“الشهداء يعودون هذا الأسبوع”

الشهداء يعودون هذا الأسبوع
راسم عبيدات

ها هم الشهداء يعودون أيها الروائيّ الكبير “الطاهر وطار“، عادوا بعد 170 عاماً من احتجاز جثامينهم في باريس من قبل دولة الاستعمار الفرنسي، عادت رفاة 24 شهيداً من أبطال الجزائر والمقاومة الجزائرية، لكي تحتضنهم الأرض التي ضحوا من أجلها، عادوا لكي يجري استقبال جثامينهم بما يليق بتضحياتهم ونضالاتهم، عادوا لكي يعرف شعب الجزائر العظيم بان هؤلاء من صنعوا لهم فجراً للحرية، وهم من دفعوا دماءهم ثمناً لتحرير الوطن.

عادوا لكي يكشفوا حقيقة هذا الغرب الاستعماري الذي يتغنى بحقوق الإنسان والديمقراطية والإنسانية والحرية والعدالة، اغتصب هؤلاء الفرنسيين أرض الجزائر، واحتلوها لأكثر من مائة وثلاثين عاماً، وقتلوا من شعبها اكثر من مليون جزائري وسجنوا مئات الآلاف، واعدموا المئات في الصحاري بطرق وحشية يندى لها الجبين، بل وأجروا تجارب طبية على العديد من الأسرى الجزائريين، وجعلوا منهم فئران تجارب لاختبار نجاعة الأدوية للعديد من الأمراض.

نعم هذا الغرب المتوحش والمجرم، يضع مصالحه واقتصاده فوق كل الاعتبارات الإنسانية

ومع انتشار فيروس جائحة ” كورونا” كوفيد 19، رأينا كيف تعامل هذا الغرب الاستعماري وأمريكا مع هذا الوباء الفيروسي، قالوا الاقتصاد فوق حياة البشر، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون اليميني المتطرف، قال “علينا ان نتعامل مع هذا الفيروس ضمن ما يسمى بمناعة القطيع”.

عليكم أن تثقوا بأن هذه الرأسمالية المتعولمة ” تُسلع” البشر، فالبشر لا قيمة لهم اذا ما تعارض ذلك مع مصالح القوى الاستعمارية، ولكم أن تتخيلوا ليس فقط أمريكا تفرض حصاراً ظالماً على إيران منذ أربعين عاماً، بل رفضت توصيات منظمة الصحة العالمية والعديد من المؤسسات الدولية، بتخفيف الحصار عن ايران، والسماح بإدخال اجهزة ومعدات طبية لمواجهة انتشار جائحة ” كورونا” في ايران؟، حتى الوباء يريدون أن يبتزوا الدول والشعوب من خلاله، فرئيسهم وكبيرهم الذي علمهم السحر ترامب، سياسته قائمة على الابتزاز واستحلاب المال، وهذه السياسة لم تنفع سوى مع الدول الفاقدة لإرادتها وقرارها السياسي والمرتعبة من أمريكا، مثل المشيخات الخليجية العربية، وفي المقدمة منها السعودية والإمارات والبحرين وقطر.

أمريكا المتغنية بالإنسانية والحرية والديمقراطية، تقر قانون ما يسمى بـ “قيصر” لقتل الشعب السوري وحرمانه من أبسط مقومات الحياة البشرية، وكذلك تفعل نفس الشيء مع لبنان، والسبب واضح، إما الخضوع للشروط والإملاءات الآمرو صهيونية، وإما الموت جوعاً، فرفع الحصار مقابل الخضوع والخنوع.

نحن في فلسطين تعرضنا لأبشع غزوة اقتلاعيه في التاريخ البشري الحديث، حيث احتلت أرضنا وهُجّر أكثر من نصف شعبنا، وجرى إحلال المستعمرين الصهاينة مكانهم، ورغم كل شلال الدم الفلسطيني النازف على مذبح الحرية والتحرر من نير الاحتلال، لم ننجح حتى الأن في أن ننتزع جزء من حقوقنا، وإقامة دولتنا المستقلة على جزء من فلسطين التاريخية، وفي إطار الصراع المحتدم والمتواصل مع عدونا الصهيوني الذي يحتل أرضنا ويغتصب حقوقنا، دفعنا عشرات آلاف الشهداء، والذين ما زال الاحتلال يحتجز جثامين أكثر من 250 منهم منذ خمسين عاماً في مقابر الأرقام، وهناك 63 آخرين محتجزة جثامينهم في ثلاجات مشافي الاحتلال، فحتى من يستشهدون يخيفون المحتلين في قبورهم، الأموات لا يتعذبون، ولكنهم باحتجاز جثامينهم من قبل هؤلاء المستعمرين، يريدون أن يجعلوا اهلهم وذويهم يعيشون في عذاب ومعاناة دائمتين، فهم يتشوقون ليس لرؤية رفات أجساد شهدائهم، ودفنهم بما يليق بهم ووفق الشرائع السماوية، والتي لا يحترمها المحتل.

تصوروا محتلين وغزاة يخافون جثامين الشهداء، فهم لا يريدون للشهداء أن يتحولوا إلى أنموذج لأبناء شعوبهم، وأن لا تتحول قبورهم الى مزارات؛ أي عقليات استعمارية واحتلالية هذه، التي تعاقب الأحياء والأموات، وتتشدق بالإنسانية والحرية والديمقراطية؟.

التاريخ يعلم بأن طريق الغزاة والاستعمار والاحتلال الى زوال، مهما طال الزمن، فالشعوب لا تتخلى عن حقوقها ولا عن شهدائها، ولذلك نحن كشعب فلسطيني، من حقنا أن نحلم وبأن هذا الحلم سيتحقق، حيث سيعود شهدائنا ،هؤلاء الشهداء الذين يعبدون لنا الطريق نحو الحرية والاستقلال، لكي يصنعوا فجراً لنا ولأطفالنا في عيش كريم ووطن حر، بعيداً عن حواجز الإذلال والقمع والتنكيل والقتل بدم بارد، فشعبنا آن له أن ينعتق من نير الاحتلال، وأن يحتفل بعودة شهدائه، هؤلاء الشهداء الذين أحلم بان يتم تسجية جثامينهم في سهل واسع، وأن يمر عشرات بل مئات الألاف من ابناء شعبنا على جثامينهم، يؤدون لهم التحية، وان يجري تكريمهم بما يليق بهم.

الجزائريون عادت جثامين شهدائهم بعد 170 عاماً، والرئيس الجزائري الأسبق العروبي الكبير هواري بومدين قائد الثورة الجزائرية منع أي مسؤول جزائري من زيارة فرنسا، قبل أن تعيد جثامين شهداء الجزائر، وكذلك منع قرينته من أن تتعالج في فرنسا أو تزورها، ما لم تعد جثامين شهداء الجزائر.

ها هي جثامين شهداء أبطال الجزائر تعود، لكي تدفن رفاتهم، بما يليق بتلك القامات الكبيرة التي عبدت الطريق نحو استقلال الجزائر وحرية شعبها، ولا أعتقد بأن جثامين شهدائنا ستبقى محتجزة إلى الأبد في مقابر الأرقام الاحتلالية، ولا في ثلاجات مشافيه، وحتماً ستعود تلك الرفات ويفرج عنها، لكي يحتضنها تراب الوطن الذي ضحوا من اجله، ولكي يودعهم شعبهم بما يليق بنضالاتهم وتضحياتهم، هذا الشعب الذي يسير على درب ألآلام مسيحه، وما زال يتعذب ويتعرض للذل والقمع والتنكيل، فلا بد أن يبزغ فجر حريته وان يعود مشرديه ولاجئيه الى وطنهم.

صحيح أن درب الحرية والكرامة والعزة شاق وطويل، ولكن مهما طال هذا الدرب، وكثرت أشواكه، فلا بد أن يبزغ فجر حرية هذا الشعب، هذا شعب رغم كل المحاولات والمؤامرات والمشاريع والمخططات التصفوية لكي تشطب حقوقه وتصفي قضيته بكل ركائزها، لكنه مثل طائر الفينيق يخرج دوماً من تحت الرماد، ويصر على البقاء، وأن ينال حريته واستقلاله.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى