العقوبات الأوروبية ضد سورية… جريمة ضد الإنسانية

العقوبات الأوروبية انتهاك سافر لأبسط حقوق الإنسان

مضت دول الاتحاد الأوروبي في سياسة العقاب الجماعي بحق سورية وشعبها ولقمة عيشه، وأعلن الخميس 28/05/2020، تمديد العقوبات المفروضة ضد الحكومة السورية لمدة عام واحد، حتى صيف 2021. وكان من المقرر أن ينتهي سريان العقوبات بتاريخ 1 يونيو/حزيران، قبل إعلان التمديد. خطوة ليست مستغربة من الدول الأوروبية، التي دأبت في محاولات محمومة للضغط على سورية وابتزازها اقتصادياً بعد أن عجزت عن ذلك سياسياً وفشلت الأذرع الإرهابية في تحقيق أي من المخططات على الأرض.

والمدهش في السياسة الأوروبية أنها ليست أسيرة أحكام جائرة اعتدنا عليها في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والعلوم، وكل شيء له علاقة بالتكنولوجيا، بل كذلك هي أسيرة اعتبارات تلك الحسابات العنصرية الفاضحة التي لا تريد للشعب السوري أن يحيا في أمان واستقرار واطمئنان، أن يستمر في عطاءه القومي والعروبي، بعدما عجزت عن إسكاته بالتهديد والوعيد وفشلت في النيل منه بأسواط الإرهاب ونماذجه التي افترشت المدن الأوروبية ونمت في شوارعها وفنادقها، وترعرعت في أحضان استخباراتها.

اِن الاتحاد الأوروبي كدونكيشوت ديلامانشا يحارب طواحين الهواء، وكلما استفاق من فشله في رحلته الطويلة باتجاه سورية، كلما زاد ضغطه عليها وأخرج من جعبته عقوبات اقتصادية جديدة لمعاقبة الشعب السوري الرافض للنهج والسياسات الخرقاء للجوقة الأوروبية. هذا الشعب يعي تماماً نفاق هذا الاتحاد ويتمناه لو كان تكتلاً يسعى للاندماج مع الحضارات والثقافات والشعوب كتكتل إيجابي، يسعى لتحقيق أفضل العلاقات الاقتصادية والسياسية، في زمن تهيمن فيه أميركا على قرارات العالم، وتستعبد بشكل أو بآخر هذه التكتلات التي كان بإمكانها أن تخرج من تحت عباءة (السيد الأميركي) لتحقق توازناً راقياً في العلاقات الدولية.‏

اِن تمديد العقوبات الأوروبية على سورية، ما هي إلا خطوة أخرى تترجم عجز المتآمرين واستعصاء أدواتهم على إسقاط الدولة السورية، بل سلوك ينم عن انحطاط وخوف دفين من الفشل المدوي الذي لطالما وصمَت به أجندات الغرب وعقوباته السابقة، كما أنها تؤكد بوضوح أن الأوروبيين لا يزالون يرون في الدم السوري فائضاً يجب هدره وصرفه والتلطي به على طاولة البوكر الدولية، الأمر الذي يعني أنهم باتوا بشكل أو بآخر شركاء في جرائم لا تكاد تجف منها دماء السوريين حتى تراق من جديد.‏

فالشعب السوري لم يعد يأبه لهذه العقوبات الجائرة، أو حتى يفاجأ بها، كيف لا وهي تصدر عن دول وكيانات وهيئات تتفنن يومياً في ابتكار أقذر الوسائل والأساليب لإحكام الخناق عليه واستنزافه واستهداف لقمة عيشه في محاولة يائسة لفرض خيارين لا ثالث لهما عليه، فإما الموت برصاص إرهابييها المأجورين، أو الموت جوعاً بسبب هذه العقوبات المسيسة؟! كيف لا وهي من يقامر بالأرواح والأمن والاستقرار وبالدليل القاطع تشرعن قتل الشعب السوري وتبيح هدر دمائه وكراماته؟!

يتفنن الأوروبيون المراهنون، في احتساب خسائر السوريين، فيما الأوجاع والمنغصات تتفاقم في مكان آخر. إنها أشبه بلعبة عض الأصابع التي تنتظر من سيصرخ في نهايتها. وإذا افترضنا جدلاً أن الاتحاد الأوروبي لم يكن يعي عند فرضه عقوبات اقتصادية على سورية انعكاسات ذلك وتأثيراته السلبية على الشعب السوري، إلا أن مرور عدة سنوات على تطبيق هذه العقوبات واتضاح خطورة نتائجها واستمرار العمل بها يفترضان أن يعيد الاتحاد الأوروبي النظر بما طبقه من عقوبات تطول معيشة المواطن السوري وتوفير احتياجاته الرئيسية، لكن ما يحدث اليوم هو عكس ذلك، إذ أن الاتحاد الأوروبي يبادر بين الفينة والأخرى إلى توسيع مظلة هذه العقوبات واستهداف شخصيات ومؤسسات جديدة، لدرجة أصبحنا على يقين كامل أن الأمر لن يتوقف حتى يضمن الاتحاد الأوروبي أن على لائحة عقوباته أسماء 23 مليون مواطن سوري وجميع مؤسساته العامة والخاصة.

إن الغاية التي يهدف الاتحاد الأوروبي إلى تحقيقها من العقوبات الاقتصادية والسياسية التي يفرضها على سورية في كل يوم تتمثل في نقطتين:

  • الأولى محاولة النيل من صمود الشعب السوري وخياراته الوطنية عبر تضييق الخناق عليه اقتصادياً ودفعه لاحقاً إلى الخروج عن حالة الإجماع الوطني، لكن ما فشل الإرهاب في تحقيقه منذ سنوات، لن تنجح فيه عقوبات اقتصادية وسياسية، وهناك أمثلة ما تزال حية في العالم تؤكد أن إرادة الشعوب تبقى الأقوى والأمضى في أي معركة.
  • الثانية إيصال رسائل دعم سياسية واقتصادية وإعلامية للمجموعات الإرهابية في سورية بغية رفع معنوياتها المنهارة وحثها على الاستمرار في عملياتها التخريبية والإجرامية، والتي تستهدف الآمنين من أفراد الشعب العربي السوري ومؤسساته ومنشآته الوطنية.

وعلى ذلك فإن الاتحاد الأوروبي، يتحمل بسلوكه العدواني هذا المسؤولية الكاملة أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً، عما أفضت إليه هذه العقوبات من نتائج خطيرة، أثرت بشكل مباشر على حياة ملايين السوريين وزادت من معاناة تلبية احتياجاتهم الرئيسية في تأمين الغذاء وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية. ولابد لنا أن نعترف أن حراب الأوروبيين وأذرعهم الممتدة في دماء شعوب المنطقة على مدى قرون طويلة، لا تريد أن تعترف بالصدأ الذي وصل إلى جوهر القيم الأوروبية وشعاراتها، وما نراه ليس أكثر من قشور زائفة سرعان ما يصيبها العطب وتظهر على حقيقتها.‏ فالتعويض الأوروبي ومحاولة الاستدراك تضع أوروبا في زوايا ضيقة وتحشرها أمام الحقيقة المرة التي تكابر في الاعتراف بها، وأن ما خسرته من أدوار على الساحة العالمية لم يعد بالإمكان استعادته بالعدوان أو بمحاولة تجويع الشعب السوري.‏

فلا أحد تغيب عن باله الحقيقة الواضحة بأن المواجهة التي فتحتها أوروبا رغم الفارق ورغم ما يحيط بها من إجحاف تسجل في عالم اليوم أنموذجاً فظاً لمعايير لم تعد قابلة حتى للنقاش، وفي الإصرار الأوروبي عليها، ما يشي بالعجز المزدوج على كل الجبهات التي أشعلت فيها معارك تثير الغبار للتغطية على فشلها أمام شعوبها وعجزها عن مواجهة التحديات التي تكبر فوق طاقتها.

فالاتحاد الأوروبي المبني على النفاق لن يفلح أبداً أمام اتحاد الشعب السوري مهما فرض من عقوبات، وسيعود إلى نقطة البداية في رحلته الدونكيشوتية مع العم سام خالي الوفاض، في محاربة طواحين الهواء، التي ستتحول من حلم إلى حقيقة تسحق جميع الأوهام الأوروبية الأميركية، في رسم خريطة سايكس بيكو جديدة تمزق المنطقة شر ممزق، والسوريون يعرفون طريقهم وسيعاقبون من يريد معاقبتهم بصبرهم على جميع العقوبات الاقتصادية، وما ينجم عنها من ضيق في الأحوال المعيشية وهي جزء بسيط من (ديمقراطية) الغرب في تطويع الشعوب وإلحاقها بركب العبودية والخنوع والشعب السوري لا يعرف هذه المفردات ولن يعرفها أبداً.‏

لقد كثر الطبّاخون في مطبخ التآمر الأوروبي، ولكن ليس على النار سوى أجساد السوريين وقوتهم وأرزاقهم، ومن الواضح أن طبخ المكائد سيستمر إلى زمن طويل، كما أن النفخ الأميركي العربي المتصهين في النيران سيكون أطول، إلا أن السحر لا بد أن ينقلب على الساحر، وسيأتي اليوم الذي سيتذوق فيه الأوروبيون وأسيادهم وخدمهم طعم السم الذي يدسونه للسوريين بعد أن تحرق سورية طبخاتهم القذرة وتخمد وللأبد لهيب عدوانهم.‏

والمسألة لم تعد فقط وفق مقاييس الغاية والرسالة التي تريد أوروبا أن تسطرها اليوم في عالم تتعدد فيه الاتجاهات الرافضة لكل هذه الممارسات، وإنما أيضاً في الحسابات التي تعكس ضيقاً غير مفهوم ونزقاً سياسياً غير مسبوق وهي تتلطى خلف الزوايا المعتمة أو بجانب الأبواب المواربة.‏ وقد يكون من المفارقات الصارخة أن نرى ونحن في القرن الحادي والعشرين هذا النموذج الأوروبي في التعاطي، وفي هذه العقلية التي تريد أن تعيد تأطير الاستعمار بلونه وشكله في زمن لم يعد مسموحاً لأحد أن يفكر فيه أو أن يسترجع أحلامه البائدة.‏ فالاستنساخ الأوروبي اليوم للضجر المتزايد من أفول نجمها السياسي ودورها على المسرح العالمي يبدو في أردأ حالاته ومشاهده، ويجسد الوجه القبيح الذي تقدمه أوروبا حتى في شعاراتها التي تزيد من رداءة أدائها السياسي المتخم بترسبات الماضي، والمشبع بانكسارات الحاضر وخيباته.‏

إن ما يقوم به الاتحاد الأوروبي من إجراءات تخالف القوانين الدولية وتستهدف أمن واستقرار سورية، لن تحقق له أوهامه وما عجز عن تحقيقه عبر دعمه للإرهاب على مدى عمر الأزمة من الآن، وسلسلة عقوباته الاقتصادية السابقة لن يستطيع تحقيقه بتمديد العقوبات الجديدة الجائرة، لأن الشعب السوري قال كلمته، لا للتدخل الخارجي. نعم لاستئصال الإرهاب ومحاربته ليعود الأمن والأمان للسوريين ولتبقى سورية قوية بشعبها مستقلة بقرارها الوطني.

خلاصة الكلام: الشعب السوري لا يسمح لنفسه باستعطاف أحد، أو إضاعة الوقت بإقناع آخر، بالقول: إن العقوبات تستهدف شعب سورية لا ”نظامها”، ولن يرضى لنفسه أن يقدم لهم مثل هذه المتعة في التشفي، أو أن يقلدهم هذا الشرف… كل ما هنالك أنه قادر على التحمل، ومصمم على المواجهة، وأنه ماض في اختبار الذات وتحدي ضغوطات الخارج إلى أبعد نقطة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى