الشيخ علي الشرقي شاعر المعاناة والحب والنهوض – الجزء الثالث والأخير

وحين يتصدى علي الشرقي للفرات الذي أطلق أمواجه المدمرة على أكواخ الفلاحين الفقراء على حين غرة يعاتبه عتابا مرا ممزوجا بمرارة الألم والمعاناة لعصفه الشديد بتلك الأكواخ البالية التي لاتقي من حر ولا قر بعد أن كان يحنو عليهم ويسقي زروعهم . ويصفه بالطاغي الذي لايسمع العتاب لقسوته وجبروته حين يزمجر على أصحابه. فكتب قصيدته (الفرات الطاغي) أثناء حدوث ذلك الفيضان الرهيب الذي حل بالعراق عام 1929م.

حيث يسكب قطرات من جرحه النازف مرة أخرى على الورق ليعبر عما في دواخل روحه من حزن وألم وحسرة جراء ماحل بتلك الطبقات الكادحة المسحوقة من كوارث رهيبة بعد أن عصفت بهم الأمواج العاتية وزمجرت وزحفت كجيش جرار واكتسحت كل شيء في طريقها دون رحمة. وفي أبيات تلك القصيدة يوجه نقده اللاذع للسلطات الحاكمة التي لم تتحسس هول الكارثة التي عصفت بالفقراء المنكوبين وبأكواخهم الطينية التي هي ذخيرتهم الوحيدة في الحياة. وكأنها كهوف مظلمة يحشرون أجسادهم النحيلة المتعبة فيها حين ينشر الليل ظلامه الثقيل عليها لينعموا بقليل من النوم بين طياتها الرطبة العفنة التي تغص بالحشرات بعد عمل نهاري شاق .

حتى إن ماشيتهم قد أصابها الذعر وهربت هائمة على وجوهها لاتلوي على شيئ . وبات أصحابها في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء وهم في أشد حالات البؤس والشقاء بعد أن تهاوت تلك الأكواخ وجرفتها الأمواج. والحكام قابعون في قصورهم الفارهة الشاهقة التي تتوفر فيها كل وسائل الرفاهية، وينعمون فيها بحياة هانئة، ويغطون في نومهم اللذيذ الهادئ فيها، ولم تتحرك ضمائرهم ليقوموا بأدنى فعل لدرء الخطر عن هؤلاء البؤساء الذين باتوا يقلبون أبصارهم نحو كل الجهات باحثين عن النجاة بأرواحهم وأرواح عوائلهم. ويتساءل الشاعر المجروح أين نواب الشعب من أصحاب الخطب الرنانة من هذه الفاجعة؟ حيث يقول :

الموجُ في تلك السهول كأنما
جالت عليها عصبة الأغراب
إني عتبت على الفرات وهل ترى
يتنازل الطاغي لسمع عتاب ؟
ماللفرات المستشيط بغيضه ؟
يسطو وسطوته على الأصحاب !
فبلاغة الأعيان ماأجدت ولا
صد الفرات فصاحة النواب !

إنه تهكم ممزوج بالمرارة على مجلسين شكليين لاهم لأفرادهما سوى إظهار براعتهم في تلك الخطب التي لاتغني ولا تسمن من جوع، ولا عجب في ذلك ماداموا ينتمون إلى دولة الأقطاب التي تختارهم وهم من الإقطاعيين الموالين للحكومة.وهمهم الأكبر هو الحصول على المزيد من الإمتيازات الشخصية. وما أشبه اليوم بالبارحة؟

ويستمر الشاعر في قصيدته ( الفرات الطاغي) موجها كلامه لدولة الأقطاب بعد أن رأى بعينيه تلك الفاجعة التي شهدها بعينيه فيقول :

سل دولة الأقطاب هل من منقذ
لزروعه في دولة الأقطابٍ؟
طافت حنايا الكوخ
فوق خصاصة الغرقى..
وعام البيت بالأخشاب.
ولقد نظرت أثاثه الطافي فلم
أبصر سوى حصر وجرد ثيابِ
لانجوة يأوي لها الراعي ولا
لقطيعه المذعور نشز هضابٍ

ويصل في قصيدته إلى ذروة المأساة ليصور كيف غدا حال الكلاب وأسراب الأطفال واحدا والجميع بات يصارع الأمواج من أجل البقاء. وشبه الأطفال بالطيورالمرفرفة بين الأمواج التي أخذت تلطمها يمينا ويسارا فتخمد أنفاسها وتحولها إلى جثث هامدة باردة :

أقرأ أيضاً:

"شذرات يكتبها... باسل أديب فريفر"

حتى الكلاب بذلة وكآبة
ولهى قد امتُحنتْ بخوض عبابِ
وتكاد تخرج من إهابك عندما
ترنو إلى الأطفال كالأسراب
تعدو مرفرفة أمام الموج كي
تنجو فينكصها على الأعقاب !

والشرقي عندما يكتب قصيدة في وصف شيء ما أو يبعث بتهنئة لصديق أو يرثي شخصا عزيزا عليه يشير في قصيدته إلى مكمن الجرح حيث الأغلال تكبل أبناء وطنه. ففي قصيدة يهنئ صديقا له بمناسبة زفافه لايقف عند ذلك الزفاف بل يستنهض همم الشباب ليبعدوا الخطر المحدق بوطنهم وأمتهم فيطلب منهم بروح حماسية متأججة قادرة على التأثير في أعماق النفوس أن يكونوا خير بناة لوطنهم، والدفاع عن مقدساته ، ولابد أن يبذلوا الدماء على مذبح الحرية. فالوطن يرنو إلى تضحياتهم وإيثارهم . ولا يصمد ويعلو شأنه إلا بسواعدهم وعقولهم وهممهم لكي تخفق في ربوعه رايات النصر والحرية انطلاقا من قصيدة أحمد شوقي:

وللحريةِ الحمراء بابٌ
بكل يدٍ مضرجةٍ تدقُ

وباستنهاضه للشباب لأنه يعلم تماما بحسه الواعي إن الشباب قادرون دائما على البذل لو توحدت إرادتهم. لأنهم الجيل الذي ينتمي إلى أولئك الأفذاذ الذين جبلوا على التحدي، وسبحوا عبر أنهار الدماء من أجل حريتهم وكرامتهم وخلاص وطنهم .وهنا يكمن دور الشاعر في خلق وعي الأمة عندما تختلط القيم والمفاهيم حيث يظهر المرجفون والمشككون ليطعنوا الأمة بكبريائها وأقدس أمانيها :

صحراء أندلسٍ حماتُك أنجبوا
للثورة الحمراء جيلا ثان
كف لنا خضبت بنجد صافحت
سورية فتخضًبَ الكفّانِ
الورد ألوانٌ فقلْ لرياضنا
لاتنبتي إلا بأحمر قانِ
وردُ الشباب وسوف ينبت دائما
ذكرى لهم بشقائق النعمانِ
ساري النسيم الحاملات رسالة
للورد نحو مراقد الشبان
رقدوا وأعلام البلاد تلفُهمْ
كالورد في الأكمام لا الأكفان

لقد شبه الشهداء الذين سقطوا مضرجين بدمائهم من أجل الوطن كالورود في الأكمام ولاشك في ذلك لأن الشهداء مشاعل نور ونجوم لاتنطفي أبدا.وهي التي ترسم الطريق لكل عشاق الحرية والباحثين عن الكرامة والمجد والسؤدد . ويستطرد في قصيدته متحدثا عن الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل رفعة الوطن قائلا :

وتقمصت لطفا ورودُ ربيعها
أرواحهم عوضا عن الأبدانِ

ثم يخاطب مرة أخرى شباب العراق ويصفهم بالبستان ويسوءه أن تكثر الأشواك فيه لتمنع الأشجار من إعطاء الثمر اليانع للأمة. فالأشواك هم أعداء الأمة الذين يحاولون التغلغل بين أوساط الشباب وتثبيط عزائمهم وإغرائهم بأمور تافهة تبعدهم عن هموم شعبهم ووطنهم وهذا الذي يحذر منه الشاعر حيث يقول :

أقرأ أيضاً:

مَنْطِق الرُّوح .. . !

ياورد بستان العراق يضيمني
أن تكثر الأشواكُ في البستانِ.

ولعل رباعيات الشرقي التي تحمل عنواني ( البلبل الطليق ) و (البلبل السجين) هي أجمل ماكتب من شعر. ففي هذه الرباعيات الجميلة يجد متذوق الشعر الوجه الحي للطبيعة البشرية بكل مايعتريها من قلق وحب ولذة وألم وتفاؤل وتشاؤم ونجاح ونكوص حيث يتطرق فيها الشاعر إلى مختلف شؤون الحياة الفلسفية والوصفية والوجدانية وغيرها وأستطيع أن أزعم أن الشاعر الشرقي قد قرأ رباعيات الخيام قراءة متأنية وحاول أن يحذو حذوها لكن رباعياته لن ترقى إلى مستوى رباعيات الخيام العميقة الدلالة بمضمونها الفلسفي. وقد ترجم تلك الرباعيات الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي وكذلك الشاعر المصري أحمد رامي وكلا الشاعرين كانا معاصرين لشاعرنا علي الشرقي ولا أدري هل التقى الشرقي بهذين الشاعرين أم لا وإذا جمعه لقاء معهما فهل تحدثوا عن تلك الرباعيات وعن شخصية عمر الخيام التي اختلف فيها الكثيرون فمنهم من قال إنه زاهد متعبد متصوف ومنهم من قال إنه متهتك أطلق هواه وغرائزه ووصف الخمرة لأنه كان يعاقرها ومهما يكن من أمر فباعتقادي الشخصي أن رباعيات الشرقي فيها روح من رباعيات عمر الخيام حيث تمسها مسا خفيفا. لكنها لاتجاريها في العمق والدلالة.

وهذه إحدى رباعياته التي يحاول بها تقليد رباعية لعمر الخيام فيقول :

من أجل جبران قلبٍ
قد انكسرن قلوبُ
وكي يكون وقودٌ
يجف غصن رطيبُ
نتوب عن جرم ذنب
وتستجدُ ذنوبُ
تُبنا وعدنا فهلاّ
من أن نتوب نتوبُ

إنه يعبر في هذه الرباعية عن رغبات النفس الأمارة بالسوء الذي يعيش في عالم يضج بالمغريات التي لايستطيع أن يقف في وجهها إنطلاقا من الآية الكريمة ( وخلق الإنسان ضعيفا) واستمرارية الحياة تفرز الأضداد دوما :

لكي يكون وقودُ
يجف غصن رطيبُ

إنها جدلية الموت والحياة التي تناولها وسيتناولها الفلاسفة والمفكرون إلى يوم يبعثون.وحسب اعتقادي إن رباعية الشاعر علي الشرقي تلتقي مع رباعية عمر الخيام في المعنى تلك التي ترجمها الشاعر الراحل أحمد رامي حيث يقول الخيام:

نلبس بين الناس ثوب الرياء
ونحن في قبضة كف القضاء
وكم سعينا نرتجي مهربا
فكان مسعانا جميعا هباء

فالتشابه في المعنى بين الرباعيتين واضح جلي ولكن كل شاعر عبر عنها بلغته الخاصة .

لقد جعل الشاعر علي الشرقي من رباعيات (البلبل الطليق ) و (البلبل السجين ) رمزين لفلسفته وأفكاره وهواجسه فـ (البلبل ) هو تلك الروح الهائمة الباحثة عن الحرية والنقاء والطهر والحياة المثلى البعيدة عن القهر والأغلال والسجون وهو لايطيق البقاء في القفص الذي يسكن فيه وحريته الفضاء الشاسع ومع الأشجار والورود . فلا يبوح بعشقه إلا لها لأنها تحفظ له أسراره كما يعبر في هذه الرباعيه :

أقرأ أيضاً:

مَنْطِق الرُّوح .. . !

معي يابلبل الروضه
من لوح إلى لوح
وبح للورد أن الورد
مأمون على البوحِ
وددت الفلك لم ينج
ولم يسلم على نوح
وتبقى الأرض للنبت
من القيصوم والشيحِ

إنها أرض العراق التي تنبت فيها الكثير من النباتات البرية الزكية الرائحة منذ أن خلقها الله والقيصوم والشيح هي النباتات البرية الزكية الرائحة ولابد للبلبل أن يتنقل بينها، ويستنشق عبيرها دون خوف أو قهر ولاشك أن البلبل هو الإنسان العراقي الذي لاقى الكثير من الضيم والاضطهاد على أيدي الطغاة ولابد أن ينال حريته في آخر المطاف.

وهذه الرباعية فيها معان تلتقي مع رباعية أخرى لعمر الخيام في المعنى ترجمة أحمد رامي حيث يقول فيها :

صفا لك اليوم رق النسيم
وجال في الأزهار دمع الغيوم
ورجًع البلبلُ ألحانه
يقول هيا اطرب وخل الهمومْ.

إن العديد من رباعيات الشاعر علي الشرقي لاتخلو من روح التهكم والسخرية التي غالبا ماكان يوجهها للحكام الذين لاهم لهم سوى سرقة قوت الشعب والعيش على جماجم أصحاب الأرض الحقيقيين، وجمع الضرائب من كد هم وعرقهم لبناء قصورهم الفارهة ولابد أن يأتي اليوم الذي يثور فيه هؤلاء ليزيلوا عروش الظلم والفساد حيث يقول في أحدى الرباعيات :

هل زاد رزقي درا
حتى تزيد الضرائب ؟
وصاحب الكوخ فقرا
قد باع حتى المعاصب !
أنت تسكن قصرا
من كد أهل الضرائب ؟
بغاثُ طيرك يضرى
ونسر قومي يراقب !

وفي ختام هذه الدراسة المتواضعة لايسعني إلا أن أقول نحن أمام شاعر كبير حاذق الصنعة، واسع الخيال، ثر المعاني،غنى للجمال والحب والوطن والقيم الإنسانية النبيلة بلغة شعرية شفافة ومتمكنة وآسرة وأنه عشق وطنه العراق عشقا لاحدود له وسخر جل شعره لوطنه واستنهاض همم الشباب فيه. رغم شعوري بالتقصير في الإلمام بكل القصائد التي احتواها الديوان من رباعيات وموشحات ومزدوجات لو تناولتها لاحتجت لكتابة عشرات الصفحات الأخر. والشاعر الكبير علي الشرقي يستحق الكثير وأقولها بكل أسى ومرارة بأن النقاد قد ظلموا هذا الشاعر الوطني الكبير ولم يقدروه حق قدره أتمنى من محبي الشعر أن يقضوا أوقاتا ممتعة مع ديوان الشاعر الوطني الكبيرعلي الشرقي الذي سيبقى أثرا بارزا في تأريخ الشعر العراقي المعاصر .

رحم الله علي الشرقي الشاعر والإنسان ورحم الله المحققان الأستاذان إبراهيم الوائلي وموسى الكرباسي على تحقيقهما لديوان الشاعر المرحوم الشيخ علي الشرقي .

المصدر : ديوان الشاعر علي الشرقي – مطبوعات وزارة الأعلام العراقيه عام 1979م أشرف على تحقيقه الأستاذان إبراهيم الوائلي وموسى الكرباسي.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: