الصّراع على ميّاه النّيل بين الحلّ السّلمي أو الصّدام الحتمي

يعود ملف سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة الأحداث بالقارة الأفريقية وعلى صعيد المشهد السياسي العربي والدولي، فبعد كر وفر ومحاولات طويلة لإيقاف مشروع سد النهضة عبر مفاوضات ترضي جميع الأطراف، ضربت إثيوبيا بعرض الحائط كل تلك المحاولات معلنة رسمياً عزمها المضي في الملء الثاني لسد النهضة في تموز المقبل، حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق، فيما تتمسك القاهرة والخرطوم بالتوصل إلى اتفاق يحافظ على منشآتهما المائية ويضمن استمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه نهر النيل‎، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، و18.5 مليار متر مكعب بالترتيب. إعلان إثيوبيا لم يأت متوافقا مع الهدف الذي أعلن مع بدء المفاوضات، والمتمثل ببلورة اتفاق قانوني نهائي ملزم لجميع الأطراف، بخصوص قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، مع الامتناع عن القيام بأي إجراءات أحادية بما في ذلك ملؤه قبل التوصل إلى اتفاق. والقول الفصل نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية “إينا” عن نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية الإثيوبي، ديميكي ميكونين، الأربعاء 07/04/2021، قوله: “إنه لا يمكن لإثيوبيا أن تدخل في اتفاق من شأنه أن يحرمها من حقوقها المشروعة الحالية والمستقبلية في استخدام نهر النيل”.

وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي اتهمت الحكومة الإثيوبية بتجاهل “المرجع الأساسي” للمفاوضات، الذي قصدت به إعلان المبادئ الموقع بين الأطراف الثلاثة في العام 2015، في حين قال سامح شكري وزير الخارجية المصري: إثيوبيا “تجهض أي مسعى للتوصل إلى اتفاق دائم بشأن سد النهضة”، ولربما كانت لدى مصر والسودان، الكثير من المبررات التي استدعت التهدئة، لترك الباب موارباً حتى ما بعد فوات الفرصة الحالية للتفاهم الدبلوماسي، فالحلول الأخرى غير الدبلوماسية قد تبدو كارثية على الأطراف كلها. وبهدوء، يمكننا أن نجزم وبشكل قاطع بأن المفاوضات المصرية ـ السودانية – الإثيوبية حول سد النهضة التي جرت منذ 10 سنوات، قد انتهت إلى مراكمة افتراق في المواقف من الصعب بعد اليوم إيجاد تلاقيات جديدة فيها، أقله وفق المعطيات الراهنة!

أزمة سد النهضة

فمصر تعتبر أمنها المائي خط أحمر لا يمكن تجازوه، في وقت حذر المستشار الإعلامي لرئيس مجلس السيادة السوداني الطاهر هاجة السبت 10/04/2021 من حرب مائية قادمة ما لم يضع العالم حدا لتمسك إثيوبيا بالمضي قدما في ملء سد النهضة قبل التوصل لاتفاق، وقال: إن “حرب المياه مع إثيوبيا قادمة، إذا لم يضع العالم حدا لاستهتار النظام الإثيوبي”. وتأتي تصريحات أبو هاجة عقب ساعات من دعوة إثيوبيا السبت الماضي، مصر والسودان لترشيح شركات مشغلة للسدود بهدف تبادل البيانات قبل بدء الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي.

ورفضت مصر عرض أديس أبابا بمشاركة معلومات حول الملء الثاني للسد، معتبرة أنه “غطاء” لتمرير قرار التعبئة في تموز المقبل، وقالت وزارة الري المصرية، إن “مصر رفضت مقترح إثيوبيا الذي تضمن العديد من الادعاءات والمغالطات”، مضيفة “المقترح الإثيوبي لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لاستخلاص إقرار مصري على المرحلة الثانية من الملء حتى لو لم يتم التوصل لاتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة”. من جانبها وصفت السودان دعوة إثيوبيا بأنها خطوة تنطوي على انتقائية مريبة، معلنة حجز المياه بخزان “جبل أولياء”، جنوبي العاصمة الخرطوم، تحسبا للملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي.

يجب أن نعترف، أنّ سدّ النهضة حولته الحكومات الأثيوبية خلال السنوات الأخيرة، ولأسباب داخلية، إلى قضية عزة وتنمية ونهوض وطني، والى هدف قومي ينبغي أن تلتف حوله الأمة الأثيوبية بكل مكوناتها الإثنية والسياسية، ومن ثم تم تغليف المشروع بالكثير من المبالغات الشوفينية والشعارات، وتحول أحيانا إلى تحد في مواجهة مصر، وهو أمر وان كان يخدم الحكومات الأثيوبية داخليا، إلا انه لا يخدم العلاقات والمصالح الأثيوبية والمصرية، والمؤكد أن الاعتبارات السياسية والإعلامية لعبت ولا تزال تلعب دورها السلبي في هذا المجال إلى حد كبير.

الثابت لدينا اليوم، أنّ أزمة سد النهضة الإثيوبي بين السودان ومصر وإثيوبيا، تتفاقم مع تعثر المفاوضات الفنية بينهم والتي بدأت منذ نحو 10 سنوات، ويديرها الاتحاد الإفريقي منذ أشهر. ولا تزال أزمة “السدّ” تمثّل نقطة إثارة للتوتّرات الجيوسياسية بين مصر والسودان وإثيوبيا، إذ أن هذا المشروع الذي بدأت أديس أبابا ببنائه منذ عام 2011 يثير توترات حادة بينها وبين السودان ومصر اللتين تتقاسمان معها مياه النيل وتخشيان أن يحد السد من كمية المياه التي تصل إليهما. مصر والسودان تخشيان أن يؤدي السد إلى تقليص حصتي البلدين من المياه التي تعتبر شريان الحياة فيهما، وتأتي المخاوف المصرية مع قلق من تهديد حصتها المائية السنوية، والمخاطر كبيرة بالنسبة لمصر، التي تمتد بها الأراضي الصحراوية، لأنها تحصل على 90 بالمائة على الأقل من مياهها العذبة من نهر النيل. فمصر، والتي توصف بأنها “هدية النيل”، تعتمد بشكل كامل تقريباً على النيل لتلبية احتياجاتها المائية المختلفة، وهي المستفيد الرئيسي من اتفاقيات 1929 و1959 بشأن استخدام مياه النهر المشتركة. إذ تمنح اتفاقية عام 1959 مصر حصة قدرها 55.5 مليار متر مكعب سنوياً من أصل 74 ملياراً متاحاً، وتسعى مباحثاتها الفنية إلى الإبقاء على حصتها المائية السنوية، (55.5 مليار م³)، في سنوات ملء وتشغيل السد، وهو ما تراه إثيوبيا حسب زعمها مساسا بسيادتها وحقوقها في التنمية وتوليد الكهرباء، دون الوصول لحل مرضٍ للطرفين. وبالرغم من أن مصر قدمت الكثير من جوانب حسن النوايا والتعبير العلني عن إدراكها لأهمية سد النهضة للتنمية الأثيوبية، بل وتقديمها مساعدات لأثيوبيا في أكثر من مجال، وبالرغم من مرونتها في التعامل مع المفاوضات الخاصة بسد النهضة، إلا أنه يبدو أن السلطات الأثيوبية تميل إلى اتباع سلسلة من الحیل الدبلوماسیة المخادعة، منذ توقیع إعلان المبادئ عام 2015، الذي یشیر إلى أنه یجب على جمیع الأطراف التوصل إلى اتفاق أولاً قبل ملء الخزان.

الأزمة التي لا تنتهي: أزمة سد النهضة

أما الحكومة السودانية فقد أكدت، أن إعلان إثيوبيا عزمها ملء بحيرة السد العملاق الثانية، سيتضرر منه 20 مليون مواطن يقطنون على ضفاف النيل الأزرق، معلنة رفضها الخطوة، معتبرة أن ذلك يشكل تهديداً مباشراً لسد الروصيرص وبالتالي على منظومات الري وتوليد الكهرباء ومحطات مياه الشرب على طول النيل الأزرق والنيل الرئيسي، الأمر الذي يشكل تهديدا للأمن القومي السوداني. وفي هذا السياق، وصف المستشار الإعلامي لرئيس مجلس السيادة السوداني الطاهر هاجة، سلوك أديس أبابا بـ”النية المبيتة منذ بدء إنشاء السد قبل 10 سنوات باستبعاد استراتيجية التعاون بشأن المياه وتبني خط الصراع عبر مواقف رافضة لكل خيارات الحلول المطروحة”. واستطرد “ما ينبغي أن نؤسس عليه العلاقات، يتمثل في مشروعات التنمية المستدامة و تحقيق الرفاه لشعوب الدول الثلاث ورسم المستقبل الاستراتيجي الرامي للسلام والاستقرار”.

من جهته زعم المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، أن “مخاوف السودان حول سد النهضة وسلامته تعد ذريعة لإخفاء دوافعه الحقيقية”. كما زعم مفتي إلى أن ذلك يمثل “وقوفاً ضد مصالح السودانيين” الذين ينتظرون جني ثمار بناء سد النهضة الإثيوبي، حسبما ذكرت شبكة “فان بي سي” الإثيوبية، التي أشارت إلى أن تصريحات المتحدث باسم الخارجية السودانية جاءت خلال مؤتمر صحفي افتراضي حضرته مجموعة من الإعلاميين المحليين والدوليين العاملين في جنوب السودان لمناقشة عدد من القضايا أبرزها التوترات بين إثيوبيا والسودان بسبب النزاع على مناطق حدودية بين البلدين.

ولعله من الأهمية بمكان الإشارة، إلى أنّ ملف سد النهضة الإثيوبي ظلّ إحدى أهم القضايا العالقة على الخريطة الإفريقية منذ عقود، ودخل هذا الملف منعطفات كثيرة لسنا في وارد التعرض لتفاصيلها التاريخية. فالذي يهمنا أكثر هو الحديث عن الحاضر. فقد بدأ العمل في بناء سد النهضة أثناء أحداث ثورة يناير 2011 في توقيت استثنائي دون الرجوع إلى مصر حسبما تقتضيه اتفاقيات (1929 ـ 1958) وجاء تفهم مصر لأهمية السد بالنسبة لإثيوبيا، ما يعني تعامل مصر مع الملف بطريقة إيجابية جدا أملا في إتمام الاتفاق حول قواعد ملء السد، بشرط عدم الإضرار بأمنها المائي الحيوي، وقدمت تنازلات لقبول تخفيض حصتها من المياه في سنوات ملء السد وفقا لاتفاق دولي ينظم العملية وهيدروليكية التشغيل، وقد وصلت الاجتماعات إلى مستويات متقدمة، لتفاجأ أخيرا بعدم توقيع إثيوبيا على الاتفاق النهائي، ما أوجد حالة من عدم الثقة واستشعار نيات غير مطمئنة من قبل الجانب الإثيوبي حيال هذا الموضوع، وهو الأمر الذي رفع درجة الخطر السياسي ودفع الملف مجددا إلى واجهة الأحداث الدولية.

وكانت أثيوبيا قد لجأت إلى طرق خبيثة، خططت لها مسبقاً، لإلغاء حقوق الدول المستفيدة من مجرى نهر النيل، والمنظمة بموجب اتفاقيات سابقة، وتبنت الاتفاقية الإطارية لدول المنابع، وقادت الصراع لإنجازها عام 1995، ورفضت الربط بين هذه الاتفاقية والاتفاقيات السابقة، مؤكدة أحقية وأولوية الأمن المائي لدول المنبع ”النيل والأنهار الأخرى”، من دون دول المصب ومنها مصر. وانتهت بتوقيع بوروندي على الاتفاقية الإطارية في أول شهر آذار من العام 2011، الأمر الذي وفر المجال والظروف لاستمرار أثيوبيا في تحقيق أهدافها، من تفريغ اتفاقيات دول المصب وبخاصة مصر من مضمونها، وعدم الالتزام بأي اتفاقية سابقة تضمن حصة وحقوق دول المصب، ما وفر الحرية اللازمة لإنشاء سد ”النهضة”. وبذلك تحقق الهدف الرئيسي لأثيوبيا من تجريد مصر بالدرجة الأولى من حقوقها التاريخية والقانونية في ملف نهر النيل، ”اتفاقيات دول حوض النيل منذ عام 1894 ـ 1902 ـ 1929 وآخرها عام 1959. إضافة إلى ذلك فقد استغلت أثيوبيا ضعف مستوى التفاوض مع مصر وغياب الردع القسري بعد ”ثورة 25 كانون الثاني 2011”، غير عابئة بالاعتراضات المصرية، انطلاقاً من انعدام التوافق والتشرذم السياسي في ذلك الوقت، الذي أدى إلى عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي… ومن ثم استغلت جميع الظروف وكسبت الوقت لإنجاز بناء السد من دون أي تعديل، لفرض الأمر الواقع، لأن بناء السد ينطلق ويستند إلى صراع سياسي واقتصادي غير معلن مع مصر، وبتخطيط أمريكي ـ إسرائيلي، ولم تعبأ بالاعتراضات المصرية…

إنّ عزم أثيوبيا الملء الثاني لسد النهضة في تموز المقبل، لا ريب في إضراره بالأمن المائي لمصر والسودان، ووفق المعطيات السابقة، تبدو الدبلوماسيتان المصرية والسودانية معنيتين بدرجة أولى باللجوء للقانون الدولي الذي ترفضه أثيوبيا، بسبب أكلافه السياسية الباهظة، والهدف الحقيقي لذلك الرفض يهدف إلى تجنب خيار دخول أطراف جديدة في تلك المفاوضات، وصولاً إلى إمكانية اللجوء إلى “التحكيم الدولي” الذي ترى إثيوبيا أنه لن يكون في صالحها، ولذا فهي تسعى إلى القيام بخطوات لفرض أمر واقع، من نوع إعلان وزير المياه الإثيوبي ساشي بيكيلي، أن “الملء الثاني للسد سيتم في موعده المحدد وفق ما خطط له”.

خلاصة الكلام: أزمة سد “النهضة” فتحت الباب مجدداً على ما يُعرف بـ “الأزمات الصامتة” في العالم العربي، أي الأزمات المتعلقة بالأمن المائي، وهي أزمات وجودية لا تقل تهديداً عن الأزمات العسكرية والحروب، بل هي أخطر، لأن العدو يستهدف الدول العربية بمياهها، وليس سراً أن “إسرائيل” والولايات المتحدة تقفان بصورة أساسية وراء استهداف الأمن المائي المصري عبر استهداف حصتها في مياه نهر النيل… والأهداف لا تخفى على أحد. وإننا في هذا السياق، نذهب أبعد من ذلك، ونتساءل كما يتساءل الكثيرون: ما الأزمة المائية المقبلة، بمعنى من هي الدولة العربية التالية التي ستكون مستهدفة بمياهها، العراق أم سورية المستهدفتان من تركيا بمياه نهري دجلة والفرات؟… أين المؤسسات العربية المعنية (خصوصاً ما يُسمى المجلس العربي للمياه)؟ إن ملف الأمن المائي العربي من أكثر الملفات حضوراً على مستوى الدراسات، ليس فقط من الدول العربية وخبرائها واقتصادييها، بل من العدو وبصورة أكبر، وغالباً ما يتم نشر نتائج هذه الدراسات على أوسع نطاق بكل ما تتضمنه من حقائق ومخاطر وتحديات وأطماع، مع ذلك لا يتم التعامل معها عربياً بصورة جدية حتى وصلت إلى ما وصلت إليها… وسد “النهضة” هو البداية فقط.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى