراب صلاتك ، ولعن الله قاتليك الاشقياء.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق