العرب… بين عالمية التبعية ومحلية الهزائم

في قواعد اللعبة الدولية التي لاتعرف الإستقرار أو الثبات تتناقض المواقف وتتبدل الأدوار .بين اللاعبين الأساسيين والإحتياط. كل على حسب قدره ومايحوز أو يملك من معطيات. تخرج قوى وتتقدم أخرى. لكن تظل العناوين ثابتة وإن تغيرت الصياغات. ففي ظل الصراع القطبي بين معسكرين شرقي ( الإتحاد السوفييتي)  وغربي ( الولايات المتحده) والصراع على أشده ومناطق وميادين السباق ٱخذة في التعدد. والإرث الذي ٱل إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط الإمبراطورية البريطانية أضافت إليه الذهنية الكاوبوية مذاقها اللائق. فيأتي عبدالناصر ليصنع بقوة وصلابة إرادته المبنية على عدالة الغايات الكبرى لأمة عربية تبحث عن مصالحها القومية قوة ثالثة عدم الإنحياز منطلقا من قوة الشعوب كماكينة عملاقة قادرة على فرم حوائط وجدران الصراعات الدولية لفرض مكانة لعالم ثالث استيقظ وثار لنيل الحرية والإستقلال وقيادات وطنية غير خاضعة للبيع أو الشراء تستمد قوتها من قوة شعوبها.

وبمجرد خروج ناصر من الحياة تنقلب الرجعية العربية العميلة ضد مصالح الشعوب العربية فوراً ولم يكن لتقدر الإمبريالية و الصهيونية العالمية على إختراق العناوين الرئيسة الصلبة لأمتنا من دون حياكة المكائد والعثور على مواطيء لأقدام ثابتة في دهاليز الحكم في بعض العواصم العربية التي رأت أن مصالحها الذاتية تتعارض مع المد القومي العربي الٱخذ في الإنتشار السريع.

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

وبعد أن فشلت المخابرات المركزية الأمريكية في محاولاتها لاصطياد عبد الناصر واصطياد الأخير لها أيقنت الإدارة الأمريكية أن محاولاتها لخلق أنظمة تابعة لها من رعيل جمال والجيل الجديد الثائر الذي يدعمه سواء تبوء بالفشل في البلدان العربية أو في كل بلدان العالم الثالث الباحث عن الحرية والإستقلال بهدف تأكيد تشغيل واشنطن لبلادنا في مواجهة التحديات القطبية مع الإتحاد السوفييتي وتعظيم الميراث البريطاني ومنتجاته لخدمة العناوين الكبرى في سباق السيطرة القطبية على العالم. ولتعاظم المد القومي العربي الناصري والسعي نحو تحقيق الوحدة العربية لصياغة كيان عربي قومي قادر بما يملكه من ثروات طبيعية على الصمود وإنجاز الحياة بقوة. لم يكن أمام الإمبريالية والصهيونية العالمية سوى طريق واحد هو القضاء على الرمز. وأيقنت المخابرات المركزية أنه قد ٱن أوان الإستخدام الصهيوني لكتيبة أبناء “مردخاي بن إبراهام بن موشيه” التي أنتجتها بريطانيا في عصر الإمبراطورية. ولم تتوانى الرياض في تنفيذ مايملى عليها من مخططات إفشال الوحدة العربية بين مصر وسورية إن نجحت الخطة التي مولتها السعودية فقد وجهت لكمة لمشروع الوحدة في مهدها. وإن تغطرس ناصر وتمسك بالوحدة ذهبت مصر وسورية إلى حلبة القتال البيني الطويل واستجاب ناصر لمسؤولية تفويت الفرصة على العدو. وتؤدي الرياض دورها المرسوم لها في أجندة شرائط وجود دولة لـ آل سعود وشرط البقاء. ليكتب المخلص “فيصل بن عبد العزيز” في 27ديسمبر1966-أي بعد نجاح الخطة الخمسية الأولى وبناء أكثر من 1000 مصنع في مصر يؤسس لدور وقيادة غير مقدور عليها لمصر في منطقتها العربية وقيادتها الإفريقية وقدرة ناصرية على فرض شروط العلاقات الدولية على الطاولة استنادا إلى إقتصاد قوي يمكن-بتشديد الكاف وكسرها-من إنجاز الوحدة العربية بحق. فينزعج فيصل السعودية ويرسل خطابه إلى ليندون جونسون تحت رقم 342 وثائق مجلس الوزراء السعودي. يطلب فيه:”..أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولي به على أهم الأماكن حيوية فيها لتضطرها بذلك لا لسحب جيشها صاغرة من اليمن فقط بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا. مدة طويلة لن يرفع بعدها أي مصري رأسه خلف القناة، ولنعطي لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادىء الهدامة لا في مملكتنا فحسب بل وفي البلاد العربية. ولامانع عندنا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداءا بالقول : إرحموا شرير قوم ذل ..””

ثم أمهر الملك رسالته بالتوقيع..” المخلص فيصل بن عبدالعزيز.” كان المعسكر العربي ٱنذاك قوياً..يتقدم بخطى واثقة نحو مستقبل لائق مستقل السيادة غير تابع لكن الرياض وقتها كانت تبحث عن ماكينة دموية توقف تقدم مصر وإن التزمت بدفع مبالغ مالية سنوية تحت مسمى المعونة الأمر الذي يكشف بوضوح أن ماتدفعه الولايات المتحدة الأمريكية من معونات منذ كامب الأستاذ أنور السادات وحتى اليوم هو من الخزانة السعودية في الأصل وقد لخص ترامب في علاقات الإبتزاز بوحشية تجريف مئات المليارات السعودية أدلة وبراهين، العداء السعودي لمصر وللأمة العربية ورهن آل سعود استمرار البقاء لعروشهم بتقزيم مصر والحيلولة دون قوتها وريادتها للمنطقة العربية.

ووضحت أخلاق فيصل بن عبدالعزيز في عبارة لخصت مكانة المصري من مشروعه حين كتب إلى جونسون”..حتى لايرفع أي مصري رأسه خلف القناة…و.نعطي المعونات إقتداءا بالقول إرحموا شرير قوم ذل..” إن إختراع التبعية والعمالة للأجنبي ليست من إبداعات الأخير..لكنها في منطقتنا العربية ومن فور حصول الشعوب على الإستقلال الوطني والتحرر من الإستعمار كانت من إبداعات الرياض ولازمة بقاء آل سعود وعروشهم.

لم تكن العواصم العربية والشعوب التي نالت حريتها واستقلالها مدعومة من الثورة المصرية ومن القاهرة ناصر سوى إرادة قوية وفولاذية من حاصل جمع إرادات وطنية وشعبية عربية تسعى نحو مستقبل مشرق وواعد تيار جارف لايمكن أن يوقفه عدو مهما كانت قوته إلا بالإستعانة بالداخل العربية والرجعية العربية والتي أخذت في التعافي وتم ترقيتها حتى وصلت إلى سدات الحكم في العواصم مدعومة بالدولارات التي في أصلها الريالات والدنانير الخليجية بامتياز وبمتابعة مسيرة التبعية العربية الرسمية للخارج الأمريكي يصعب علينا تفكيك مشروعاتها لتصنيفها من حيث الصياغة والعمالة والتبعية والإستهداف دون الوقوف طويلاً أمام مهمة التمويلات التي لاتخرج في كل مصائبنا العربية القطرية والقومية عن رافدها الأساس واللازم والحتمي..سعودي وخليجي إن التاريخي الثابت أن البحث في إمكانيات تعافي هذه الأمة وقدرتها على إنفاذ مشروعها القومي يظل وفق الحقيقة التاريخية والجيواستيراتيجية والسياسية مرهون بالإرادة في مصر وسورية والعراق، الأمر الذي إستوعبته جولدا مائير واشترطت أمن وبقاء إسرائيل وجوداً وعدما بوجود الجيوش العربية للدول الثلاثة وماكان مشروع الربيع العربي والذي لم يكن ليرغب في الإمتداد بزهراته وزهوره إلى أي من دول الخليج .وكأنهم طبقات الحكم في معسكر آل سعود ورفاقه يؤثرون على أنفسهم ويفضلوننا عليهم فيمولون ماينعتونه بالثورات في بلداننا.!!

لكن حقيقة توزيع الأدوار وجدول أعمال الفوضى كان يضع في أولوياته ولايزال مصر وسورية والعراق وبقدر أهمية المعارك يتوجه التمويل بغزارة فقد أرادوا سورية والعراق المنهك من الإحتلال الأمريكي والصراعات الداخلية وراهنوا على إسقاط الجيش السوري خلال أيام، وفتحوا لمصر بوابات جهنم في الجنوب والغرب والإتيان بأساتذة المدارس الإرهابية إلى القصر الرئاسي في القاهرة.

تخطيطا لدخول مصر العصية عليهم وفق حساباتهم في حروب مستمرة في الداخل والأراضي الغربية الواسعة والجنوب الملتهب .لهدف إخراج الجيش المصري من الخدمة كتكتيك مع الجيش السوري ليسهل ماترغبه وتتماس معه مصالح الصهيونية العالمية ونخب الحكم في الخليج العربي.

وما إن استوعبت مصر وفطنت المخطط قام الجيش بقطع كل الطرق على المشروع الإرهابي الصهيوني، وتدير الإدارة المصرية الأزمة باقتدار حسبما يبرز من بنود المخطط وصفحات الملف ودون أن تبادر باقتحام كل الملف بكل مابه من مخططات قذرة حتى تتعافى إقتصاديا وعسكريا باحثة بجدية عن دورها ومكانتها التي تليق حتى وإن كنا نختلف مع إنحيازات الحكم في الداخل وإن كانت لنا رؤية ورآيا مغايرة لبطء التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية وفي سورية ينسحق المشروع تحت أحذية الجندي العربي السوري.وتضيع المليارات السعودية التي دفعتها للإرهاب ضد سورية وللأنظمة التي تتقاسمها التبعية والعمالة لأمريكا ثمنا لمواقفها ومساعداتها في تمرير عشرات الآلاف من الإرهابيين من شتى بقاع العالم وتدريبهم وتسليحهم لإسقاط سورية لاغرابة في الشحن والإنفاق ببذخ ضد سورية..ليس هو الموقف الٱن بل هو المبدأ الذي أقره آل سعود وتوارثته الأسرة الحاكمة ثمنا لوجود المملكة وبقائها وقد مارس فيصل بن عبدالعزيز الإعلان رسمياً عن ذلك لا بالنسبة لمصر فقط بل وسورية والعراق وفلسطين.

جاء خطابه إلى السيد جونسون قاطعا الدلالة على العمالة والتبعية المطلقة وريادته واستعداداته للإنفاق والتمويل في أي مكان وبلا قيد أو شرط لهدف واحد ووحيد لايخرج عن إسقاط الجيوش العربية في العراق وسورية والعمل على الحفاظ على إضعاف مصر والإبقاء عليها في مربع العوز الإقتصادي .ولامانع من دفع المعونات بأسقف الأرقام التي كتبتها وسمحت بها واشنطن، وتمتد أيدي الرياض لدفع العواصم للدخول إلى بيت الطاعة لنصير كلنا داخل حظيرة التبعية والعمالة لاهم لنا ولا مسعى سوى مايلبي مصالح الأمن الإسرائيلي والمصالح الأمريكية ومن يتم ضبطه متلبسا بالدخول مرة بيت الكرامة الوطنية يصير عدوا سواء في لبنان أو أي من محور المقاومة.

كتب فيصل خارطة الطريق للٱتين من بعده قال لجونسون في خطابه المذكور “سورية هي الثانية يقصد بعد مصر التي لايجب أن تسلم من إقتطاع جزء من أراضيها” وهو يدعو إلى مهاجمتنا في 5 يونية 1967 _كي لاتتفرغ هي الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر ” إذن بات جليا للأجيال العربية وجهة العداء وصلته بالمشروع الصهيوأمريكي لمنطقتنا.

وطالب فيصل “لابد أيضاً من الإستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة كي لايبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك وحتى لاتستغلهم أية دولة عربية” لاعتباره صهيونيا بحجة تحرير فلسطين وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة كما يسهل توطين الباقي في الدول العربية يقصد بالباقي الفلسطيني الموجود داخل الأراضي المحتلة وقد كشفت المعلومات المتناثرة عن صفقة القرن عن ذلك المخطط ونرى ضرورة تقوية مصطفى برزاني شمال العراق بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها أي حكم في بغداد يريد أن ينادي بالوحدة شمال مملكتنا في الحاضر أو في المستقبل علما أننا بدأنا من العام الماضي 1965 بإمداد البارزاني بالمال والسلاح تثبت السنوات والأيام أن العرب وقعوا رهنا لإرادة آل سعود ويتم تسليم الأرض والشعوب والمقدرات في شباك التبعية ومن دخل طوعا أو قناعة وفق مصالحه من أنظمة الحكم إلى مستنقع التبعية فقد نجا ومن رفض بالقطع وحسم وجهته حورب ويحارب اليوم في كل الساحات والشعب العربي يدفع فواتير الدم باهظة جدآ للحيلولة دون السقوط في براثن التبعية والعمالة.

ولم يكن ليقدر عليه أحد في العالم مالم يتحول الحكام في عواصمنا من أصحاب مصالح إلى تابعين إلى عملاء إلى جنود وجنرالات في المخابرات المركزية وتصبح بلادنا بشعوبنا وأرضنا وثرواتنا تروسا في مشروع التبعية تلبية لمصالح العدو بالوكالة عنه إن الهزائم التي تخوضنا صنعتها حكوماتنا محلية ونخوض حروبنا البينية من أجل عالمية التبعية والعمالة لم يفعل بنا العدو هزيمة ومن أراد أن ينتصر نراه ينتصر كل يوم وهناك في محور المقاومة دليل الكرامة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى