“العلاقات الصينية الإيرانية وفق المنظور الجيو – استراتيجي”

في إطار التحالف ضد منافس مشترك، يبدو واضحاً أن الخطوات الصينية الإيرانية، تتخذ من الولايات المتحدة بوصلة لهندسة تحالفهما في المستويات الإقليمية والدولية

العلاقات الصينية الإيرانية وفق المنظور الجيو- استراتيجي
أمجد إسماعيل الآغا

في إطار التحالف ضد منافس مشترك، يبدو واضحاً أن الخطوات الصينية الإيرانية، تتخذ من الولايات المتحدة بوصلة لهندسة تحالفهما في المستويات الإقليمية والدولية، خاصة أن شعور بكين وطهران قد تعزز إزاء النوايا الأمريكية ضدهما، وتحديداً عقب جائحة كوفيد-19، لجهة المحاولات الأمريكية لاحتوائهما والتأثير عليهما اقتصادياً، مما دفع البلدين للسير قُدماً في طريق صوغ معادلات جيو- استراتيجية، ما يعني أن الدول التي كانت ضحية السياسة الأمريكية، بدأت بتشكيل تحالفات لضرب الخطط الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي من شأنه تشجيع دولاً أُخرى للانضمام إلى التشكيلات الجديدة، مع بناء إصطفافات من شأنها تعزيز التحالفات، لوضع التحركات الأمريكية في أطر التنافس الجيو – استراتيجي، فالحاجات المتبادلة في الأوجه كافة، كانت سبباً غير مباشر لتدعيم التحالف الصيني الإيراني، بمقومات المنافسة والتحدي مع البحث عن طُرق للعبث السلمي بماهية النموذج الأمريكي في السياسة والإقتصاد، فـ إيران التي تحتاج الصين اقتصادياً وعسكرياً، تحاول أن تُظهر للأوروبيين أن ثمن البقاء تحت العباءة الأميركية سيكون بالتوجه نحو الصين، وإشعارهم بالضرر الذي لحق بمصالحهم نتيجة السياسات الأميركية بعد إلغائهم صفقات مع إيران، وهو ما قد يؤدي إلى إحداث تغيير في السياسة الأوروبية تُجاه إيران، وتغليب مصالحهم الاقتصادية على علاقاتهم السياسية مع الولايات المتحدة.

في جانب أخر، يُلاحظ أن الصين تسعى لتعزيز شراكتها مع إيران، الأمر الذي يشي بأنها بدأت تحدي العقوبات الأميركية، وفرض إرادتها الاقتصادية، ومعاملة الجانب الأميركي بالمثل، مما يعزز قوة الشركات الصينية العاملة في الخارج، والتي يمكن أن تتعرض لعقوبات مستقبلية نتيجة عملها مع طهران، خاصة أن إيران تُمثل تحدياً جدياً لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

تتعدد أسباب سُخط واشنطن من طهران حول قضايا متعددة، من بينها إتهام ايران بدعم الحركات المناهضة للسياسات الامريكية، فضلاً عن انتهاك ايران لحقوق الانسان بحسب التوصيفات الامريكية، إلا أن تلك المبررات تأتي كـ تغطية للقلق الأكبر الذي يُثير صناع السياسة الامريكية، وهو سعي ايران لتصنيع أسلحة نووية، وقد حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها أن تُثني إيران عن تطوير قدرتها على تصنيع الاسلحة، وذلك من خلال مزيج من فرض العقوبات وتوقيع المعاهدات، في محاولة لردع إيران وتحجيم خطواتها نحو الاسلحة النووية.

نظام العقوبات الأمريكي المفروض على إيران ينطلق من مُرتكز أساسي؛ هذا المُرتكز يعتمد على الجهات الدولية التي ترتبط بإيران سياسياً واقتصادياً، مثل روسيا والهند والمانيا وتركيا، لكن في مقابل المرتكز الأمريكي، يُحافظ كل منهم على علاقات تجارية واقتصادية جوهرية مع إيران، غير أن واشنطن تحاول الفوز بتعاون بكين معها، الأمر الذي يُعد من أهم العناصر الحيوية في الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، لجهة ثني إيران عن تطوير قدراتها في الأسلحة النووية.

لكن في المقابل، تأبى الصين دعم فرض عقوبات جوهرية على إيران، نظراً لعمق الشراكة القوية والواسعة النطاق والتي نشأت بين البلدين، إذ يرتكز التعاون بين بكين وطهران على احتياجات الصين من الطاقة وموارد إيران الوفيرة منها، غير أنها تشمل كذلك العلاقات الاقتصادية البارزة في غير مجالات الطاقة ومبيعات الأسلحة، والتعاون في مجال الدفاع والتوازن الجيو استراتيجي ضد الولايات المتحدة، وبالنسبة لإيران لا دولة في العالم تُضاهي أهمية الصين في ضمان حماية طهران من الضغوط الدولية.

من منظور الصين تُعد إيران شريكاً استراتيجياً مهماً، ونقطة نفوذ ضد الولايات المتحدة، إذ تمتلك إيران احتياطي ضخم من النفط والغاز الطبيعي، الذي يمكنه دفع التنمية في الصين، كما أن إيران هي سوق متنامية للبضائع الصينية، بالإضافة إلى ذلك تُشكّل إيران المنخرطة في صراع مع الولايات المتحدة، فرصة مميزة للصين لمد نفوذها في الشرق الأوسط، مع إمكانية الحد من نفوذ القوات الامريكية في الخليج العربي، بحيث يصعب عليها التحرك محورياً تجاه المحيط الهندي.

وبالتالي، يُمكننا فهم نظرة الصين لإيران، والنهج الذي تتعامل به معها جزئياً، فالصين ترى في الولايات المتحدة منافساً جيو سياسي وعسكري، على الرغم من ارتباط الصين بالولايات المتحدة بجزئيات اقتصادية، إلا أن الصين تشعر بقلق بالغ إزاء نوايا الولايات المتحدة تُجاها بشكل عام، وتحديداً تشعر الصين بالقلق ازاء قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على المناطق الاستراتيجية العالمية، والحد من إمدادات الصين من الطاقة في أي صراع عسكري محتمل، وبهذا تعمل الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية القوية مع إيران، على مساعدة الصين في مواجهة لنفوذ الامريكي في الشرق الأوسط.

من الضروري فهم طبيعة ونطاق التعاون بين الصين وإيران، كمدخل لفهم الجهود الأمريكية والدولية من أجل صوغ استراتيجية ناجحة ضد إيران، فقد عرقلت سياسات الصين الجهود الامريكية والدولية، لتشكيل قرارات تُجاه ايران بشأن برنامجها النووي، والتعاون المتواصل بين الصين وإيران يُعيق المساعي الامريكية للضغط على بكين وطهران، وبنظرة أعمق فإن الصين وإيران هما وريثتان لحضارتين قديمتين وشامختين في العصر الحديث، وهذه حقيقة تصوغ شكل التعاون بينهم وتبرز شعور قادتهما بالهوية وبمكانهما في العالم، إذ أن نظرة الصين وإيران لهذه العلاقة تجنح إلى التأكيد على الإحساس المشترك بالعظمة الثقافية، إضافة إلى شعورهما المترابط بوقوعهما ضحيتان للقوى الغربية، وقد تبنى قادة الدولتين الروايات التاريخية التي تصف النظام الدولي بأنه غير عادل، ويقع تحت سيطرة القوى الغربية، إذ يسعى القادة الصينيون والإيرانيون جاهدين لحماية شرعية أنظمتهم أمام نظامٍ دولي شكّلته مفاهيم السيادة المحدودة.

هناك اربعة تطورات حدثت في أواخر تسعينيات القرن العشرين، وبدايات القون الحادي والعشرين، والتي فتحت الباب أمام فرص وحوافز جديدة للصين، لتستأنف التعاون على مستوى كبير مع إيران، فقد نجح جيانغ زيمين الرئيس الصيني الأسبق، في تقوية قبضته على السلطة عام 1997، عبر ادارته البارعة لعلاقة الصين مع الولايات المتحدة، ومن ثم استطاع أن يتخلص من قلقه حيال التوترات مع الولايات المتحدة، بشأن العلاقات الصينية بإيران، وفي ربيع عام 1999 أنتج القصف الجوي الامريكي لسفارة الصين في بلغراد بطريق الخطأ، ضغوطاً شعبية ونخبوية على القيادة الصينية للنأي بنفسها عن الولايات المتحدة، فجعلت من التعاون مع إيران طريقة شعبية لإظهار اللا مبالاة الصينية من المخاوف الأمريكية، ومع انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، تمكنت الصين من التخلص من مصدرٍ من مصادر النفوذ الأمريكي على العالم، واخيراً بعد اكتشاف برنامج إيران السري لتخصيب اليورانيوم عام 2001، بدأت الشركات الغربية في الانسحاب من إيران، وبدأت الحكومات الغربية في زيادة الضغط على إيران، الأمر الذي شكّل باباً جديداً وفرص ذهبية، للشركات الصينية والبعثات الدبلوماسية، لبناء روبط اقتصادية واستراتيجية مع طهران. وبالتالي في بدايات الالفية الجديدة، بدأت العلاقات الصينية الإيرانية في النضج، إلى أن وصلت الى شكلها لحالي.

ختاماً، وجدت إيران في الصين فرصة جديدة أثناء معاناتها بسبب العقوبات الأميركية الحادة والانكماش الاقتصادي، وترى بكين من جهتها فائدة في التعامل مع طهران، رغم أنها لا تواجه نفس القدر من المشاكل التي تكبّل اقتصادها، إلا أن أغلب المحللين يتفقون على أن أي صفقة بين طهران وبكين هي أشبه بلعبة جيو استراتيجية، ستتضرر منها الولايات المتحدة إقليمياً ودولياً، حيث أن اتفاقية التعاون الصيني الايراني والتي مدتها 25 عاماً، أثارت التكهنات والافتراضات والتحذيرات في وقت واحد، خصوصاً أنها تأتي في وقت يعيش فيه العالم أمام مستقبل اقتصادي غامض بسبب تداعيات وباء كورونا.

يُذكر أن الاتفاقية الصينية الإيرانية التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، تتضمن إنشاء مناطق تجارة حرة وتطوير تكنولوجيا الجيل الخامس عبر إيران، وتعزيز التعاون العسكري بين الدولتين في المنطقة، في محاولة لمواجهة هيمنة واشنطن التقليدية، كما يشمل الاتفاق الذي يقول أحد كبار مساعدي الرئيس الإيراني حسن روحاني إنه يتعين توقيعه في شهر آذار / مارس المقبل، تعاوناً عسكرياً أوثق بين الدولتين وتطوير الأسلحة، إلى جانب التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية، الأمر الذي يثير حزمة تساؤلات بشأن إذا كان هذا الاتفاق الصيني الإيراني رسالة تقلق الهيمنة الأميركية القائمة منذ وقت طويل في منطقة الخليج المجاورة.

من هنا يُمكننا النظر إلى ماهية العلاقة الصينية الإيرانية، بأن الدولتين لم تعد تحرصان على إرضاء المجتمع الدولي المُهيمن عليه أمريكياً، خاصة أنهما فرضتا نفسيهما كقوتين اقتصاديتين، فحين تتغير المصالح الإستراتيجية، تتغير معها العلاقات بين القوى الكبرى، وبالتالي لابد أن يفرض ذلك تغيراً في السياسات الدولية تُجاه الصين وإيران.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى